الاثنين 15 أيار (مايو) 2017
الانتفاضة -Alintifada

دولة مارقة في منطقتنا

محمود الريماوي
الاثنين 15 أيار (مايو) 2017

تحِل هذه الأيام الذكرى التاسعة والخمسون للنكبة الفلسطينية، وقد غدا الكيان الصهيوني أشد غطرسة وأكثر تشدداً في إنكار حقوق شعب فلسطين، وسط ممالأة دولية متمادية لتجاوزاته الجسيمة. أبناء الضفة الغربية المحتلة يلحظون أعلاماً زرقاء مثبتة على أعمدة الكهرباء على جانبي الطرق، وذلك بمناسبة احتفالاتهم بالاستيلاء على أرض فلسطين واقتلاع شعبها قبل تسعة وستين عاماً. وحسب اتفاقية مبرمة (أوسلو)، فإن الجانب الصهيوني هو من يسيطر على الطرق الرئيسية وعلى مداخل المدن، ويمنح جيش الاحتلال نفسه سلطة مطلقة في التصرف على هواه بنصب الحواجز وإغلاق الطرق وقتل المتظاهرين وحتى في اختراق المدن نحو هدف ما. علماً أن الاحتلال قد أدار الظهر تماماً لاتفاقية أوسلو الموقعة عام 1993 بعد أن أخذ منها ما يشاء مما تقدم ذكره. ورفض إجراء مفاوضات الوضع النهائي التي تقضي بها الاتفاقية، وتشمل قضايا الحدود واللاجئين والاستيطان والقدس.
ويواظب الاحتلال على وضع اليد على أراضٍ يختارها، وإعلانها منطقة عسكرية، ثم يصار بعدئذٍ تحويلها إلى بؤرة استيطانية لا تلبث أن تتسع شيئاً فشيئاً، وتتحول إلى بلدة ثم إلى مدينة. إلى جانب بناء جدار الضم والتوسع الذي صادر 12 بالمئة من مساحة الضفة الغربية، وأقام جداراً شاهقاً وسياجاً كهربياً يفصل صاحب الأرض عن أرضه، ويشتت العائلات على جانبي الجدار، ما يتناقض بصورة كلية مع المواثيق الدولية وبخاصة اتفاقية لاهاي المتعلقة بأوضاع من يرزحون تحت احتلال أجنبي ناجم عن الحرب. وبينما تزخر تقارير المنظمات الدولية بمظاهر الإدانة لهذا السلوك «الصهيوني»، فإن حكومة الاحتلال ماضية في سياستها التوسعية والعنصرية، ومنتحلة في الوقت ذاته دور الضحية التي تستحق المكافأة!! وخلافاً لبقية مجتمعات وشعوب العالم، فإن أعمال السطو واللصوصية على ممتلكات الآخرين، وبالذات على أراضيهم، تعتبر عيداً وطنياً وعرساً قومياً لدى الجانب الصهيوني. ولا يعدو الاحتفال بعيد استقلالهم المزعوم سوى مناسبة من هذا النوع، فالاستيلاء على وطن شعب آخر هو مدعاة للفخر ومناسبة للاحتفال.
ولا غرابة فيما يحدث، فمن لا يتورع عن السطو على ممتلكات الآخرين وحقوقهم في الأرض والمياه والحدود، فإنه لن يتورع عن تزوير الوقائع وتزييف الحقائق، والمضي في اقتراف سلسلة أخرى من الجرائم، ومنها التنكيل الفردي والجماعي بالشعب الرازح تحت الاحتلال، والتدخل الفظ في مجرى حياة هذا الشعب، كمنع الصلاة في المسجد الأقصى لمن يقل عمره عن خمسين عاماً، وحتى حظر الدخول إلى القدس المحتلة التي باتت محاطة بمستوطنات ضخمة، فيما تسللت إلى قلبها أفواج من المستوطنين المتدينين المتطرفين الذين يلقون رعاية كاملة من لدن الاحتلال وشرطته وجيشه. ورغم صدور قرارات دولية تتعلق بالمسجد الأقصى وبالقدس الشرقية المحتلة، فإن الاحتلال لا يُلقي بالاً لهذه القرارات، ويتعامل معها بقدر كبير من الهزء والاستخفاف، ولكن من دون أن يعتبر أحدٌ من المراكز الدولية النافذة الدولة العبرية دولة مارقة، مع ما يستتبع ذلك من إجراءات وعقوبات بحقها، وكما كان الحال في السابق مع دولة جنوب إفريقيا.
في واقع الأمر، إن شذوذ الحالة «الإسرائيلية»، وشذوذ التعامل الدولي معها، هو من أسَّس فيما بعد لحالات من الاختلال في الوضع الدولي وفي عالمنا، حيث بات الخروج على الشرعية وعلى أحكام القانون الدولي ضرباً من الشطارة والبراعة والمكر السياسي والدبلوماسي! فيما لا يعدو الأمر أن يكون افتئاتاً على حقوق الإنسان والشعوب، وعلى تسييد منطق القوة الغاشمة.
إن حقوق الشعوب لا تسقط بالتقادم، كحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم، وبينما وضعت صراعات سابقة حداً لها، وأتيح للاجئين من جراء الصراع العودة إلى أوطانهم، فإن نكبة الفلسطينيين التي أنتجتها الحركة الصهيونية، حالت ومازالت دون عودة اللاجئين إلى ديارهم، ومع ذلك تُفاخر الدولة الصهيونية بأنها دولة قانون تنتهج الديمقراطية! فيما تمارس في واقع الحال سياسة تمييز عنصري وإبادة معنوية بحق شعب، لطالما أثبت تعلقه بأرضه أسوة ببقية الشعوب في عالمنا، كما برهن على استعداده لتحقيق سلام عادل نسبياً وفق ما تقضي به القرارات الدولية ذات العلاقة.
وهكذا، فإن تجدد ذكرى نكبة فلسطين يشهد على استمرار خلل فادح ومروع في منطقتنا، ولن تنعم هذه المنطقة بالسلام والأمن قبل تصحيح الخلل، وإعادة العدالة إلى مجراها.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 0 / 10624

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة