السبت 22 تموز (يوليو) 2017
الانتفاضة -Alintifada

الفلسطينيون وحدهم

موفق ملكاوي
السبت 22 تموز (يوليو) 2017

لم يعش الفلسطينيون فترة إهمال كما يعيشونها اليوم؛ خصوصا في فترة ما بعد "الربيع العربي"، التي خلخلت البنى السياسية والاجتماعية للبلدان العربية، واسهمت في تفكيك أقطار، وإشاعة الفوضى غير الخلاقة فيها.
في فترات سابقة، اعتاد الفلسطينيون على إهمال العالم الغربي وقواه الفاعلة لقضيتهم، واعتادوا أن يتعامى الغرب عن آخر احتلال موجود اليوم في العالم، وعن تنكيله بشعب لا يطلب الكثير، بل يريد أن يرى دولته التي اعترفت بها القرارات الدولية، والاتفاقيات البينية مع الاحتلال. لكنه، وللمرة الأولى، يختبر إهمالا من الشعوب العربية التي لم تتحرك على وقع حركته، ولم تعد تعتبر أن مساندة هذا الشعب واجب قومي، أو ديني بحسب ما درجت عليه القناعات.
اليوم، يبدو جليا موت مفهوم "الأمة"، ليس عند الساسة فحسب، بل أيضا لدى الشعوب التي باتت تعبّر عن تجليات وطنية ضيقة تتعارض في كثير منها مع المفهوم الذي شاع منذ خمسينيات القرن الماضي، والذي عبرّ عن وحدة الشعوب العربية في سلة من التشابهات والالتقاءات بما فيها أمنياتها ومستقبلها.
الهوية التي حاولنا اكتسابها في فترة ما بعد انهيار الدولة العثمانية، كـ"أمة عربية"، وحاولنا البناء عليها سياسيا واقتصاديا ووجدانيا، تعرضت على مدى السنوات القليلة السابقة إلى "عدوان" منظم، استطاع هدم أسسها، وإنبات هويات فرعية أعلت من شأن وطنيات وقوميات وإثنيات عديدة، ورعت بذور الاختلاف التي تجلت نزاعاتٍ مسلحةً داخل أكثر من بلد عربي، وعدم استقرار سياسي في بلدان أخرى.
اليوم، تتجلى خيبتنا الكبرى في جلوسنا الأنيق خلف شاشات التلفزة للتفرج على أخبار الفلسطينيين وهم يحاولون إسقاط ما تريد إسرائيل فرضه على أرض الواقع في المسجد الأقصى، من دون أن يرفّ لنا طرف، فالقضية لم تعد تعنينا، وهي بالنسبة لنا تبدو شبيهة بخروج مظاهرات في برلين احتجاجا على سياسات المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل تجاه المهاجرين، أو احتجاجات البريطانيين على الخروج من الاتحاد الأوروبي.
على الجانب الآخر، يدرك الاحتلال الإسرائيلي المعادلة القائمة في العالم العربي اليوم، وهو مصمم على الاستفادة من الإمكانيات الكبيرة التي توفرها له حالة الفوضى المعاشة، والعنف القائم، والمشاحنات بين المكونات القومية والإثنية المختلفة داخل البلد الواحد، ويضع نصب عينيه أن هذا هو الوقت المناسب لفرض الأمر الواقع على الأرض، وقضم مزيد من الأرض والحقوق الفلسطينية، خصوصا في مدينة القدس التي صرّح كثير من ساسة الاحتلال أنها غير قابلة للتقسيم.
ومستفيدا من العملية العسكرية "المبهمة" قبل أسبوع في الحرم القدسي الشريف - والتي ما تزال من دون أب - وبدعوى حفظ الأمن، يضع الاحتلال يده على المسجد الأقصى، ويلجأ إلى تغييرات حقيقية على وضعه، قد تصبح دائمة، على غرار الكتل الاستيطانية داخل أراضي الضفة الغربية وجدار الفصل العنصري.
وسط هذه المعادلة الصعبة، يجد الفلسطينيون أنفسهم وحيدين في مواجهة غول الاحتلال وأطماعه، وهم مدركون أن صرخة "وامعتصماه" لن تجد آذانا مصغية من أي جهة، لذلك يعيشون ألمهم وجرحهم، ويكملون الطريق الطويلة التي بدأوها قبل زهاء قرن.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 0 / 10704

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة