الجمعة 18 آب (أغسطس) 2017
الانتفاضة -Alintifada

عين على غزة

محمد خالد الأزعر
الجمعة 18 آب (أغسطس) 2017

الانشغال بتعديات إسرائيل على الحرم القدسي خلال النصف الثاني من يوليو الماضي، صرف في حينه الأنظار والأذهان عن المرارات التي تعانيها مناطق فلسطينية أخرى على مدار الساعة.. فبينما كانت تلك التعديات ومقاومتها، وما ترتب على ذلك من مناظرات، تستقطب اهتمامات كل المعنيين بمصير المسجد الأقصى ورحابه، صدر بيان مشترك عن سبعة مقررين أمميين، يصور حجم الأضرار والهموم الثقال التي يعيش تحت وطأتها وبين ظهرانيها سكان قطاع غزة.

موجز البيان الذي وصف بغير المسبوق الصادر في جنيف (3/7/2017)، أن القطاع يكاد يقع من كل المناحي والمجالات خارج الحياة الآدمية. لكن الموقعين عليه يولون عناية استثنائية بمشكلة انقطاع إمدادات الكهرباء هناك، الأمر الذي أدى إلى تدهور مروع في البنية التحتية والخدمات الأساسية.

وضمن التفصيلات التي يتطرق إليها المقررون، بلغة مغموسة بالألم أن شح الطاقة الكهربائية يزيد الضغوط على الأهالي؛ المطحونين أصلاً ولأعوام كثيرة بالفقر وبأكبر معدل للبطالة والركود الاقتصادي على الصعيد العالمي، كما أنه يعمق لديهم الشعور باليأس والقنوط.

يثير البيان انتباه كل من يعنيهم الأمر إلى ما يرتبط بهذا الواقع الكئيب من نقص للرعاية الصحية؛ التي تنحدر رأسياً نحو كارثة محققة. ومع ما تشير إليه هذه المعلومات من أخطار لا قبل لسكان القطاع بمواجهتها، إلا أن المقررين يشددون على تداعيات أزمتي مياه الشرب والصرف الصحي، لاسيما بالنسبة لأوضاع الأطفال وكبار السن والنساء وذوي الإعاقة والأمراض المزمنة.

ذلك أن المياه المحلاة الصالحة للشرب تتناقص يومياً، ولا تزال مياه المجاري تتدفق نحو البحر بمعدل مئة مليون لتر يومياً، وتزيد من تلوث المياه الجوفية في وقت تعاني فيه الزراعة من محدودية الري. وهذا ينذر بتفاقم الأمن الغذائي.

لا يتردد المقررون في الإشارة بشجاعة إلى أن المسؤول عن هذا المشهد اللا إنساني هو إسرائيل بوصفها قوة احتلال؛ تسيطر على دخول وخروج الأفراد والبضائع إلى القطاع. وعليها أن تفي بالتزاماتها بموجب القانون الدولي وشرائع حقوق الإنسان. إن عدم وضع حد فوري للحصار والإغلاق المستمر منذ عشرة أعوام يرتقي لمرتبة العقاب الجماعي.

هذا بلاغ ونذير من أهل الذكر؛ الذين لا يشهدون إلا بما يعلمون ويعاينون ويلامسون بشكل مباشر في الميادين. فالمقرر الأممي ليس مجرد عابر سبيل أو مراقب عن بعد أو مجتهد يعتمد على أقوال الآخرين غير المختصين أو على التقارير الصحافية المرسلة. إنه خبير مستقل يعينه مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، كي يبحث في وضع قطري أو حقوقي محدد بدقة ويرفع عنه تقريراً إلى المجلس.

وهو منصب شرفي تطوعي، يتبوأه أهل الدراية والمعرفة العميقة بالقضايا المثيرة للاهتمام موضع التحقيق من قبيل استخدام الشرطة للعنف؛ حالات الإعدام بلا محاكمة؛ معاناة أطفال الشوارع؛ اضطهاد الأقليات العرقية؛ الصلة بين الفقر المدقع واحترام حقوق الإنسان؛ مدى الالتزام باحترام الحق في مياه الشرب المأمونة والحق في عدم التمييز والحق في التنمية.

في حالة الشعب الفلسطيني عموماً تكسرت النصال على النصال. كل أبناء هذا الشعب، في فلسطين التاريخية تحت السيطرة الإسرائيلية متعددة الأنماط، كما في الملاجئ والمنافي والشتات القسري تحت هيمنة بلاد الله وخلق الله على اختلاف النظم والألوان والثقافات، يعيشون في كبد.

هم إجمالاً محشورون بين أكثر من مطرقة وأكثر من سندان؛ بين عدو يستبد بأمرهم وأقارب أو أصدقاء أو غرباء يتجهمونهم. ومع هذه الشراكة في الهم والنكد، يبدو أن لأهل غزة نصيب مضاعف من الآلام. بيان المقررين الشرفاء السبعة يؤكد ذلك، ويقينا ثمة شهادات لجهات محايدة أخرى تشاطرهم هذا التقدير.

ذات حين تمنى اسحق رابين، الصهيوني الراحل الذي تقلب بين أرفع المناصب القيادية في إسرائيل، أن يستيقظ يوماً على خبر ابتلاع البحر لغزة. ذلك لشدة بأسها ضد المشروع الصهيوني. ترى هل نبالغ حين نتصور اليوم أن آخرين كثر يرددون في أنفسهم هذه الأمنية اللعينة.

لكن القول الحق إن غزة لن تغور في البر ولا في البحر. هي شاهد على ظلامة الشعب الفلسطيني، وتستحق اهتماماً أكبر ورعاية أكثر من لدن كل المهمومين بمصير هذا الشعب.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 36 / 10704

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة