الخميس 13 نيسان (أبريل) 2017
الانتفاضة -Alintifada

الفهم الحقيقي لمعادلة الصراع

د. رحيل محمد غرايبة
الخميس 13 نيسان (أبريل) 2017

في الندوة السياسية التي عقدت في (زمزم للدراسات) والتي تم فيها استضافة أحد صناع السياسة الأردنية في المرحلة السابقة؛ استطاع الأستاذ عدنان أبو عودة أن يقف على جملة من المرتكزات المهمة التي تمثل جوهر الصراع القائم في المنطقة العربية وفلسفته، والتي ينبغي أن تكون مفهومة للأجيال العربية فهماً دقيقاً وعميقاً، حتى يكونوا قادرين على التعامل مع واقعهم ومستقبلهم بطريقة علمية سليمة، بعيدة عن لغة الشعارات، والتلاعب بالعواطف.
المرتكز الأكثر أهمية هو المنبثق من حقيقة الوجود الصهيوني في فلسطين، من حيث نقطة البدء والنشأة، وكيفية الاستمرار والبقاء، وكيفية التعامل مع المستقبل، إذ أن الكيان الصهيوني كيان سياسي مصطنع وغريب عن المنطقة وأهلها وشعوبها، مما يؤكد عدم القدرة على بناء هذا الكيان بشكل طبيعي وفقاً لمقتضيات العرف والعادة والتلقائية والانسجام، فهذا أمر مستحيل، فلا بد من البحث عن موازين وطرق أخرى مختلفة، فقد لجأ إلى الاحتلال والاستيطان بالقوة أولاً، من خلال عصابات مسلحة ومتمردة وعنيفة، جاءت واستولت على الأرض بعد طرد أهلها أو معظمهم من خلال القتل والتدمير وإثارة الرعب والخوف، واعتماد سياسة الترحيل الجماعي، ولا يمكن عبر التاريخ أن يحدث الترحيل الجماعي إلّا في ظلال القتال والحرب، وفي ظلال ارتكاب المجازر المروعة التي تثير الرعب في أوصال المستهدفين، هذا من حيث البدء، بالإضافة إلى أن هذه البداية وجدت رعاية خاصة من الدول الكبرى، واعتراف دولي من أهم الدول المؤثرة في صناعة الأحداث، لتأمين القدر الكافي من الشرعية الدولية وشرعية القوة.
ضمان نجاح فكرة استمرارية الاحتلال الاستيطاني، يتطلب البحث عن نموذج استيطاني ناجح يتجاوز من خلاله العقبات الناتجة عن حس الاغتراب والشعور بالعدائية وعدم الانسجام مع المحيط، ومن هنا فقد تم دراسة التجارب الاستيطانية المختلفة عبر التاريخ الحديث، حيث تمت الإشارة إلى نجاح الاستيطان الغربي الأبيض في أمريكا واستراليا ونيوزلندا، وهناك تجربة أخرى مختلفة قليلاً في جنوب إفريقيا.
الاستيطان الناجح استطاع أن يحقق وجوداً دائماً يرتكز على مبدأ التخلص من السكان الأصليين إما بقتلهم أو تشريدهم، ولذلك تم إبادة الهنود الحمر في امريكا، إذ تقول بعض الدراسات الإحصائية أنه تم قتل (54) مليون إنسان هندي أحمر من أجل تحقيق ضمان النجاح للاستيطان الأوروبي الدائم في أمريكا، وهذا ما تم بشكل أو بآخر مع سكان استراليا ونيوزلندا الأصليين، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لا بد من إيجاد بيئة ضعيفة محيطة بالكيان الغريب، غير قادرة على امتلاك قوة المواجهة في المستقبل، وربما في هذا السياق عمد الكيان الصهيوني إلى اختيار النموذج الأندلسي لمملكة قشتالة، التي كانت محاطة بملوك الطوائف العرب، الذين كانوا يشكلون كيانات سياسية هشة وضعيفة ومتفرقة ومتناحرة فيما بينها، وهذا ما يفسر العمل الدؤوب على العرب في العصر الحاضر، ليكونوا أكثر شبهاً بنموذج ملوك الطوائف الأندلسية، التي لم تستطع الصمود أمام قوة الاسبان المتنامية التي استطاعت القضاء عليهم واسقاطهم واحداً بعد الآخر وإنهاء وجودهم وتشريدهم في أنحاء الأرض.
العنصر الآخر في المعادلة القائمة هو استراتيجية (الوقت)، فالوقت عامل محايد بذاته، ولكنه سوف يعمل لصالح من يحسن التخطيط والإعداد والاستثمار والأخذ بالأسباب، مما يجعلنا نقف على حقيقة أن الكيان الصهيوني يستثمر في الوقت بشكل جيد وأصبح الوقت عاملاً فاعلاً لصالحه، فهو يزداد قوة بشكل متدرج، وفي المقابل يزداد العرب ضعفاً وتفرقاً وتشرذماً، فخلال نصف قرن من الزمن نجد أنه تم تحييد القوة المصرية، وتم تدمير القوة العراقية، ويجري تدمير القوة السورية من خلال الارتكاز على الإدارات السياسية العربية المتخلفة الغارقة بالفردية والاستبداد؛ التي لم تستطع فقه معادلة الصراع ولا التعامل معها، بالإضافة إلى العجز عن بناء قوة الشعوب العربية والاستناد إلى شرعيتها.
العنصر الثالث في معادلة الصراع الذي يعمل جنباً إلى جنب مع عنصر الوقت يقوم على إيجاد فارق القوة الدائم، وإبقاء الطرف العربي ضعيفاً ضعفاً أبدياً، ومن ثم مواصلة الضغط المستمر على الطرف الضعيف من أجل تحقيق مزيد من التنازلات التي لا تنتهي ولا تتوقف؛ حيث لا يجد الطرف الضعيف طريقاً للحفاظ على وجوده وبقائه مع استمرار ضعفه إلّا اللجوء إلى محاولة اقناع الخصم بمزيد من التنازلات، وهذا ما يحدث فعلاً.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 0 / 10704

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة