الثلاثاء 7 آذار (مارس) 2017
الانتفاضة -Alintifada

المرحلة النهائية في عملية التصفية العربية

د. رحيل محمد غرايبة
الثلاثاء 7 آذار (مارس) 2017

مراحل تطويع العرب نحو التسوية النهائية جاءت عبر عدة مراحل متوافقة ومتوازية مع مراحل تطور القضية الفلسطينية، وكل مرحلة جاءت بعدة فصول متوالية، ويمكن قراءة التاريخ السياسي العربي الحديث من خلال هذا المنظور، لأنه يشكل معياراً مهماً من معايير التشكل الإقليمي العربي، وفق توافق دولي استراتيجي واضح المعالم والخطوات، وإن كان هناك بعض الاختلافات التفصيلية في بعض الجزئيات التي لا تخرج بمجملها عن الخطوط العريضة للتوافقات الدولية بين اللاعبين الكبار.
بدأت المرحلة الأولى بعد الحرب العالمية الثانية بإنشاء الكيان الصهيوني في فلسطين عام 1948م، وجاء الاعتراف الدولي من الدول الكبرى ليعطي مؤشراً قاطعاً على التوافق الدولي على نشأة هذا الكيان وتهيئة الظروف العالمية والإقليمية من أجل رعايته ونموّه وبناء قوته المتدرجة، حيث تسابقت روسيا وأمريكا على الاعتراف بالكيان الجديد في هيئة الأمم المتحدة، وبدأت مسيرة المعاناة العربية منذ تلك اللحظة، في كيفية التعامل مع هذا الاحتلال الجديد وفي كيفية التكيف مع آثاره ومخلفاته.
جاءت المرحلة الثانية في عام (1967) لتشكل محطة جديدة في قوة الكيان الجديد وتمدده، وإضعاف الجبهة العربية وتمزيقها، من أجل اقتراب العرب من مسار التكيف مع الوضع الجديد، والانتقال بهم من المطالبة بالأرض المحتلة عام 1948م، إلى المطالبة بالأراضي المحتلة عام 1967م، وهذه المطالبة تقتضي بشكل حتمي الاعتراف بشرعية الاحتلال الأول، واعتباره أمراً واقعاً لا سبيل لإنكاره، وأصبح ذلك مساراً سياسياً لكل العرب والفلسطينيين أيضاً، لأن حركة التحرير الفلسطيني التي أنشئت عام 1965م، انتقلت خلال سنوات قليلة إلى المطالبة بما تم احتلاله بعد 1967م، وينطبق ذلك على مجمل الحركات الثورية الأخرى.
المرحلة الثالثة بدأت (بمعاهدة كامب ديفيد) التي ارتكزت على تحييد القوة المصرية ، ووقعت على المعاهدة التي نصت على السقف الأعلى للفلسطينيين (بالحكم الذاتي)، ولم يشر لا من قريب ولا من بعيد لحل (الدولتين)، أو الدولة الفلسطينية المستقلة.
المرحلة الرابعة تمثلت بإخراج منظمة التحرير من لبنان عام 1982، ومن ثم صدور مبادرة ريغان، ومبادرة الملك فهد التي أطلق عليها «المبادرة العربية» التي لم تخرج عن سقوف ما وقع عليه المصريون سابقاً وما جاء في مبادرة ريغان، وهذه المرحلة هيأت لاعتراف عربي واعتراف فلسطيني رسمي عبر اتفاق (أوسلو عام 1993م)، الذي أعقبه اتفاق وادي عربة والذي لم يخرج عن هذا السياق، وشكل ذلك محطة مهمة في سياق الذهاب نحو التسوية النهائية.
المرحلة الخامسة تمثلت بتحطيم القوة العراقية، وإخراجها من المعادلة العربية، وأصبحت الدولة العراقية خارج إطار التأثير في المسار السياسي العربي، بل إن العراق تتجه لتكون مثالاً للدولة الفاشلة، بعد الاحتلال الأمريكي، حيث تم حل الجيش العراقي، وإنشاء كيان فدرالي جديد منهك، يقوم على الصراع العرقي والمذهبي، وبتحطيم القوة العراقية تم اسدال الستار على فصل آخر من فصول اللعبة السياسية.
المرحلة السادسة ربما تكون المرحلة الأخيرة التي تم فيها الإجهاز على الدولة السورية وتجريدها من قوتها، كما تم الإجهاز على بقية مكامن القوة العربية، وتم أشعال الفوضى في العالم العربي كله، في سياق التهيئة للتسوية النهائية، حيث أصبح العرب بلا مخالب وبلا أوراق قوة متوقعة في سباق المواجهة العسكرية، مما يؤكد إزالة كل العوائق أمام إنجاز التسوية النهائية.
ما ينبغي التوقف عليه بوضوح في كل المراحل السابقة أن ذلك يأتي في سياق توافق دولي مؤكد، حيث أنه لم يخرج عن مشاركة روسية – أمريكية – أوروبية - صينية، ولذلك سوف تشرف روسيا على صياغة الشكل المقترح لسوريا الجديدة التي بدت ملامحها في «مشروع الدستور الروسي «، الذي طرحته مؤخراً على الأطراف السورية.
الاختلاف العربي عبر المحاور المختلفة، والاختلاف الإقليمي الإيراني – التركي لا يخرج عن سياق الاتفاق الدولي بالإطار العام وإن وجدت بعض الاختلافات في التفاصيل وتحديد الأدوار ودوائر النفوذ، وربما تكون المرحلة السادسة هي آخر المراحل لإرساء معالم التسوية النهائية للإقليم بأكمله، وبقي هناك بعض الفصول وبعض التفصيلات، وليس أمام العرب سوى أن يكيفوا أنفسهم مع المعطيات الجديدة المرسومة والمعروفة سلفاً.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 0 / 10704

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة