الأربعاء 1 آذار (مارس) 2017
الانتفاضة -Alintifada

الحل؟.. دولة فلسطينية واحدة

د. غسان العزي
الأربعاء 1 آذار (مارس) 2017

حل الدولتين لم يولد في الأمس القريب، بل إنه جاء حتى قبل الولادة المشؤومة للدولة الصهيونية في قلب الوطن العربي. ففي العام ١٩٣٧ قالت بعثة بيل التي أوفدتها دولة الانتداب البريطانية وقتها إلى فلسطين، بتقسيم هذه الأخيرة ما بين الفلسطينيين سكانها الأصليين واليهود الوافدين إليها. وفي العام ١٩٤٧ تبنّت الجمعية العمومية للأمم المتحدة القرار الرقم ١٨١ الداعي إلى تقسيم فلسطين إلى دولتين. وعادت الأمم المتحدة إلى التأكيد على قرارها هذا في العام ١٩٧٣. واتفاق أوسلو فهمته منظمة التحرير الفلسطينية على أنه يتضمن حلاً يقوم على نشوء دولة فلسطينية.. كما تضمّن مشروع السلام العربي بوضوح حل الدولتين، والذي تبنّته الرباعية برئاسة توني بلير. من جهته الرئيس بوش الابن كان يحب التذكير به والتشديد عليه، على الأرجح تغطية على جرائمه في العراق وجرائم حليفه شارون في رام الله وغزة ومخيم جنين.
بالتوازي مع المبادرات المتضمنة لهذا الحل كان الاستيطان «الإسرائيلي»، ولا يزال، ينشط على قدم وساق في القدس والضفة الغربية اللتين تحوّلتا إلى ما يشبه جلد النمر، ما يجعل من المستحيل رسم حدود واضحة للدولة الفلسطينية المزمعة والتي قضم المستوطنون «الإسرائيليون» ما يقارب الستين في المئة منها. ولم يحظ حل الدولتين، طوال العقود الطويلة المنصرمة، سوى بالكلام والإعلانات، بعيداً عن أي فعل على الأرض في اتجاه تنفيذه.
الرئيس أوباما كان، في الظاهر على الأقل، من المقتنعين بضرورة وضع هذا الحل موضع التنفيذ. لكنه اصطدم بجدار الرفض اليميني «الإسرائيلي» بزعامة نتنياهو الذي تمكّن من إجهاض كل المبادرات الأمريكية التي فشلت حتى في إقناعه بتجميد (وليس وقف الاستيطان) لمدة أشهر قليلة معدودة، إفساحاً في المجال أمام مفاوضات تنتهي بتسوية سلمية. فقط مرة واحدة، في يونيو/حزيران ٢٠٠٩ اعترف نتنياهو بحل الدولتين قبل أن تقوم حملته الانتخابية، في العام ٢٠١٦، على رفض مثل هذا الحل. لقد باءت محاولات أوباما لي ذراع نتنياهو بفشل ذريع، وجل ما تمكّن من فعله، وذلك في الأيام الأخيرة من ولايته، هو «السماح» لمجلس الأمن بإصدار القرار ٢٣٣٤ ضد الاستيطان «الإسرائيلي». لكنه أرفق ذلك بمساعدة عسكرية للدولة العبرية بمقدار ٣٨ مليار دولار، الأعلى في التاريخ بحسب الإدارة الأمريكية.
والحال هذه يمكن القول إن هذا الحل ليس سوى مولود ميت في الأصل وبأن ما فرضته الحكومات «الإسرائيلية»، عمالية كانت أم ليكودية، من وقائع على الأرض جعلت من إعادة إحيائه أمراً يقارب المستحيل. وما من شيء يلزمها، إزاء التطورات الإقليمية التي تشهد انهيار الجيوش العربية وتفتت النظام الإقليمي العربي والحروب الأهلية وما شابه، بتقديم ما تعتبره تنازلاً للعرب والفلسطينيين. «إسرائيل» تعيش اليوم عصرها الذهبي، وميزان القوى لم يكن يوماً أفضل حالاً مما هو عليه اليوم بالنسبة لليمين الصهيوني الذي لا يزال يحلم بتحقيق مشاريعه التوسعية.
وهكذا فإن انحياز الرئيس الأمريكي ترامب، السافر وغير المسبوق، لحليفه «الإسرائيلي» وتخلّيه عن حل الدولتين، وتعيينه سفيراً في «إسرائيل» أكثر تأييداً للاستيطان من المستوطنين أنفسهم..الخ. لا يغير في جوهر الأمور شيئاً سوى أنه يكشف المستور في وضح النهار ويعري الحقائق أمام من كان يرفض رؤيتها. ثم أن لا قيمة فعلية لما يقوله ترامب ويتبجح به، فالإدارة الأمريكية تعيش منذ وصوله إلى السلطة فيما لم تعرفه في تاريخها الطويل من تخبط وتناقض وتراجع.
وعلى الرغم من أن أوروبا، وتحديداً فرنسا، التي نظّمت مؤتمراً حضرته ستون دولة، عشية وصول ترامب إلى البيت الأبيض، كذلك الأمم المتحدة والجامعة العربية وكل المنظمات الإقليمية بل والعالم أجمع الخ.. لا يزال على قناعة بأن لا حل سوى حل الدولتين، فهذا الأخير لن يبصر النور، أقله في المدى المنظور. والسبب معروف وهو أن واشنطن الوحيدة القادرة على إلزام «إسرائيل» بقبول هذا الحل، لن تفعل في عهد ترامب، كما لم تفعل قبله في يوم من الأيام.
لذلك فإن الصراع الفلسطيني-«الإسرائيلي» سيبقى على الأرجح من دون حل، لا دولة ولا دولتين، مع محاولات «إسرائيلية» حثيثة للاستفادة من التطورات الإقليمية لتصفية القضية الفلسطينية. هذا هو مغزى «الحل الإقليمي» الذي ناقشه نتنياهو مع ترامب في البيت الأبيض في ١٥ فبراير/شباط الماضي.
هذا الحل هو الآخر مجرد وهم، لأن العرب مهما كانوا عليه من ضعف وتقاعس وانقسام لا يستطيعون التوقيع على وثيقة إعدام القضية الفلسطينية. حتى ترامب الذي وعد بنقل سفارته إلى القدس تراجع، كما فعل كل أسلافه، بعدما علم بأن هذا الفعل سيقود إلى انفجار إقليمي غير معروف النتائج. القضية الفلسطينية ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، بل قضية العرب والمسلمين أيضاً. وهؤلاء لن يكونوا مضطرين، لدواع دينية على الأقل، إلى الإقرار بيهودية القدس والدولة العبرية على حساب الملايين من أصحاب الأرض. ومن جهة أخرى فإن «إسرائيل» التي ترفض حل الدولتين الذي يضمن لها استمراراً ومقبولية إقليمية، لن تكون قادرة على ابتلاع الديموغرافيا الفلسطينية الزاحفة في دولة واحدة ستغدو نموذجاً للعنصرية في عصر ما بعد الأبارتهايد. وهكذا من دون مبالغة يمكن القول إنه رغم كل الظاهر من موازين القوى، فإن من يعيش مأزقاً حقيقياً لا مخرج منه هو «إسرائيل» نفسها، وبأن حكمة التاريخ ربما تدفع، على المدى المتوسط أو البعيد، في اتجاه حل الدولة الواحدة... الفلسطينية.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 1 / 10704

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة