الجمعة 1 أيلول (سبتمبر) 2017
الانتفاضة -Alintifada

المشكلة ليست عند ترامب

عوني صادق
الجمعة 1 أيلول (سبتمبر) 2017

على المستوى الفردي، لا يستطيع المرء السوي أن يهرب من سؤال يفرض نفسه عليه، هو: كم مرة يترتب عليه أن يكتشف أن «صديقاً» مزعوماً يكذب عليه ويخدعه حتى يرميه جانباً ويتوقف عن تصديقه والتعامل معه؟! والسؤال نفسه مفروض على المستوى العام. فمثلاً، كم مرة من المفروض على السلطة الفلسطينية أن تصدق أن «الرعاية الأمريكية» لما تُسمى «عملية السلام» يمكن أن تجد «حلاً» للقضية الفلسطينية!!

قبل أيام غادر الوفد الأمريكي برئاسة صهر الرئيس الأمريكي جاريد كوشنير المنطقة بعد جولة في عدد من الدول العربية، انتهت بلقاءين مع رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو، ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، أظهرا مجدداً أن طحن الماء لا ينتج غير الماء!! الغريب أن أحداً من المسؤولين الفلسطينيين، ومعهم الرئيس عباس، لم يكن يتوقع غير هذه النتيجة، بالرغم من التصريحات المخادعة التي صدرت عن بعضهم. الرئيس عباس قبل وصول الوفد الأمريكي بأيام التقى زعيمة حزب (ميرتس) «الإسرائيلي»، وقال لها: إنه التقى بمبعوثي الرئيس دونالد ترامب عشرين مرة، ولم يجد لديهم فكرة واحدة بخصوص ما سماه ترامب (صفقة القرن)! وهكذا كانت المرة الواحدة والعشرون كسابقاتها؛ بل ربما أسوأ؛ لأنها حملت بعض التأكيدات التي أظهرت أن الاستمرار عبث محض يخدم مخططات الاستيطان والتهويد التي تنشط فيها وتسرعها حكومة نتنياهو، ما يجعل مجرد استئناف المفاوضات العبثية غير وارد!! مع ذلك، فإن نتنياهو لم يجد غضاضة في القول أثناء لقائه مع كوشنير: إن «السلام في متناول اليد»! كيف وعلى أي أساس، وهل يكفي التضليل الإعلامي وحده لتحقيق السلام، وعن أي سلام يتحدث نتنياهو؟
من الواضح أن هناك مشكلة وهي قديمة، وهي ليست عند ترامب، ولا هي عند نتنياهو. وحتى نعرف أين المشكلة وعند من تكمن، علينا أن نتحرى عنها في التصريحات التي صدرت عن الأطراف الثلاثة المنخرطة في العملية. أولاً أمريكياً، لا يمكننا اعتبار المشكلة عند ترامب؛ لأن مفاوضات ربع قرن (بدأت مع إعلان أوسلو) لم تتقدم خطوة واحدة نحو «الحل»، ولم تقدم سوى الغطاء الضروري لسياسات الاستيطان والتهويد «الإسرائيلية». فلماذا تنسب المشكلة لترامب الذي لم يكمل سنة واحدة في البيت الأبيض؟ كذلك ليست المشكلة عند نتنياهو، فالرجل لم يغير سياساته منذ جاء لرئاسته الثانية للحكومة (2009)، أي منذ ثماني سنوات؛ بل سرعها، ويرفض علناً مطالب السلطة الفلسطينية الأقل أهمية، التي لا تؤثر في سياساته.
بعد بدء المشاورات حول عقد «المجلس الوطني الفلسطيني»، قال الرئيس عباس: «ننتظر الرؤية الأمريكية»! كان ينتظر الوفد الأمريكي القادم. الناطق باسم الرئاسة، نبيل أبو ردينة، صرح قائلاً: «اللقاء القادم مفصلي»! جاء الوفد وتم اللقاء، فماذا جرى؟ التقارير الصحفية ذكرت أن كوشنير قال للرئيس عباس: «وقف الاستيطان غير ممكن»؛ لأنه إن تم ستنهار حكومة نتنياهو (الحجة الأمريكية الأزلية الأبدية)! وقالت التقارير أيضاً، إن كوشنير تجاهل ذكر «حل الدولتين»، وتحدث بما يدل أنه ليس لدى ترامب والإدارة الأمريكية «رؤية واضحة». والحقيقة أن رؤيتهما هي رؤية نتنياهو بلا زيادة أو نقصان. صحيفة (جيروزاليم بوست) أشارت إلى أن «الخارجية الأمريكية وإدارة ترامب لا تلزمان نفسيهما بحل الدولتين، وتقاومان الضغوط لتوضيح موقف الإدارة منه». ويتضح من أقوال كوشنير أن «الحل الإقليمي» و«الحل الاقتصادي» الخاصين بنتنياهو هما ما يفكر فيهما ترامب وإدارته؛ حيث قال مخاطباً عباس: «بعثنا الرئيس للحديث في الموضوع المهم بالنسبة له وهو العلاقات السلمية بين مجمل بلدان المنطقة». وقال لنتنياهو: إن «الرئيس ملتزم جداً بالتوصل إلى حل هنا يجلب الازدهار والسلام لجميع سكان المنطقة». وأضاف: «لكن ليس هناك أي آفاق واضحة»!!
ووصف بيان للقنصلية الأمريكية في القدس المحتلة المحادثات بأنها «جوهرية» وأن «الجانبين ركزا على مواصلة المحادثات التي تديرها الولايات المتحدة باعتبارها أفضل طريق للتوصل إلى سلام شامل»! وفي تصريح لنبيل أبو ردينة، تم تأكيد ما جاء في بيان القنصلية؛ حيث قال: «تم الاتفاق على استمرار الحوار الهادف إلى التوصل إلى صفقة سلام شاملة»!
المشكلة في قيادة السلطة الفلسطينية التي ما زالت تثق بالراعي الأمريكي أياً كان اسمه، وبصلاحية ترامب لرعاية الحل، مع أن «إسرائيليين» صهاينة يرون غير ذلك! كتب شلومو شامير في صحيفة (معاريف - 21/8/2017): «المشكلة أن كوشنير وغرينبلات يمثلان شركة تتعرض لإفلاس أخلاقي، وصلاحيتهما في السوق السياسية والدبلوماسية في درك أسفل»، منهياً مقاله بتأكيد أن «الاستنتاج الحتمي هو أنه في كل ما يتعلق بتحقيق حل سياسي للنزاع، وحتى استئناف المفاوضات، لن يأتي أي خلاص من البيت الأبيض»! ..


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 54 / 14448

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة