السبت 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016
الانتفاضة -Alintifada

عندما تهرب الطفلة من أمّها

السبت 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016

- احمد عزم

تخبرني سيدة فرنسية تزوجت من شاب فلسطيني، مُحامٍ، عمل لسنوات في الولايات المتحدة الأميركية، قبل عودته إلى رام الله، ويعمل الآن مع شركات تجارية أميركية، عبر الهاتف المرتبط بالإنترنت، عن تجربة مشاركتها عائلة زوجها في إحدى القرى الفلسطينية، في انتظار إطلاق سراح أحد الشبان، بعد تسعة أعوام من الأسر الصهيوني. وتقول إنّه رغم عربيتها المبتدئة، أمكنها ببعض المساعدة فهم الوضع. كان الأمر أشبه بتنافس الحزن مع الفرح. فالأم لا تستطيع انتظار دقائق أخرى لوصول ابنها، وكأن تعب السنوات تكثّف في الدقائق الأخيرة، أو أنّ التعب تراكميّ وبلغ مداه. وكانت النّسوة "يأمرن" الأم: "افرحي"، وتنفرج قليلاً ثم تعود للقلق والتوتر. ثم يذكّرنها: "افرحي"، فتنفرج وتضحك، ثم تبكي وتقلق، حتى جاء الابن وركضت إليه وسط الجموع المنتظِرة.
قابلتُ الأسير المحرر، عندما رآني أستقبل الباحثة الفرنسية-الفلسطينية، الآن، ومعها زوجها في الجامعة، وقد عاد للدراسة، ولم أكن أعرفه أو أعرف قصته، وأصر على دعوتنا إلى فنجان قهوة، وجلسنا وتحدثنا. ثم صرت أراه في الأروقة طالباً عادياً، يشارك الطلبة صخبهم، كأنه لم يختلف عنهم بعقدٍ كامل من العُمر والسجن. شأنه شأن أسرى كثر، لا يَعُون أنّ السجن اقتطع منهم عمراً، فيريدون العودة من نقطة الاعتقال، رغم صعوبة وغرابة هذا.
نُشر هذا الأسبوع مقالٌ في صحيفة "القدس" الفلسطينية، بتوقيع "الأسير طارق سلمان". وأقرّ أني لا أعرف من هو، لكن بعض البحث أوضح أنّه أسير يواظب على توثيق شؤون الأسرى؛ فيكتب كيف لا يكترث محامون بقضايا موكليهم، ويتعاملون معهم بشكل مادي، فإذا ذهب الأسير لمحامٍ آخر "لديه وقت" واجتهاد، قد ينخفض الحكم للنصف، ومنها عن كيفية صناعة ساندويش فلافل في المعتقل.
في مقاله الأخير ثلاث قصص جارحة، صريحة، تنزع رومانسية السجن؛ فبداية عندما تلد أسيرة داخل المعتقل، أو يكون اعتقالها عقب ولادتها، يُؤتى برضيعها ليكون معها. تعتني به جميع الأسيرات، ويصبحن أماً له. وهن إما محرومات من الأمومة، أو من أطفالهن. ويكتب عن هديل: "معظم الأسيرات ينادينها بأسماء أطفالهن. جميع الأطفال لهم أمّ واحدة، إلا هديل، عشرات الأمهات". وبموجب نظام السجن، تُخرج الرضيعة في سن الثانية. وعلى عكس قصة أخرى، كتبتُها سابقاً، عن طفل صار يدمن الوقوف عند قضبان الأبواب والنوافذ، ومراقبة أقرانه عن بعد، فإنّ الطفلة بَكَت يوم أراد والدها إقفال باب غرفة النوم، وصارت تبكي كلما رأت باباً مقفلا. ولأنّ الأم ما تزال تخضع للمحاكمة، قرر الأب اصطحاب الطفلة لجلسة المحكمة، مُعتَقِداَ أنّها فرصة لفرح الطفلة بأمها. لكن الصغيرة ما إن رأت السجن، حتى بكت، وفي المحكمة، بكت، ولم تستجب لمداعبات الأم وصرخت "ما بدي أروح عالسجن.. ما بدي ماما".
في قصة ثانية، يوثقها طارق، يتحدث عن أسير أطلق سراحه قبل سنوات في صفقة "وفاء الأحرار". فتزوج، وحملت زوجته. لكن أعيد اعتقاله، فولد ابنه وهو في الأسر. وبعد أحد الاتصالات الهاتفية مع عائلته، أصابه صمت وحزن ودمع، ولم يتحدث إلا بعد ساعات وإلحاح زملائه. فابنه يريد شراء "بوظة". فقالت الأم نسأل بابا أولا. فركض للهاتف الخلوي، وصار يحدّثه أريد بوظة أريد بوظة. سأله أحدهم أين بابا، فأحضر الخلوي: "اعتقد أني جهاز خلوي"!
وأسير ثالث ينقل طارق قصته، كان يتشوق للقاء ابنته، فاليوم سُمح له برؤيتها وجها لوجه وليس عبر زجاج نافذة غرفة الزيارة. وقام بمغامرة تهريب حبّات شوكلاتة معه. كان يمني نفسه بحضنها واللعب معها. عاد باكيا: "لم تتقبل سارة والدها، رفضت أن يمسكها ويضمها، وبقيت تبكي وتصرخ وتنادي ماما".
ما يزال الأسرى يجترحون البطولة داخل المعتقل، وما يزالون مدرسة للصمود والحياة. ولعلي قريبا أكتب عن "الجامعات" التي أقاموها في "هدريم" وغيره من السجون. لكن تبعات الاعتقال النفسية والأسرية، من الأمور المسكوت عنها، وتحتاج لبرامج رعاية خاصة.
لم أسأل الباحثة الفرنسية إنّ كانت حادثة استقبال ذلك اليوم، هي التي جعلتها تقرر جعل موضوعها للدكتوراة هو "حياة ما بعد الأسر". لكني أعرف أنّ ذلك الشاب لم يُمضِ خارج الأسر سوى نحو عام، وجرى اعتقاله مجددا.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 18 / 10601

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة