الجمعة 15 كانون الثاني (يناير) 2016
الانتفاضة -Alintifada

"هبّة أكتوبر" تحاصر سياسة "كيّ الوعي"

بقلم:خالد فراج
الجمعة 15 كانون الثاني (يناير) 2016

هل تذكرون زئيف جابوتنسكي والجدار الحديديّ؟ هل تذكرون مناحيم بيغين وإسحق شامير والعصابات الصهيونيّة التي قامت بتفجيرات في القدس وحيفا قبيل النكبة 1948؟ هل تذكرون دافيد بن غورين، مهندس التطهير العرقيّ ومجازر عديدة أشهرها مجزرة دير ياسين في 1948؟ هل تذكرون أرئيل شارون ومجزرة قبيا في 1953؟ هل تذكرون كيف أُعدم الجنود المصريون على أيدي جيش الاحتلال رميًا بالرصاص ودهسًا بالدبابات في صحراء سيناء سنة 1967؟ هل تذكرون كيف قصفت الطائرات الإسرائيلية العاصمة اللبنانية بيروت سنة 1982؟ هل تذكرون كيف حاول جنود الاحتلال دفن مجموعة من شبّان قرية سالم وهم أحياء في 1988؟ هل تذكرون إسحق رابين الذي شغل منصب وزير جيش الاحتلال، لمّا أمر جنوده بتكسير عظام راشقي الحجارة في 1988؟ هل تذكرون موشيه يعلون عندما تحدث عن مهمّاته كرئيس لأركان جيش الاحتلال، متبجّحاً بمهمة "كيّ وعي الفلسطينيين" سنة 2002؟ هل تذكرون قرية قانا في جنوب لبنان التي تعرّضت لمجزرتين من الطيران الإسرائيلي خلال عشرة أعوام: الأولى، كانت في نيسان /أبريل 1996 وكان مهندسها شمعون بيريس، والثانية حلّت في تموز /يوليو 2006 وكان مهندسها إيهود أولمرت؟ وهل تذكرون جنرالاً إسرائيليّاً يُدعى غادي ايزنكوف الذي اشتهر باختراع مصطلح "عقيدة الضاحية" التي تعني اتّباع التدمير الأعمى لكلّ مكان يُطلق منه صاروخ أو عملية مقاومة ضد الاسرائيليين، تلك العقيدة التي طُبِقَت في ثلاث حروب شنّتها إسرائيل على قطاع غزة في 2008 و2012 و2014؟ من الجدير ذكره هنا أن إيزنكوف رُقّي مكافأةً له على حصاده من أرواح البشر إلى منصب رئيس للأركان في شباط /فبراير 2015. هل تذكرون وتذكرن مئات الأحداث المشابهة ومئات الأسماء التي تعود لمهندسي عقيدة القتل والتوحّش الإسرائيلية هذه؟
منذ اندلاع هبّة أكتوبر / تشرين الأول من العام 2015 والتي أربكت "عقيدة الضاحية"، وأنا أفكر بما قاله رئيس الأركان الإسرائيليّ موشيه يعلون في العام 2002، عندما تسلّم منصبه قائدًا جديدًا لهيئة أركان جيش الاحتلال، وكانت مهمته الجديدة آنذاك "كيّ وعي الفلسطينيين"، عبر إقناعهم بأنهم شعب مهزوم ولا يمكنه أن يحقّق تطلعاته بواسطة المقاومة (سمّاها "الإرهاب"). وبالمعنى العملي، فإن ترجمة هذا القول تمثّلت في استخدام القوة الناريّة المفرطة ضد الشعب الفلسطينيّ لإيصاله إلى نتيجةٍ واحدة مفادها أنّ أيّ جهد أو عمل لمقاومة إسرائيل واحتلالها لا فائدة منه، فإسرائيل المتفوقة في كلّ المجالات، وخصوصًا في المجالين الأمنيّ والعسكريّ، لا تمكن هزيمتها أو حتى إلحاق الأذى بها. مَن يفكر في إيذائها فسيعاقب شخصياً، فضلاً عن عقاب العائلة والتنظيم والحيّ والمخيم، عبر استخدام القوّة المفرطة إلى حدّها الأقصى، والمترافقة مع عقوباتٍ جماعيّة تميّزت بها دولة الاحتلال منذ نشأتها.
طبعًا، عندما قرّرت أن أكتب هذه المقالة، فكّرت بأن أكتب عمّا قاله موشيه يعلون متبجّحًا عن مهمته الكبيرة والمتمحورة حول "كيّ وعي الفلسطينيين". وبعد محاولات بحث واستقصاء، برز أمامي السؤال الأهم: هل نجحت مؤسسة يعلون في تحقيق ذلك؟ أيّ، هل نجحت استراتيجيته في فرض الأذعان قسرًا أو طوعًا على الشعب الفلسطينيّ؟

التيئيس: إلغاءٌ وردع
انتهجت الحركة الصهيوينة، ودولة إسرائيل بسياسييها وعسكرييها جميعاً، السياسة المتمثلة بـ "كيّ وعي الفلسطينيين"، في عملياتٍ محمومة لتطويعهم وإفقادهم الأمل بقدرتهم على المقاومة واسترداد حقوقهم وتحرّرهم من الاحتلال. الأمثلة والنماذج التي ذكرتها في مقدمة هذا النصّ ما هي إلّا غيضٌ من فيض سياسة الترويع الإسرائيلية التي استهدفت الشعب الفلسطينيّ بكلّ مكوّناته وعلى مدار الحقب التاريخيّة التي مرّ بها. إن إستراتجيّة يعلون هذه لم تأتِ نتيجة عبقريّة فذّة لرئيس أركان جيش الاحتلال، بل أتت نتيجة إستراتيجية الغطرسة في القوة التي انتهجتها المؤسسة الصهيونية منذ غزت فلسطين، لمّا اختير لجوهرها القتل والتدمير بهدف إقصاء شعب، إلغائه تماماً، وتجريده من حقوقه الإنسانيّة. فلا يعود غريبًا أو مستهجنًا في هذا السياق أن تكرّس إسرائيل نحو 15 مليار دولار كموازنة للأمن في العام 2016، أيّ ما نسبته 14 في المئة تقريباً من إجمالي الموازنة.
نحن إذاً أمام تجربةٍ متأصلة وطويلة من القمع والتدمير المنهجيّ الذي يهدف - بصورٍ مخفيّة وأُخرى مُعلنة ومصرّحٍ عنها كالحال مع تصريح يعلون - إلى إفقاد الخصم قدرته على المواجهة، وتيئيسه.
بالعودة إلى ما يسمّى بالصهيونيّة التصحيحيّة، فقد دعا مؤسّسها فلاديمير جابوتنسكي منذ البدايات إلى الاستخدام المفرط للقوّة ضد عرب فلسطين في ثلاثينيات القرن الماضي، بفرض ما أطلق عليه تسمية "سياسة الجدار الحديدي". وبالعودة إلى بن غوريون، تبرز المجازر التي كان الهدف منها ترحيل الناس عبر ترويعهم بأخبار الموت القريب منهم. وبالعودة إلى إعدام الجنود المصريين، وقصف بيروت، ودفن الأحياء، وتدمير ضاحية بيروت الجنوبية، وتدمير قطاع غزّة، نجد أن الرابط بين كلّ هذه الممارسات يأتي على شكل استراتيجية بُنيت على الترهيب والتخويف ودفع الخصم إلى الإذعان الطوعيّ وإفقاده الإيمان بقدرته على الفعل والمحاولة. ويأتي ذلك على مرّ تجربةٍ تراكميّةٍ تتلخّص دروسها في أن كلّ مَن حاول مقاومة الأطماع الكولونياليّة الاسرائيليّة عبر العقود، جوبهت محاولته بقوّةٍ تدميريّةٍ هائلة لا تتناسب مع الفعل: فهل يُعقل اجتياح الضفّة الغربيّة بدبابات المركافاه 4، وإدخالها إلى أحياء المدنيين وترويعهم، واستخدام الطائرات المقاتلة الأكثر تطورًا في العالم لقصف بيوت ومرافق المدنيين ومنشآتهم حينذاك؟

نجاحات موضعيّة، ولكن..
موشي يعلون، صاحب مقولة "كيّ الوعي" وتحويل الفلسطينيين إلى شعبٍ مهزوم لا يؤمن بقدرته على إحداث فرق جوهريّ في الصراع وقلب كفّة الميزان، لا يزال على رأس المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. وهو لا يزال مصرّاً على تطبيق نظريته هذه. فقد كوفئ عليها بالارتقاء من رئاسة أركان الجيش إلى منصب وزير للجيش، إذ قاد في الأولى حربًا مدمرة على الضفّة الغربية إبان اجتياحها في ربيع العام 2002، ثم قاد حربًا مدمرة "محرقة" على قطاع غزّة في صيف العام 2014، ولا يزال يطلق العنان لتصريحات استعلائيّة بالمضمون ذاته خلال في وجه هبّة أكتوبر 2015.
ألم يعِ يعلون وغيره من قادة الكيان الإسرائيليّ استحالة كيّ وعي شعبٍ كامل، له من الجذور الثقافيّة والإنسانيّة والحضاريّة امتدادات في أعماق هذه الأرض وحيثما حلّ في شتاتها؟ ألم يعِ ويقرأ تجارب الصراع بين المستعمرين والشعوب، التي كانت تتوج دائماً بانتصار الشعوب، طال الزمن أم قصر؟ ألم يتعلم يعلون من تجربته نفسها؟ فقد أطلق شعاره هذا قبل نحو خمسة عشر عامًا لم تهدأ المواجهة خلالها يوماً. إذ استمرت الانتفاضة الثانية، وشنّت اسرائيل ثلاث حروب على قطاع غزّة، بالإضافة إلى الحرب على لبنان في تموز / يوليو 2006. واليوم، يواجه جيشه جيلاً جديدًا يتحدّى مؤسّسته الأمنيّة، ويربكها، ويجعلها عاجزة عن التعامل مع إرادة شبابٍ لا تأطير مسبقا لهم /ن.
نموذجٌ آخر عن محاولات المؤسسة الصهيونيّة الساعية إلى كيّ الوعي أو أجزاء منه، يتمثل في ممارسات هذه المؤسسة تجاه الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني (مناطق 48). لطالما ظنّت أنها انتصرت على وعيهم كجزءٍ أصيل من الشعب العربيّ الفلسطينيّ، ولكنه بقي يفاجئها بالانحياز إلى إنتماءٍ أخر غير ذاك الذي تهندسه له، إنتماءٍ فلسطينيّ وعربيّ، خصوصًا لما يتعلّق الأمر بالاعتداءات، كالحرب على غزّة أو انتهاك حرمة الأماكن المقدسة في القدس.
للحفاظ على الموضوعيّة، لا بد من الإشارة إلى أن هذه الإستراتجية الإسرائيليّة نجحت في كثيرٍ من المراحل، بتحييد أجزاء لا بأس بها من الشبّان والشابات. ونجحت بتحييد أجزاءٍ وقطاعات، عبر استخدام القوّة المفرطة تارةً وسياسات الإمتيازات والتسهيلات طوراً. ولربما تعزّز هذا النجاح عقب توقيع اتفاقيّة أوسلو وإنشاء السلطة الفلسطينيّة. إذ أصبح الشعب الفلسطيني منقسمًا بين استراتجيتين: الأولى، استمرار المقاومة والكفاح، والثانية، التبنّي الواضح لخيار المقاومة السلمية والمفاوضات. وهنا، حدثت الفجوة وتعمّق الشرخ وتراجع الدور المقاوم للشعب وللفصائل، لدرجة فقدان الأمل في إمكانيّة إستنهاض الحالة الفلسطينيّة، وتحديدًا بعد فشل خيار العمليّة السياسيّة، وما أنتجته على الأرض من تزايدٍ في الإستيطان والقمع والقتل. إلى ذلك، فإن الإنقسام الفلسطينيّ – الفلسطينيّ في العام 2007 دفع بالكثير من الفلسطينيين إلى التفكير مليًا في جدوى الفعل الفصائليّ المقاوم، وفي جدوى مواجهة الإحتلال من أصلها، ما دام هناك من يتصارع على سلطةٍ تحت الإحتلال.
مع ذلك، فإن سياسة الإحتلال في المحاصرة والترويع لم تنتج كيّاً للوعي وإنما تبدّلاتٍ فيه تبعاً للزمن والظروف المرافقة له. إذ جاءت هبّة أكتوبر 2015 من خارج التنظيمات السياسيّة التي روّض السلام والإستحالات معظمها، لتفاجئ المؤسسة الأمنية وجنرالاتها، وتؤكد أنه من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، إخضاع شعبٍ كاملٍ واستعباده، بينما هو يطمح لأن يكون حرّاً ومتحرّراً.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 28 / 10704

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة