الاثنين 3 نيسان (أبريل) 2017
الانتفاضة -Alintifada

عندما تكتب الرصاصة وجعا

زهير ماجد
الاثنين 3 نيسان (أبريل) 2017

عندما أطلقت مجلة “الطريق” في نهاية الستينيات من القرن الماضي عددا خاصا أسمته “أدب المقاومة” كان اكتشافا أثرى المرحلة وأضاف إلى التاريخ الإبداعي العربي ما لم يكن محسوبا عليه. يومها عرفنا أن هنالك شعراء في الأرض المحتلة الفلسطينية مثل محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وسالم جبران، وعن القصة والرواية كان حاضرا غسان كنفاني كأبرزهم، لكننا تعرفنا إلى إميل حبيبي وتوفيق فياض وغيرهما، وكذلك في بقية الأنواع الأدبية.
فقد عدد المجلة المذكورة من السوق لأنه قدم حدثا كبيرا ومهما، فقد كان صرخة تعبير عن وجود التزام مدهش من قبل مبدعين فلسطينيين لم يؤثروا الصمت، بل رفعوا الكلمة الشجاعة إلى قمتها وخصوصا أولئك الذين عاشوا في كنف الكيان الصهيوني أمثال درويش والقاسم وإميل حبيب وجبران وزياد. أذكر أني اشتريت أعدادا من تلك المجلة لأن الأصدقاء سطوا على كل عدد أشتريه، لقد كان مرغوبا جدا أن يعلن عن حدث في لحظة عربية محبطة جاءت بعد الهزيمة الكبرى عام 1967 وبدء التعريف بالكفاح المسلح الفلسطيني الذي اختار حرب التحرير الشعبية هدفا له، وبدء سطوع أسماء منظمات فدائية فلسطينية.
يا لها من أيام مفرحة ذقنا حلاوتها، رفعت من همة من قرأ تلك المرحلة بعينين صامدتين، ليس فيها أية هزيمة .. تكاد الهزائم تظهر في العيون لأنها مساحة التعبير الوحيدة في الوجه وهي صورة الروح كما يقول أرسطو. من يومها أضيف إلى المقاومة المسلحة ما هو معبر عنه وأمين له، صارت الكلمة المقاتلة بحجم فدائي يقاتل، صارت مهمة تلك الكلمة أن تكتب تاريخا مختلفا عن كل تواريخ العرب لتقدم شهادات من الميدان، لفدائيين يمارسون مقاتلة العدو الصهيوني، يصلون الأرض المحتلة ويقبلونها ثم يعودون أو لا يعودون إلا شهداء.
اليوم وبعد ست سنوات من آلام عظيمة تبني الأمم العظيمة كما يقول جمال عبدالناصر، فإن الإدراك الوحيد الذي نعيشه هو الميدان، رصاصة تكتب وجعنا بدل أن يكتب على الورق خلاصات إحساس طالع من الميدان. نحن مشغولون بتكسير سلاح غدر أخطأ في التصويب حتى غالى فصار عدوا لا يمكن قبوله في مجتمعاتنا، ونربأ بهذه الأمة أن تبقيه على قيد الحياة لما فيه من إساءات لنا ولأجيالنا من بعدنا، بل هو سموم استطاعت أن تفتك بأبنائنا، وأن تبعدهم عن حقيقة دورهم الوطني والقومي والإنساني والاجتماعي.
ماذا سيكتب عن هذه الحرب الضروس التي تخاض بعقل معرفي، وأنا من الذين حرضوا المبدعين في الجيش العربي السوري وغيره من جيوش العرب الواقفين بوجه الإرهاب، أن يكتبوا تجاربهم العسكرية والإنسانية، أن لا تمر تلك اللحظات الصاخبة التي فيها رأس المقاتل على كفه، أن يقدم أدبا جديدا واقعيا من صلب المعركة .. رب قائل سيعتبر أن الجيش لا يملك وقتا للكتابة، فليكن، إنهم يختزنون تجربة قاسية ونضالية يتساوى فيها الموت بالحياة، يواجهون عدوا كان بالأمس من أبناء البلد أو المكان الذي يتقاتل فيه فتم غسل دماغه ولن يكتشف ما حصل له إلا بعد حين فإما أن يكون قد مات أو جاء متأخرا لإعادة الاعتبار إلى ذاته التي ذهبت في خطيئة لن تغتفر طوال عمره، وأعرف جملة لبنانيين وقعوا في الخطأ ذاته وهم الآن في قمة الانزواء والعبادة في محاولة غسل ما وقعوا به.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 1 / 10624

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة