الأربعاء 2 آب (أغسطس) 2017
انتفاضة التحرير

تصورات «إسرائيلية»

د. ناجي صادق شراب
الأربعاء 2 آب (أغسطس) 2017

بعد سبعين عاماً على قيام «إسرائيل»،بدأت تخرج بعض التصورات للسلام الذي يسعى له الكيان، والسؤال لماذا الآن؟ قد يرتبط هذا التصور بالمشروع الصهيوني بصورة عامة. فمشروع «إسرائيل» منذ قيامها لم يكتمل،هي لا تريد الاعتراف بالدولة بل تريد الاعتراف بمشروعها؛ حيث إن مكونات السلام «الإسرائيلي» تقوم على مرتكزات تنطلق من رؤية «إسرائيل» لذاتها ولدورها في المنطقة.وفي هذا السياق السلام الذي تريده «إسرائيل» له مستويات متعددة: الأول، المستوى الإقليمي العربي، والثاني،المستوى الفلسطيني.. ومنطلقات هذا التصور أولاً أن يتم الاعتراف والقبول الكامل بإسرائيل كدولة تنتمي جغرافياً للإقليم، وعلى هذا المستوى حصلت تطورات، وتأرجحت مابين الحرب والمفاوضات، والرفض والقبول، فعلى المستوى الإقليمي شهدت المنطقة أربع حروب رئيسية، وأكثر من حرب جزئية، والنتيجة الحتمية لهذه الحروب عدم نجاح «إسرائيل» في تحقيق أمنها، ومن أبرز تطوراتها عقد معاهدات سلام مع أهم دولتين مجاورتين لها وهما مصر والأردن. ومن مظاهر التطور الإيجابي للسلام على المستوى الإقليمي، أولاً، صدور المبادرة العربية التي تقوم على الاستعداد لقبول «إسرائيل» كدولة وتطبيع العلاقات معها مقابل حل القضية الفلسطينية. ثانياً، التحول في مفهوم العدو المشترك، وخصوصاً مع بروز الخطر الإيراني، وخطر الحركات الإسلامية المتشددة، وعلى هذا المستوى يمكن القول إن هناك بيئة للسلام، فمن قمة الخرطوم 1967 بلاءاتها الثلاثة لا اعتراف، لا قبول، لا صلح، إلى القبول والاعتراف والصلح. وهنا تسارع «إسرائيل» في زمن التحولات التي شهدتها المنطقة وخصوصاً بعد ثورة التحولات العربية التي هددت الوجود الوطني للدول العربية وبروز الخطر الإيراني لتقدم نفسها أنها البديل، وأنها القادرة على مواجهة هذا الخطر، ومستفيدة من التحولات في بنية القوة الدولية، ووصول إدارة الرئيس ترامب التي تتبنى وجهة النظر الإسرائيلية نفسها بخيار السلام الإقليمي الذي يقود لحل القضية الفلسطينية، وهنا تبرز مبادرات ومقترحات كثيرة منها تشكيل «ناتو» إقليمي، تكون «إسرائيل» إحدى ركائزه الأساسية؛ ولذا تطالب «إسرائيل» بالتسريع بخطوات السلام الإقليمي، ومما يساعد على ذلك ما نلحظه من تراجع للقضية الفلسطينية كمكون عربي جمعي. أما المستوى الثاني للسلام «الإسرائيلي» فهو المستوى الفلسطيني، الذي هو المدخل للمستوى الأول، وبدونه يصعب على أي دولة عربية أن تذهب بعيداً في علاقاتها مع «إسرائيل». على هذا المستوى تقوم الرؤية «الإسرائيلية» على عدد من المنطلقات: أولاً الحقيقة السكانية التي لم تنجح كل سياسات «إسرائيل» التي تراوحت بين القوة والاعتقال والحصار والحرب بطمس الهوية الوطنية؛ بل إنها فرضت نفسها وبقوة وبشكل كبير سواء داخل «إسرائيل»،أو في الأراضي الفلسطينية المحتلة أو في الشتات. ولذلك أول عناصر هذه الرؤية هو كيفية التعامل مع هذا العنصر السكاني، وهنا تصورات كثيرة تتعلق بالحقوق الاقتصادية، وبدرجة من الشراكة في إدارة الأراضي الفلسطينية، ومن التنسيق الأمني، والبحث عن حلول إقليمية كالحل الكونفدرالي مع الأردن ومع «إسرائيل» فى مرحلة متقدمة، والعنصر الثاني الذي يحكم التصور «الإسرائيلي»، العامل الجغرافي أو الحيز المكاني؛ فإسرائيل لا تعترف بملكية فلسطينية للأرض وتعاملت مع هذا العنصر على أنه ملكية مطلقة لها، ولذا قامت بعملية استيطان غير مسبوقة في الضفة الغربية وسمحت بوجود سلطة في مفهومها أنها سلطة إدارة معيشة وخدمات للسكان، وكأنها سلطة بالوكالة، وتعاملت مع الحيز الجغرافي على أساس عدم القبول بأي شكل من أشكال الدولة أو السلطة السيادية لأن هذه الدولة تتعارض وتناقض فكرة «إسرائيل» الدولة للشعب اليهودي فقط. ونظراً لأن الفلسطينيين قد نجحوا فى انتزاع الاعتراف بدولتهم في الأمم المتحدة، فلا تمانع «إسرائيل» من التعامل مع هذه الدولة كدولة على الورق ،أمّا على أرض الواقع؛ فالحديث عن دول اقتصادية، والبديل للتعبير عن هذه الهوية الوطنية خياران:الأول الخيار الإقليمي أي الحل الكونفدرالي مع الأردن، والخيار الثاني بتحويل حالة الانقسام إلى كينونة سياسية لها مظاهر الاستقلال في غزة، وهي لا تمانع من تطور كينونة غزة لحالة من الدولة لأنها في جميع الأحوال دولة هشة قزمية ضعيفة يمكن التحكم في كل مداخلها ومخارجها، وفي سياق هذا التصور جاء انسحاب «إسرائيل» الأحادي من غزة، والمطلوب فقط أن تتحول غزة إلى سلطة أمنية وظيفية لا تشكل تهديداً لإسرائيل. ما تريده «إسرائيل» مقاومة وظيفية مقابل السماح بقيام هذه الكينونة السياسية المستقلة حتى لو كانت تحت إدارة حماس. ويبقى مستوى الشتات،أي محاولة التخلص من أي مظاهر لمشكلة اللاجئين تارة بإلغاء وجود وكالة الغوث، وتارة بمحاولات التوطين أو تسهيل ملاذات آمنة للاجئين فى الخارج، وتسهيل الحصول على جنسيات أخرى. هذه هي بعض مكونات التصور الإسرائيلي للسلام فى هذا الوقت الذي ترى أنه الأنسب لتحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس، وفعلاً بدأت تظهر بعض ملامح هذه الرؤية، ويبقى السؤال إلى أي مدى يمكن أن تنجح «إسرائيل» فى تسويق رؤيتها ؟


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 2 / 10601

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة