الثلاثاء 21 شباط (فبراير) 2017
الانتفاضة -Alintifada

الغرق في التفاصيل

رشيد حسن
الثلاثاء 21 شباط (فبراير) 2017

من وصايا ثعلب السياسة الأميركية، هنري كيسنجر للمفاوضين الأميركيين والإسرائيليين “أغرقوهم بالتفاصيل حتى يملوا، وينسوا جذر المشكلة” ..!! ومن هنا فمن قرأ تفاصيل المباحثات بين الوفود العربية، والوفود الإسرائيلية في واشنطن بعد مؤتمر مدريد1991، يجد أن الوفود الإسرائيلية كانت حريصة على مفاجأة الوفود العربية بالتفاصيل، أو إثارة قضايا جانبية وهامشية لإرباك المفاوض العربي، وتشتيت ذهنه، وجره إلى مربع التوتر وعدم التركيز.
وهذا ما أدركه مبكرا، وفطن له، رئيس الوفد الفلسطيني، الدكتور حيدر عبد الشافي رحمه الله، فكان في بداية كل جلسة حريص على التذكير بجذر المشكلة. “أرضنا محتلة وجئنا إلى هنا لهدف واحد، وهو الاتفاق على إنهاء الاحتلال”.
صلابة موقف المفاوض الفلسطيني، ورفضه الانجرار إلى كمين الألاعيب الصهيونية، هو الذي دفع العدو إلى البحث عن قناة ثانية للمفاوضات، فكانت “اوسلو” والتي في جوهرها وتداعياتها تعتبر نكبة جديدة، بحجم نكبة 1948، أو ربما أخطر منها، إذ اعترفت منظمة التحرير بدولة للعدو الصهيوني على 78% من أرضي فلسطين التاريخية، وأجلت البحث في القضايا الرئيسة “القدس، اللاجئين، الاستيطان، المياه، الحدود” إلى المباحثات النهائية.
وبوضع النقاط على الحروف نجد أن كثيرا من السياسيين والصحفيين والإعلاميين وقادة الرأي العام والأحزاب، ينسون أصل المشكلة وجوهرها، ويغرقون في التفاصيل، وفي تفاصيل التفاصيل ... فينسون مثلا أن القدس محتلة، وأن الأقصى محتل ويغرقون في متابعة وتفاصيل قضية منع رفع الاذان عبر مكبرات الصوت، رغم أهميتها وخطورتها ... وينسون أن الأرض كلها محتلة من البحر إلى النهر، وأن الاستيطان هو النبتة الشريرة للاحتلال ...
يا سادة ... كافة الشرور التي تضرب الأرض المحتلة هي بفعل الاحتلال. فالاحتلال هو المسؤول عن عدم رفع الاذان، والاحتلال هو المسؤول عن تهويد القدس، وبناء المستوطنات، واقتلاع أكثر من 1.5 مليون شجرة زيتون، وتجريف الأراضي الزراعية. والاحتلال هو من شرع سرقة الأراضي الفلسطينية، واستباح ويستبيح الأقصى يوميا. وهو من يطلق الكلاب البوليسية المدربة على النساء الفلسطينيات عند الحواجز لإرهابهن وتخويفهن، ومنعهن من المرابطة في الأقصى.
والاحتلال الفاشي هو من حرق أبو خضير وعائلة الدوابشة، وهدم المنازل على رؤوس ساكنيها يوميا، في أكبر عملية تطهير عرقي تشهدها فلسطين منذ النكبة الأولى 48 وحتى الان. والاحتلال هو المسؤول عن تشريد أكثر من 80% من الشعب الفلسطيني، والحكم عليهم بالنفي الأبدي في أربعة أرجاء الارض، وهو المسؤول الأول عن كافة مشاكل قطاع غزة المحتل ... عن الحصار الظالم الذي مضى عليه عشر سنوات، عن انقطاع الكهرباء والمياه الصالحة للشرب، وهو المسؤول عن إغلاق المعابر، وعن تجويع مليوني فلسطيني ما دفع بعضهم الى ركوب زوارق الموت، ليلاقوا حتفهم في أعالي البحار، وهو المسؤول عن انتشار الأمراض المستعصية، وموت الآلاف بالسرطان بسبب عدم السماح لهم بالسفر لتلقي العلاج اللازم ...
باختصار ...
الاحتلال هو أساس الداء والبلاء ... وهو مصدر كافة الشرور. إنه الإرهاب بعينه، لا بل رأس الإرهاب.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 0 / 10704

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة