الثلاثاء 27 كانون الأول (ديسمبر) 2016
الانتفاضة -Alintifada

القرار الأممي بوقف الاستيطان .. هل حقا صفعة أميركية؟

خميس التوبي
الثلاثاء 27 كانون الأول (ديسمبر) 2016

الامتناع الأميركي عن التصويت ضد مشروع القرار المقدم إلى مجلس الأمن الدولي الذي يطالب بوقف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة قد يعكس في نظر مراقبين سابقة في تاريخ علاقة التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وكيان الاحتلال الإسرائيلي من حيث إنه الأول منذ احتضان الإمبريالية الأميركية مشروع الاحتلال الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط وتكفلها بحمايته ومد أذرعه، لكنه من حيث المضمون لم ولن يغير من ثوابت السياسة الأميركية وعلاقة التحالف الاستراتيجي، وإن بدا في ظاهره تحولًا في أعين عدد من المراقبين والمحللين.
صحيح أن امتناع واشنطن عن استخدام حق النقض “الفيتو” لقطع عنق مشروع القرار والسماح بتمريره وإقراره من قبل مجلس الأمن بأغلبية ساحقة، قد أثار امتعاضًا وغضبًا لدى كيان الاحتلال الإسرائيلي، إلا أن واشنطن لم تلجأ إلى هذه الخطوة خارج سياق التنسيق مع كيان الاحتلال الإسرائيلي والدول الأخرى الأعضاء في مجلس الأمن وتحديدًا بريطانيا وفرنسا المؤسسين الأولين لمشروع الاحتلال عبر مستعمرته الكبرى المسماة “إسرائيل” في المنطقة، ولو كان الأمر خلاف ذلك فإن من شأنه أن يرى العالم بأجمعه تحولًا جذريًّا في السياسة الأميركية القادمة فيما يخص التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وكيان الاحتلال الإسرائيلي والالتزام الأميركي الثابت بحماية الاحتلال الإسرائيلي، وهذا ما لن يحصل ولن يمكن رؤيته لا على المدى المتوسط أو البعيد.
ولعل تدخل الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب لحظة إزماع مصر تقديم مشروع القرار في مجلس الأمن بنسخته الزرقاء ومهاتفة نظيره الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي للطلب منه بتأجيل تقديم مشروع، يؤكد أن أمن كيان الاحتلال الإسرائيلي والالتزام بحماية مشروعه الاحتلالي في المنطقة، والدفاع عن جرائم الحرب التي يرتكبها بحق الشعب الفلسطيني ودولته، وشعوب المنطقة ودولها، من الثوابت الأميركية غير القابلة للتحول والتبدل. والحرد الترامبي من عدم قيام الإدارة الديمقراطية بقيادة باراك أوباما ـ التي حزمت حقائبها استعدادًا للرحيل ـ يشي بأن الولايات المتحدة مقبلة على خطوات عملية أكبر لصالح الاحتلال الإسرائيلي تساوي أو تتجاوز خطوات الإدارة الأميركية الجمهورية بقيادة جورج بوش “الصغير” التي فجرت المنطقة والعالم بالحروب الصليبية انطلاقًا من أفغانستان ثم العراق من أجل تأمين كيان الاحتلال الإسرائيلي، فكللت هذا النجاح بما أسمته خطة خريطة الطريق، ثم رسالة الضمانات التي بعث بها بوش “الصغير” لحليفه وصديقه أرييل شارون رئيس وزراء حكومة الاحتلال آنذاك.
ترامب الذي لم يخفِ غضبه من عدم استخدام الفيتو ضد مشروع القرار الذي قدمته ماليزيا والسنغال وفنزويلا ونيوزيلندا بعدما سحبته مصر، يبدو أنه يستعد ليكون وإدارته نسخة من جورج بوش “الصغير” وإدارته إزاء كيان الاحتلال الإسرائيلي، فقد أعلنها صراحة أثناء حملته الانتخابية أن الولايات المتحدة ستعترف بالقدس عاصمة لـ”إسرائيل” وستقيم فيها سفارتها إذا انتخب رئيسًا، وفي دلالة واضحة على نياته عيَّن َترامب مستشاره خلال حملته الانتخابية ديفيد فريدمان الذي يعد من غلاة الصهاينة وأشرس المتحمسين والساعين إلى نقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة، وأشرس المتحمسين والمدافعين عن الاستعمار الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية. وقد أكد فريدمان المحامي الصهيوني أنه ينتظر بفارغ الصبر القيام بمهمته “في العاصمة الأبدية لـ”إسرائيل” القدس”.
في تقديري المتواضع، أن الخطوة الأميركية بالامتناع عن استخدام الفيتو في مجلس الأمن لنسف مشروع قرار يدين أول وأبرز حليف استراتيجي للولايات المتحدة، ويضعه في زاوية ضيقة، بالنظر إلى الظرف والزمان، لن تخرج ـ كما أكدت آنفًا ـ عن دائرة التنسيق بين الحلفاء والداعمين لمشروع الاحتلال الإسرائيلي، ويمكن استلماح ذلك من خلال الآتي:
أولًا: إن حركة التطبيع المجاني مع كيان الاحتلال الإسرائيلي من قبل العديد من العرب تشق طريقها بسرعة لافتة، بل إن بعض العرب والأعراب بات يرى في الكيان المحتل حليفًا موثوقًا لمواجهة الكذبة الكبرى المتمثلة في الخطر الإيراني، وبالتالي باتت لدى هؤلاء الأعراب وبعض العرب أولويات غير أولوية القضية الفلسطينية والحق الفلسطيني والعربي، والدولة الفلسطينية المستقلة والقدس والمسجد الأقصى، وأصبحوا هم في مقدمة المدافعين والحامين لأمن كيان الاحتلال الإسرائيلي، ولا يزالون يقدمون أوراق اعتمادهم لدى سيدهم الإسرائيلي بتمويلهم صفقات السلاح لدعم الإرهاب ودعمهم لتنظيماته لتدمر وتعيث فسادًا في الدول العربية المعادية للاحتلال الإسرائيلي، والرافضة لممارساته وجرائمه.
ثانيًا: إن تقديم مشروع القرار جاء متزامنًا مع أعياد الميلاد التي يستعد لها الغرب المسيحي للاحتفال بها، حيث ارتفاع منسوب الخوف من هجمات إرهابية أثناءها وتعكيرها، وما زاد هذا المنسوب الهجوم الإرهابي على السوق الشعبي في ألمانيا والذي قاده أحد المهاجرين، مُوقِعًا عشرات الضحايا بين قتيل وجريح، وبالتالي عدم تمرير مشروع القرار الذي يطالب بوقف الاستيطان الإسرائيلي وعدم تبنيه، قد يعزز نبرة العداء ـ كما يظن الغرب الداعم للإرهاب في المنطقة ـ وقيام بعض الإرهابيين المنغمسين بين اللاجئين بهجوم إرهابي يفسد عليهم أعيادهم، مع اليقين الأميركي والغربي والإسرائيلي أن القرار الذي تبناه مجلس الأمن الدولي ويطالب بوقف الاستيطان الإسرائيلي لن يختلف عن أشقائه من القرارات السابقة ذات العلاقة بالاحتلال الإسرائيلي وبالصراع العربي ـ الإسرائيلي. لذلك في تصوري، من ذهب إلى أن امتناع إدارة أوباما عن التصويت هو طلقة الوداع أو ضربة توجهها لكيان الاحتلال الإسرائيلي قد حاد عن الصواب، ويتنافى ما ذهب إليه مع الدعم العسكري الأميركي الضخم ومع اتفاقية الدعم المالي الكبير والضخم الذي وقعته إدارة أوباما ولم تسبقها إليه أي إدارة من قبل.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 6 / 10704

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة