الأربعاء 26 نيسان (أبريل) 2017
الانتفاضة -Alintifada

اعتذار لكريم يونس

فهمي هويدي
الأربعاء 26 نيسان (أبريل) 2017

أعاني من الخجل وينتابني شعور بالذنب لأن اسم كريم يونس سقط من ذاكرتي. ذلك أن المناضل الفلسطيني حين يقضي في السجون نحو ٣٥ عاما. بحيث يصبح أقدم سجين في العالم وربما في التاريخ، من حقه أن يتحول إلى أيقونة في العالم العربي على الأقل. فلا تختفي صورته ولا ينسى اسمه، وتظل قصته رمزا ملهما للأجيال المتعاقبة. صحيح أنه ليس الوحيد في الأسْر، لأن السجون الإسرائيلية تحتوي على أكثر من ثمانية آلاف أسير فلسطيني (بينهم ٢٤٠ طفلا و٧٣ امرأة وفتاة) وجميعهم مناضلون نحني لهم رؤوسنا إجلالا واحتراما، إلا أن كريم يظل أقدمهم وأطولهم عمرا في أقبية تلك السجون.

إذا قال قائل بأن بيننا من نسي القضية برمتها ومن ثم ينبغي ألا نستكثر على أنفسنا أن ننسى بعض رموزها، فردي عليه إن الملاحظة صحيحة وخاطئة في الوقت ذاته. ذلك أنها إذا كانت تعبر عن واقع حاصل في زماننا، إلا أنه واقع بائس من الخطأ أن يعتبر معيارا للحكم. إذ القياس الجاد ينبغي أن يكون مرجعه ما يتعين أن يصير إليه الأمر وتقتضيه الأمانة والمروءة والواجب.

الفضل في تذكيرى بكريم يونس يرجع إلى «يوم الأسير» الذي يحتفل به الفلسطينيون في السابع عشر من شهر أبريل كل عام. وهو التاريخ الذي نجحت فيه المقاومة الفلسطينية (عام ١٩٧٤) في إطلاق سراح الأسير محمود بكر حجازي في أول عملية لتبادل الأسرى مع العدو الصهيوني. بعد ذلك التاريخ بتسعة أعوام (في الأول من شهر يونيو عام ١٩٨٣). اقتحم الإسرائيليون بيت أبيه في بلدة «عارة» بالمثلث الشمالي وراء الخط الأخضر، باحثين عن كريم. وحين قيل لهم إنه يدرس بجامعة بن جوريون في بئر سبع، فإنهم اختطفوه من هناك في اليوم التالي، بعد ذلك وجهت إليه تهمة قتل جندي إسرائيلي بالاشتراك مع آخرين. وحكم عليه بالإعدام شنقا. وهي العقوبة غير المنصوص عليها في القانون الإسرائيلي ــ إلا أن القضاء فعلها لأنهم أرادوا ترويع الفلسطينيين في الداخل. وبالفعل ظل كريم مرتديا بدلة الإعدام الحمراء لعدة أشهر، في انتظار أن يساق إلى حبل المشنقة. لكن استئناف الحكم أدى إلى تخفيفه إلى السجن المؤبد، الذي قيل إنه عقوبة تستمر أربعين عاما. بما يعني أنهم أرادوا أن يستبدلوا الموت البطىء بالموت الفعلي.

منذ ذلك الحين وكريم قابع في سجون إسرائيل التي تنقل بينها جميعا (٢٢ سجنا) ضمن عمليات التنكيل به وكسر إرادته. إلا أن المناضل العنيد ظل صامدا في زنازينها. بل ظل يقاتل من خلال معركة الأمعاء الخاوية، حيث خاض ٢٥ إضرابا عن الطعام. أحدثها الإضراب الذي أعلنه الأسرى في الأسبوع الماضي، وكان هو مع مروان البرغوثي القيادي في فتح في مقدمة الأسرى القابعين في زنازين سجن «الجلمة»، الذين أصروا على تحدي سياسات التنكيل والتسويف التي تتبعها إسرائيل مع الفلسطينيين.

في الأسبوع الماضي قال كريم يونس لأمه التي جاوزت الثمانين عاما وحفيت قدماها وهي تزوره كل أسبوعين في السجون التي ينقل إليها. إنه مستعد لأن يبقى مائة عام أخرى في السجن، ولا يستخدم كورقة لابتزاز الفلسطينيين والتفريط في حقوقهم. وفي كهولتها التي جفت معها دموعها فإنها ما عادت تتمنى شيئا سوى أن تحتضن ابنها الذي لم تعد تراه إلا من خلال اللوح الزجاجى، بعدما فقدت الأمل في أن تزوجه كما زوجت بقية إخوته.

أكثر ما حز في نفسي ما قرأته عن غضب الرجل ولومه للقيادات الفلسطينية التي بدت وكأنها نسيته، واستسلمت لمراوغات الإسرائيليين الذين استثنوه من عمليات تبادل الأسرى أكثر من مرة. إذ كان ولايزال حرصهم أكبر على إذلال المقاومين الفلسطينيين الذين ينطلقون من قرى الخط الأخضر ويحملون الجنسية الإسرائيلية رسميا. ذلك أنهم بممارساتهم يعلنون عن فشل سياسة التذويب والترويض ويذكرون إسرائيل بجريمتها التاريخية والكبرى.

كريم يونس وزملاؤه محقون في عتابهم على القيادات الفلسطينية، بل وعتاب العرب الذين صاروا «أصدقاء» لإسرائيل، لأنهم بدورهم نسوا الأسرى. ولئن جرى الاحتفاء عالميا بالزعيم الإفريقى الجنوبى نيلسون مانديلا الذي قضى في السجن ٢٧ عاما، فإن سجينا مثل كريم يونس الذي قضى نحو ٣٥ عاما حين شارك في الدفاع عن كرامة شعبه ووطنه يظل أجدر بالتكريم، إن لم يكن بإطلاق سراحه، فعلى الأقل دفاعا عن القيم النبيلة التي تصدى بنفسه للدفاع عنها. وإذا قصر هؤلاء وهؤلاء فلا أقل من أن نعلن نحن تضامننا معه وكل زملائه. واعتذارنا عن العجز والوهن الذي أصاب أمتنا وحولنا جميعا إلى أسرى فى أوطاننا.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 0 / 14435

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة