الجمعة 5 شباط (فبراير) 2016
الانتفاضة -Alintifada

رجال الأنفاق

بقلم: صلاح حميدة
الجمعة 5 شباط (فبراير) 2016

يعيش غالبية الشعب الفلسطيني حالة من الحزن على استشهاد سبعة من مقاتلي وحدات الأنفاق التابعة للمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، ويلحظ كل متابع حجم التفاعل الشعبي والإعلامي المساند والمتعاطف مع المقاومة والشهداء ومع قطاع غزة الذي يعتبره الكثيرون الدرع الأخير للأمة الذي تكسرت عليه سيوف الأعداء والمنافقين على حد سواء.

من البديهي أن نقول إن فكرة الانفاق لم تكن فكرة فلسطينية خالصة، فهي فكرة استخدمها المقاتلون الفيتناميون ضد القوات الأمريكية الغازية لبلادهم، فاللجوء للأنفاق وسيلة الشعوب الفقيرة التي تتعرض للاحتلال من قوى غاشمة تمتلك إمكانيات جبارة؛ تجعل من مواجهتها فوق الأرض معركة خاسرة وانتحارا بلا طائل، وبالرغم من مقتل عدد كبير من المقاتلين الفيتناميون خلال حفر وترميم تلك الأنفاق، إلا أن الشعب الفيتنامي أدرك قيمة تضحيات هؤلاء وكرمهم بأن جعل من تلك الأنفاق متاحف تبين للأجيال التالية بطولات من صنعوا الانتصار بسواعدهم وبعرقهم وبأرواحهم.

شكل استخدام المقاومة الفلسطينية للإنفاق تحولا استراتيجيا في أدائها في مقاومة الاحتلال، وسمح هذا التحول لها بالانتقال نحو العمل المؤسسي_العسكري والأمني_ بأريحية، وأنها منذ اللحظة التي توجهت فيها نحو العمل التحت أرضي وضعت الاحتلال وكل الأجهزة المخابراتية المساندة له في مأزق خطير جدا من حيث نقص المعلومات، فأي مقاتل بلا معلومات عن العدو مثل الأعمى في ميدان رماية. فالتوجه نحو الأنفاق عطل أغلب أدوات التجسس على المقاومة، إن كانت بشرية أوتكنولوجية بنسب عالية، فكيف سيتابعون تحركات ونشاطات رجال يعملون تحت الأرض؟

فمتابعة هؤلاء تحمل مخاطرة كبيرة بانكشاف المصادر البشرية دون نتيجة مهمة للجهة التي يعملون لصالحها، وربما كان انكشاف عدد كبير من هؤلاء ناتج عن الفضول الزائد والمخاطرة التي يلجأ لها المخبر لتحقيق مطالبات مشغليه.

فالنفق هو طريق تهريب السلاح، وهو مكان التصنيع، وهو مكان الراحة، وهو مكان التخطيط، وهو قاعدة الهجوم، وهو طريق الوصول إلى قلب معسكرات العدو، وهو الطريق لأسر جنود الاحتلال ومقايضتهم بأسرى الشعب الفلسطيني، ومن النفق تطلق الصواريخ والقذائف على قوات الاحتلال ومعسكراته وعلى المدن المحتلة، والنفق هو طريق المستطلعين في ارض العدو، وبفضل النفق أرعب وأربك المقاومون الفلسطينيون جيش الاحتلال وحسابات خلال الحروب على القطاع، فالنفق هو حصن وميدان المقاتل الفلسطيني، والنفق هو الذي تسبب للمستوطنين بالجنون والهوس من وجود الانفاق تحت منازلهم؛ عندما يسمعون حفيف أغصان الشجر أو قرع حوافر حيون بري أو تغريدة طائر حول منازلهم.

إن اللجوء إلى سلاح الأنفاق كان أهم تحول في تاريخ المقاومة الفلسطينية، ومكن هذا التحول المقاومة الفلسطينية من الصمود كل تلك السنوات أمام الحصار والاستهداف، وهنا على وجه التحديد يستذكر الفلسطينيون دور عشرات الشهداء الذي استشهدوا في (مهمة جهادية) والذين حفروا بسواعدهم تلك الأنفاق وبنوا لشعبهم مجدا وفخرا بإنجازاتهم، وسقوا بعرقهم شجرة الحرية، هؤلاء هم الجنود المجهولون الذين صنعوا المجد دون أن يطلبوا مالا ولا سلطانا، عملوا بصمت تحت الأرض بلا ارتجال ولا استعراض ولا استزلام، عملوا في الظلام ليرى شعبهم النور، وحبسوا انفسهم لساعات طويلة في الانفاق ليتحرر أسرى شعبهم من مقابر الأحياء، واستشهدوا بفعل انقطاع الهواء ليتنفس شعبهم الحرية، إنهم رجال الأنفاق، إنهم صناع تاريخنا المشرف وبناة مجدنا القادم..رحمهم الله


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 26 / 10624

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة