الجمعة 13 أيار (مايو) 2016
الانتفاضة -Alintifada

المشروع النهضوي التحرري الفلسطيني

غانية ملحيس
الجمعة 13 أيار (مايو) 2016

ستوقفني سؤال استنكاري لأحد الأصدقاء حول ماهيّة الرسالة التي أنوي إيصالها إلى الجيل الفلسطيني الفتيّ المنتفض حين قلتُ في مقال لي بـ «إمكانيّة التّسامح مع يهود إسرائيل باعتبارِهم أيضاً، مثلنا، ضحايا للمشروع الاستعماري الغربي / الصهيوني، والاستعداد بذلك للاعتراف لهم بحقوق مكتسبة في فلسطين، عند تخليهم عن الفك الاستعماري (الاستيطاني الصهيوني العنصري) وقبولهم بالعيش المشترك مع أصحابها، الفلسطينيين الأصليّين (المقيمين واللاجئين العائدين) في الوطن الواحد في إطار نظام ديمقراطي تعددي بتساوٍ تام أمام القانون»، في محاولة لاستلهام تجربة جنوب إفريقيا في حلّ الصّراع الفلسطيني - الإسرائيلي. وعبّر الصديق عن استهجانه لمجرد التفكير بإمكانية التسامح مع «الّذين قدِموا للاستيلاء على مقدّرات شعبنا واقتلاعه من أرضه ووطنه والسيطرة على الثروات العربية».
نماذج تاريخية
ولفتتني أيضاً التعليقات العديدة على مقالي ذاك الذي استعرضتُ فيه النماذج الثلاثة التي عرَفها التّاريخ الإنساني لحل الصراعات ذات الطابع الاستيطاني. لا يقبل أصحاب هذه التعليقات سوى بنموذجٍ أوحد لحلّ الصّراع الفلسطيني – الإسرائيلي تتحقق فيه العدالة المطلقة بإلحاق الهزيمة الساحقة بالمستوطنين اليهود ورحيلهم إلى مواطنهم الأصلية، أسوة بالنموذج الثاني، الإفرنجي «الصليبي» قبل تسعة قرون، والاستيطان الفرنسي في الجزائر في ستينيات القرن الماضي.
فيما لم تستبعد بعض التعليقات المفرِطة في التشاؤم إمكانية حل الصّراع وفقَا للنموذج الأول الذي حقق فيه المستوطنون الأجانب انتصاراً ساحقاً على أصحاب البلاد الأصليين (الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، أستراليا، نيوزيلندا) مبرّرين ذلك بالوضع الفلسطيني المتردّي، وفقدان البوصلة، وتعمّق الانقسام السّياسي والتّنظيمي والجغرافي، واحتدام الصراعات الداخلية الفئوية والشخصية، وتزامُن ذلك مع التشظي العربي والإسلامي، وتحالف ملوك وأمراء وزعماء الطوائف والقَبائل والفصائل مع المحتل الصهيوني وداعميه.
ولفتني، كذلك، سؤال تشكّكي لصديق آخر حول مدى صوابيّة حصر حل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي بالنماذج الثلاثة واستبعاد حلّ الدولتين وفقاً لحدود عام 1967 «في ضوء خصوصية واختلاف النموذج الإستيطاني الصهيوني من حيث المبدأ، لكونه نتاج توافقٍ دولي نادر لا يزال متواصلاً حول حل «المسألة اليهودية» خارج الحدود الجغرافية للقوى الدّولية المتنفّذة، ما يجعل الشعب الفلسطيني يواجه، بالإضافة لإسرائيل، قوى دولية عظمى ويُكسِب الصّراع بالتالي فرادة يُفترض أن تلقي بظلالها على نموذجِ حلّه».. وعليه، فهو يعتقد بأن إخفاق «حلّ الدولتين» على أساس حدود عام 1967 لا يَعود إلى المبدأ كما اعتقد، وإنّما هو ناجم في الأساس عن «انتهاج الفلسطينيين للتفاوض الثنائي كمنهجٍ وحيد».
ضرورات
نبهتني هذه الملاحظات النقدية المهمة، واستمرار التباين الشّاسع في تصوّر الفلسطينيين للمستقبل المأمول والممكن، إلى عمق المأزق الفلسطيني.
فهل يُعقل أن يبقى المستقبل الفلسطيني مختلَفاً عليه إلى هذا الحدّ ومفتوحاً على كافة الاحتمالات بعد أكثر من قرن على بدء الصّراع مع المشروع الاستعماري الغربي / الصهيوني، ونحو سبعة عقود على نجاحه في إقامة كيانه الاستيطاني في 78 في المئة من مساحة فلسطين، وأكثر من نصف قرن على احتلاله لبقيتها، ثم تسارع تمدّده فيها جغرافياً وديمغرافياً؟
هل يجوز أن يواصل الشعب الفلسطيني داخل الوطن وفي المنافي نضاله المستميت على مدى أجياله المتعاقبة، بلا توافق وطني واضح على المستقبل المأمول بلوغه، وعلى سبل وأدوار مختلف التجمعات الفلسطينية في تحقيقه؟
هل يمكن أن تستمر الفَصائل والتنظيمات والأحزاب والحركات الفلسطينية في قيادة الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات في اتّجاهات مختلفة، وأحيانا متضاربة ومتعارضة، لافتقارها إلى بوصلة وطنية جامعة موجِّهة، وبلا اعتبار لكلفة وتداعيات ذلك على الشعب والوطن والقَضية؟
هل يمكن أن تواصل النخب الفلسطينية على اختلاف انتماءاتها ومواقعها هذا التيه على الرغم من وضوح الحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة، ومن تمسك الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده بثوابت الحرية والعودة والمساواة وتقرير المصير على أرض وطنه، واستعداده للتضحية بلا حساب من أجل بلوغ ذلك؟
ولماذا تبدو هذه النخب عاجزة، ويُهيَأ لها بأن المستقبل الفلسطيني يخضع للأقدار ويرتبط بالظروف وبسلوك الغير؟ على الرغم من أنّ التاريخ الإِنساني قديمه وحديثه، حافل بالبراهين والأدلة الدامغة التي تثبت ارتباط مصائر الشعوب، كبيرها وصغيرها، بإرادتها الحرّة، وبإصرارها على التمسك بحقّها الأصيل في الحلم بهدف إنساني مشروع، يرتبط أساساً بنضجها، وبمقدرة أطُرها القيادية والمؤسّسيّة على تحويل هذا الهدف إلى رؤية نهضويّة جامعة تعكس طموحات وتطلّعات أبناء الوطن الواحد، وتضمن تلاقي مصالح كافّة مكوناته المجتمعية حول القَاسم المشترك الأعظم. ويرتبط الأمر كذلك بقدرتهم على فهم الظروف الذاتية والموضوعية بدقة، وإدراك ما قد تتيحه من فرص يمكن أن تقَرّبهم من أهدافهم، لالتقاطها، وما تنطوي عليه من مخاطر يمكن أن تبعدهم عن تلك الأهداف، لدرئها. كما يرتبط بمدى وعيهم بظروف واحتياجات وأولويات المكونات المجتمعية المختلفة، وبسبل المواءمة المثلى بينها وبين أهداف البرنامج الوطني التحرري، لضمان انخراطها فيه، ولتعزيز المناعة المجتمعية. ويرتبط، أيضاً، بمقدرتهم على انتهاج السّياسات والاستراتيجيات الملائمة، ووضع خطط العمل والبرامج التنفيذية التي تمكّنهم من الاقتراب المتدرّج من الأهداف وفق جداول زمنية معقولة ومعلومة، وبالتزام العدالة في توزيع أعباء تحقيقها على الجميع.
ما خطب النّخب الفلسطينية إذا كانت كافّة الدلائل تشير إلى الدّور الرئيس للعامل الذاتي في تحديد المصير؟ وهل يجوز أن نستسلم للعجز ونواصل تبرير استمرار إخفاقنا وتزايد ابتعادنا عن تحقيق أهدافنا الوطنية التحررية، بالظروف التي تحيط بقَضيتنا والقوى الدولية والإقليمية والعربية التي تتآمر علينا وتتحالف ضدّنا وتوفر لعدونا قدرات هائلة تمكّنه من إحباط كل محاولاتنا المتواصلة على امتداد أكثر من قرن؟
ألا يتوجب علينا أن ندرك أننا لسنا وحدنا من تعرّض، ولا يزال، للتآمر الخارجي، وأنه ربّما لم تسلَم أمّة أو شعب منذ بدء التاريخ من التآمر الخارجي وإن بدرجات متفاوتة الشدة؟
لا أهدف من وراء التركيز على تقصير النخب ودور العامل الذاتي في الإِخفاقِ الفلسطيني، كما قد يخال البعض، إلى إلغاء أو تقليص دور التآمر الخارجي الدولي والإقليمي والتواطؤ العربي وتأثيراته الكبيرة على مسار الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي ومآله.
وأعلم أنه ربما لم يعرف التاريخ البشري المدوّن مثل هذا الحشد من القوى الدولية والإقليمية، وبضمنها بعض القوى العربية المشاركة، طوعاً أو كرهاً، بالتآمر على شعب صغير مسالم والإسهام في محاولة تصفيته وتشريده واحتوائه لإرغامه على الرضوخ لمنطق القوة المنفصل عن الحقوق، والتسليم بقَدره بالتنكر لتاريخه والقبول بإحلال الغزاة الأجانب المستوطنين مكانه. وأنه ربما لم يعرف التاريخ أيضاً مثل هذا الاستعصاء من شعب صغير أعزل لا يزال يصارع للقَرن الثاني على التوالي من أَجل البقاء الوطني، رغم ضخامة الفوارق في موازين القوى، وفداحة ما يتكبده من خسائر بشرية ومادية على امتداد أجياله المتعاقبة.
لكنني على الرغم من ذلك شديدة اليقين بأن طريقاً واحداً ممكناً للخروج من المأزق الفلسطيني الراهن، وهو يكمن:
*بالاعتراف أولاً، بأننا كفلسطينيين نقف أمام إخفاق شامل بامتياز، وبأننا جميعا نتحمّل مسؤولية مشتركة عن تزايد ابتعادنا عن تحقيق أهدافنا التحررية، على الرغم من التضحيات الجسيمة لشعبنا الصّابر المعطاء.
*ثانياً، بأنّ المسؤولية عن هذا الإخفاق لا تقَع كما يحاول البعض إيهامنا على عاتق فصيل بعينه، بل تشترك فيه جميع القوى والفصائل والتنظيمات والأحزاب الفلسطينية الوطنية والقَومية والإسلامية، دون إغفال الدور الرئيس لحركتي فتح وحماس في ذلك باعتبارهما أكبر الفصائل التي تتصدر المشهد الفلسطيني منذ عقود.
*ثالثاً، بأن الإخفاق الفلسطيني لا يقتصر على القَادة وحدهم في المنظمة والسلطة والمعارضة، رغم دورهم الأساسي في ذلك، وإنما هي مسؤولية جماعية ناجمة عن قصور وتقصير فلسطيني شامل لجيلنا المخضرم بأسره على اختلاف انتماءاته السّياسية والعقائدية والتنظيمية والفصائلية والحزبية، وباختلاف مواقعه الرسمية والأهليّة، سواء عبر الإسهام المباشر في السّلوكيات التي أدت إلى هذا الإخفاق، أو من خلال التزام الصمت والتقاعس عن مواجهتها كما ينبغي، والعجز عن تشكيل بديل حقيقي قادر على التّصدي للسلوكيات الفلسطينية الخاطئة التي أفضت إلى الفشل في مواجهة المشروع الصهيوني المعاكس لاتجاه تطوّر حركة التاريخ، والإخفاق في منع تقدّمه والتأسيس لهزيمته، على الرغم من جسامة تضحيات الشعب الفلسطيني على امتداد أجياله المتعاقبة الخمس.
*والاعتراف رابعاً بطول أمد الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي وبعدم توفر شروط وإمكانات وفرص حلّه سياسياً في المدى المنظور. والبناء على ذلك بالإدراك بأنّ المرحلة الراهنة تقتضي معرفة متطَلّبات إدارته بما يحفظ الهوية الوطنية الجامعةَ للفلسطينيين في الوطن والشّتات، ويحمي التماسك المجتمعي الفلسطيني، ويوفر لمختلف التجمعات الفلسطينية مستلزمات الصمود الوطني المقاوم (السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقيَمية إلخ...) ويعزّز قدراتها ويقَوي مناعتها، ويُبقي في الوقت نفسه على جذوة النضال التحرري مشتعلة بكلفة مقبولة ومحسوبة، بجعله نمط حياة يتوجب التكيّف الإيجابي معه بما يضمن تواصله والحيلولة دون انقطاع مراحله حتّى تحقيق أهدافه في الحرية والعودة وتقرير المصير.
* خامساً بالحاجة الملحّة لإحداث تغيير جوهري فلسطيني في الفكر والسّلوك والأداء يرقى إلى مستوى تضحيات الشّعب الفلسطيني ومعاناة أبنائه في الوطن والشتات، ويصل حد الثورة.
* سادساً بأن أولى خطوات التغيير الذاتي تقضي إجراء مراجعة نقدية جادة وجريئة لأداء الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة في الوطن والمنافي، ومصارحة الشعب الفلسطيني بالتجارب والاجتهادات الخاطئة التي أفضت إلى الواقع الفلسطيني المأزوم، وتبصير الجيل الفتي المنتفض بتداعياتها الخطيرة على كل الصعد (السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والقيمية وغيرها)، وتنبيهه إلى مخاطر التكلس والجمود الفلسطيني وأخطار استمرار السلوكيات ذاتها التي أفضت إلى الإخفاق.
وثاني خطوات التغيير الذاتي تحتّم على النخَب الفلسطينية في القطاعات الرسمية والأهلية التوقف عن نهج التخويف والتهويل من تبعات التصدي لاعتداءات جيش الاحتلال وجرائم مستوطنيه. وعليها الخروج من عزلتها الاختيارية والاقتراب من نبضِ الجماهير الشعبية الفلسطينية العريضة التي بفضلها تتبوّأ هذه النخب المواقع وتجني المكتسبات والامتيازات. وعليها خصوصاً التقرب من جيل الشباب الفلسطيني الثائر المعطاء لاستعادة الثقة بالقدرة على الانتصار على العدو الصهيوني. إذ لا مستقبل للكيانات الاستعمارية الوظيفية المرتكزة في قيامها وضمان وجودها على الأساطير والتزوير والتضليل وحماية القوى الخارجية ومواصلة العدوان والتنكر لحقوق الآخرين والاعتماد على سطوة القوّة التّدميرية لإخضاعهم واستمرار العيش على حد السّيف إلى الأبد.. كما يبشر رئيس الوزراء الإسرائيلي شعبه. لأن ذلك ببساطة معاكس للطبيعة البشرية ولصيرورة التاريخ الإنساني.
وعلينا الإدراك بأن هذا اليقين بحتمية زوال الكيان الصهيوني، مهما بلغت سطوة قوته ومهما طال بقاؤه، لا يقتصر علينا وحدنا وإنما يتشارك فيه معنا العديد من المفكّرين والمحلّلين والباحثين الغربيين الجادين، بمن فيهم بعض اليهود، بل وعدد متنامٍ من المؤرّخين والمفكّرين الإسرائيليين، وأنّ نصف الشعب الإسرائيلي بات يشكّك ببقاء دولة إسرائيل وفقاً للاستطلاع الذي قام به «معهد الاستراتيجيات الصهيونية (IZS)» في أواخر عام 2015.
لكنْ على الرغم من هذا اليقين بالحتمية التاريخية ، يتوجّب الإقرار أيضاً بأنها ليست تلقائية الحركة، وإنما هي رهن بإرادة صلبة لتفعيلها. ويتوجب الانتباه كذلك إلى أنّ انتصار الشعوب على الغزاة لا يقاس فقط بحجم البطولات والتّضحيات، على أهمّيّتها وضرورتها لبلوغه، بل هو رهن بقرارٍ استراتيجي معرفيّ وفعل إرادة واعية بمتطلّبات وسبل توفير موجبات ميزان قوى جديد قادر على تحقيق الأهداف بسرعة معقولة وكلفة مناسبة.

- الحراك الشبابي الأخير
وأولى الخطوات لذلك تقضي بالمسارعة في مغادرة الموقف الانتظاري التشكّكي الذي لا يزال غالبية الفلسطينيين يلتزمونه منذ بدء الحراك الشبابي، قبل أكثر من ستة أشهر، والسعي لالتقاط الفرصة التاريخية التي يتيحها الشباب الثائر بانتفاضته الجسورة الواعدة من أجل استعادة نهج المواجهة مع الحركة الصهيونية لهزيمتها، باعتبارها حركة استعمارية رجعية معاكسة لاتجاه تطوّر حركة التاريخ تستند إلى فكرٍ عنصريّ إقصائي ينكر على الآخر المختلِف وجوده وحقوقه وتاريخه وحضارته.
واستعادة نهج المواجهة مع الحركة الصهيونية لا يعني على الإطلاق تكرار الدخول فلسطينياً في نفق الخيار الأوحد، بل استخدام كافة الأساليب والوسائل النّضاليّة المشروعة، والتمييز بين عدم مشروعية الكيان الصهيوني الذي يتوجب مواصلة النضال لإنهائه، وبين متطلبات التعامل السّياسي والإنساني مع الحقائق الديموغرافية الناجمة عنه، فلا يسعى (كما تروّج الأحزاب الصهيونية المسيطرة على القرار الإسرائيلي) إلى تصفية الوجود اليهودي في فلسطين عبر الإبادة والتطهير، وإنما يتعامل معهم كبشر، هم أيضاً ضحايا تم استهدافهم والتواطؤ بين الحركة الصهيونية والقوى الإمبريالية المتنفذة لاستئصالهم من أوطانهم الأصلية وتهجيرهم إلى فلسطين لحل «المسألة اليهودية» خارج الحدود الجغرافية الأوروبية من جهة، ولتوظيف احتياج بقاء الكيان الاستعماري الاستيطاني الصهيوني المستحدث فوق أنقاض الشعب الفلسطيني للحماية الخارجية، باستخدامه كقاعدة متقدمة تضطلع بحماية مصالحها الحيوية في المنطقَة مع انتهاء عصر الاستعمار المباشر، وبتعزيز هيمنتها الإقليمية والدولية من جهة أخرى.
وعليه فإنّه يُتوقع أن يتجنّب المشروع الفلسطيني الوقوع في الفخ ذاته بتجنيد الضحايا لخوض صراع تناحري أبدي فيما بينهم كي يحفظ للقوى الدولية المتنفذة هيمنتها ونفوذها ويؤمن دوام استحواذها على الموارد والأسواق.
.. ما يحصر الخيارات في بديلَين لا ثالث لهما:
÷ الأول: استمرار الحروب بين الفلسطينيين ويهود إسرائيل إلى أن تُتاح ظروف محلية وإقليمية ودولية تمكّن أحد الطرفين من استئصال الآخر كلياً من فلسطين، وبذلك استمرار الصراع لعدة أجيال قادمة.
÷ الثاني: استلهام تجربة جنوب إفريقيا، التي لا تراهن على الزمن المفتوح على كافة الاحتمالات، بل تفتح الآفاق أمام حلول إبداعية ممكنة لحلّه تعي أن العدالة المطلقة متعذرة فيما العدالة النسبية ممكنة، ولا ترتهن للعصبيات الثأرية، وتمدّ يد العون أيضاً ليهود إسرائيل حصرياً لتمكينهم من تلمّس فرصة حقيقية ممكنة لحل الصراع عند تحررهم من الإيديولوجيا الصهيونية. وتُبدي من أجل ذلك الاستعداد للاعتراف لهم بحقوق مواطنة مكتسبة، لمواصلة من يختار منهم العيش الآمن في فلسطين، فتخلّصهم بذلك من عقدة وهم استهدافهم بسبب عقيدتهم الدينية وتفوّت الفرصة على التّحالف الصهيوني - الإمبريالي الغربي باستمرار استنفار غريزة الخوف الكامنة لديهم من الأغيار لتعطيل قدرتهم على انتهاج طريق بديل ممكن يسمح بإنهاء الصراع الوجودي الفلسطيني - الإسرائيلي.
من يبادر؟
وقَد يحاجج البعض بأن منطق الأمور يشير إلى أنّ الطرف المظلوم، الأضعف والمعتدى عليه، هو حكماً الأحقّ بأن تقدَّم إليه المبادرات والتطمينات.
وعلى الرغم من وجاهة هذا الطرح، إلّا أنّ وقائع التّاريخ تدل على أن الطرف المظلوم هو الوحيد المؤهل لفتح الآفاق أمام البدائل الممكنة التي تقود إلى الحلول الجذرية، كونه:
* أولاً صاحب الحق، وكونه الوحيد الذي يمنح الشرعية للحلول.
* وثانياً، لأن قوّته الأساسية ـ في ظلّ الاختلال الهائل في موازين القوى ـ تكمن في مقدرته على تعظيم خسائر الطّرف المعتدي أكثر من جنيِ الأرباح بفعل المعادلة الصفرية التي تحتكم إليها الصراعات الوجودية.
*وثالثاً، لأنّه الأكثر تأثراً بفوارق القدرات التدميرية التي يمتاز بها المعتدي، ما يجعل حاجته للبحث عن البدائل الممكنة للحلول أكثر إلحاحاً.
* ورابعا، وربما الأهم، لأنّ الواقع القائم، المغرق في الجنوح نحو الهاوية، فلسطينياً وإسرائيلياً وعربياً وإقليمياً ودولياً، وتنامي صعود اليمين العنصري إلى مواقع صنعِ القرار الإسرائيلي والدّولي، واستدراج غالبيّة الدّول العربية إلى صراعات وحروب داخلية إلغائية.. لمْ يُستثنَ منها أيضاً الشعب الفلسطيني رغم احتلال كامل وطنه وتشرّد نصف أبنائه، فانقسم النظام السّياسي الفلسطيني واحتدم الصراع بين أطرافه إلى حد الاقتتال والإلغاء دون رادع من احتلال يستهدف الكلّ الفلسطيني، ولا يزال هذا الانقسام يتعمّق ويتمأسس ويتكرّس سياسياً وجغرافياً وديموغرافياً للعام التاسع على التوالي. ولا يزال النّهج الإلغائي يتواصل بأبشع صوره بين الأطراف الفلسطينية وداخلها، كما حدث بين حركتي فتح وحماس عام 2007، وبين التيّارات المتصارعة داخل الحركة الإسلامية الفلسطينية ذاتها (تصفية السلفيين في المسجد الأبيض في غزة في 15/8/2009، وتصفية المعارضين لسلطة حماس إلخ..) وداخل حركة فتح ( بين فتح الأم وفتح الإنتفاضة، وبين فتح وصبري البنا (أبو نضال) في أواخر القرن الماضي)، وحالياً بين التيارات والقيادات المتنافسة على النفوذ والخلافة داخل فتح وخارجها، بل ولا تتورّع القوى الفلسطينية المتصارعة عن الاستقواء بالخارج عربياً وإسرائيلياً وإقليمياً ودولياً!
.. كلّ ذلك كفيل بنشر وتعميق ثقافة الخوف من الآخر المختلف، وكفيل بتعميق الاستقطاب والفرز الذي تؤجّجه غريزة البقاء، ما يعزّز قدرة القوى الدّولية المتنفّذة على استمرار توظيف احتياج المتصارعين للدعم والمؤازرة، وتجنيدهم في تنفيذ خططها لإحكام سيطرتها وتعزيز هيمنتها الإقليمية والدّولية.
وهو كفيل على وجه الخصوص بتمكين القوى الصهيونية المتحالفة عضوياً معها، من مواصلة مهمّتها الأساسية في استدعاء المخاوف الوجودية الكامنة لدى يهود إسرائيل وإبقاء تداعيات العنصرية الأوروبية حيّة في ذاكرتهم الجمعية، وإسقاطها على الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي ، لتبرير الجرائم والسلوك الإلغائي والتطهير العرقي الذي تمارسه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ضدّ الشعب الفلسطيني، بادّعاء خطره الوجودي عليهم، بغية منعهم من الخروج من الدائرة المغلقة للصراع الوجودي، وللحيلولة دون تمكينهم من تلمّس طريق بديل ممكن التحقق عند إعمال العقل وإعلاء المصلحة، لِإنهاء الصّراع مع الفلسطينيين أصحاب البلاد الأصليين، ومع سائر الشعوب العربية والإسلامية، والتأهب لبناء مستقبل أفضل للجميع.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 19 / 10673

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة