الخميس 23 شباط (فبراير) 2017
الانتفاضة -Alintifada

«إسرائيل» تسعى لحل إقليمي

جميل مطر
الخميس 23 شباط (فبراير) 2017

يبدو أنه حان أخيراً موعد الإجابة عن سؤال التصق بالصراع على فلسطين منذ بدايته عند نهاية الحرب العالمية الأولى. شخص ما في مكان ما طرح على العرب واليهود في أعقاب صدور وعد بلفور فكرة أن يوماً سيأتي حين يقرر الطرفان معاً أنهما يستطيعان العيش معاً على أرض فلسطين، أو حين يقرّر طرف منفرد أنه حتى لو كان العيش إلى جانب الآخر ممكناً، فلن يكون التعايش ممكناً. كعادتهم وبتأثير ثقافتهم الإقليمية تسرّع العرب بالإعلان عن أن تقسيم الأرض بين اليهود والفلسطينيين غير مقبول، فكانت الحرب التي لم يكن العرب مستعدين لها ولا الفلسطينيون، وهي الحرب الأولى التي انتهت بطرد الدفعة الأولى منهم إلى خارج فلسطين. قامت «إسرائيل» ولم تقم فلسطين.
يتعايشان أم لا يتعايشان. كان الظن طول الوقت يميل إلى أنه ربما يأتي يوم يتعوّد فيه الشعبان كل على الآخر فيتعاونان في مجال ثم في آخر لينتهي الأمر بقبولهما التعايش، فيتوقف الصراع. يعيش الطرفان على أرض واحدة وتحت نظام ديمقراطي يضمن حقوق المواطنين ويحمي عقائدهم ويحترم مقدساتهم، أو يعيش الطرفان على جزأين منفصلين من الأرض تربط بينهما اتفاقات حدود وأمن متبادل تضمنها الدول الكبرى ودول الإقليم. بقي الظن وهماً. قادة في الطرفين عاشوا الوهم، وأغلبهم في الطرف الفلسطيني ووقّعوا اتفاقية أوسلو. صنعوا الوهم ونفذوه وغطسوا فيه. قادة آخرون، أغلبهم في الطرف «الإسرائيلي» لم ينساقوا وراء وهم التعايش. ظلّوا متمسكين بأهداف واضحة وخطة طريق ثابتة. هذه الأرض أرض «إسرائيل» وسوف «نحصل عليها كاملة وإن على مراحل». في كل مرحلة يحصلون على قطعة من أراضي الفلسطينيين، ينسفون البيوت ويقتلعون الزراعات ويعتقلون الشباب، وفي أحيان كان الأمن الفلسطيني موجوداً في خدمة «الإسرائيلي»، وفي أحيان أخرى كان موجوداً وشاهداً ولا يحمي أرضاً أو شعباً. فقط يحمي قادة الوهم. هكذا تتوسع مساحة «إسرائيل» وتضيق مساحة فلسطين. هكذا تحقق معظم الحلم الصهيوني بتكلفة زهيدة ولم يبق سوى مرحلة، أظن أنها الأخيرة.
أتحفنا دونالد ترامب حين كان مرشحاً للرئاسة ثم وهو رئيس، بمؤتمرات وخطابات أثارت مشاعر قوية وإن متناقضة في جميع أنحاء العالم. كان نصيبنا فيها الأكثر. آخرها مؤتمره الصحفي الذي عقده مع صديقه القديم وربيب نعمة أصهاره بنيامين نتنياهو. كان المؤتمر في أحد جوانبه مهزلة لا تقل هزلاً عن مؤتمرات أخرى عقدها مع مسؤولين أجانب أو عقدها منفرداً. ولكن في جوانب أخرى، وهو الجانب الذي يخصنا، كان فرصة رائعة لنعرف كشعوب عربية، وبيننا شعب فلسطين، أن المرحلة الأخيرة في صراع «الإسرائيليين» مع العرب قد بدأت منذ شهور قليلة، وأن أطرافاً غير قليلة تشترك بجهود وموارد متفاوتة لتمهيد شعوب الإقليم والرأي العام العالمي لتطور أخير قادم مع أول فرصة تتاح.
عرفنا في المؤتمر الصحفي أن القيادتين الأمريكية و«الإسرائيلية»، قررتا أن الوقت حان لإبلاغ العالم بأسره والفلسطينيين بخاصة أن التعايش بين «الإسرائيليين» والفلسطينيين غير ممكن. سمعنا أيضاً عن حل إقليمي جديد، ظن البعض منّا أنه من بنات أفكار ترامب، ليكتشف بعد أيام أنه كان من إبداعات جون كيري. الآن فقط نعرف أن إدارة باراك أوباما لم تتخلّف عن عادة استنّتها عقول سخيفة في الخارجية الأمريكية، وهي عادة التقدم باقتراح تسوية للقادة الفلسطينيين و«الإسرائيليين» في اللحظة الأخيرة من عمر الإدارة الحاكمة في واشنطن، يلقون الاقتراح أو المبادرة ويهربون. لم يحاول أحد التقاط مبادرة من هذه المبادرات باستثناء مبادرة جون كيري، لأنها جاءت على هوى أطراف أخرى في العالم العربي، وجاءت تلبي رغبة «إسرائيلية» حامية، ولأنها لم تعر الطرف الفلسطيني اهتماماً، التقطتها «إسرائيل» والتقطها عرب، ولم ندر بها إلا حين أعلن ترامب تبنيها وصدّق عليه بنيامين نتنياهو في المؤتمر الصحفي المشهود.
أن يكون الحل إقليمياً فكرة ليست جديدة، طرحها العرب في قمتين على الأقل، قمة فاس قبل خمسة وثلاثين عاماً وقمة بيروت قبل خمسة عشر عاماً. رفضتهما «إسرائيل» لأنها لم تكن توسعت بقدر ما هو مرسوم في خطة طريقها، ولأنها تريد أن تحصل من العرب على ما هو أكثر وأهم من التطبيع. تريد أن يشترك العرب في تحمّل مسؤولية إنهاء القضية الفلسطينية أو على الأقل «إنكار» وتجاوز وجودها. هذه الرغبة ليست جديدة بل أعلنتها وتمسكت بها حتى حصلت عليها في مفاوضات كامب ديفيد، حين جعلتها ملحقاً لا ينفذ. جاءتها الفرصة النموذجية، أو بدقة أكبر، جاءتها مجموعة فرص في ربطة واحدة. أولى الفرص، عالم عربي ممزّق، تهدّد استقراره وتجمّعاته أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية خطرة. ثانيتها، قادة من العرب مستعدون نفسياً وربما سياسياً للقبول بمبدأ إعادة توزيع السكان، أي تغيير خرائط ديموغرافية تحت ضغط الإرهاب واحتدام الصراعات الطائفية، والنيّة المبيتة لدى أطراف دولية لدعم تغييرات جديدة في حدود دول المنطقة. ثالثتها، دخول إيران طرفاً خارجياً في سباقات رسم الخرائط السكانية الجديدة في بلاد المشرق العربي وترسيخ نفوذها في عدد منها، أي دخولها عنصراً قوياً وفاعلاً في المجال الحيوي «الإسرائيلي».


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 1 / 14435

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة