السبت 25 شباط (فبراير) 2017
الانتفاضة -Alintifada

الحسم مهم والشفافية أهم

فهمي هويدي
السبت 25 شباط (فبراير) 2017

حين يتكرر في إسرائيل الادعاء بأن الرئيس عبد الفتاح السيسي اقترح توطين الفلسطينيين في سيناء، فإن القاهرة كان ينبغي أن تتعامل مع الأمر بصورة حاسمة. وكان موقع صحيفة «معاريف» قد نشر يوم الخميس الماضي ٢٣/٢ مقالة للنائب السابق الجنرال آرييه الداد، ذكر فيها أن الرئيس السيسي كان اقترح منح الفلسطينيين مساحة في شمال سيناء لإقامة دولتهم، معتبرا أن الاقتراح يصلح لأن يكون «مثالا» على التسوية الإقليمية التي يمكن أن تنهي الصراع القائم. وأيد الجنرال الداد الفكرة مشيرًا إلى أن إقامة الدولة الفلسطينية في غزة وسيناء فكرة جيدة، تمثل أفضل صيغة للتسوية الإقليمية. وشدد الرجل على أنه يأمل أن يكون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قصد في حديثه عن التسوية الإقليمية «الكبرى» إقامة دولة فلسطينية في سيناء، أو أن يكون في نيته ممارسة الضغط على الأردن لتكون هي الدولة الفلسطينية. هذا الكلام ليس جديدا، فقد ذكرت سيناء في سياق التوطين عدة مرات، ضمن مقترحات بعض الخبراء الإسرائيليين، وآخر ادعاء من ذلك القبيل أطلقه في ١٤/٢ الحالي الوزير الإسرائيلي أيوب قرا، الدرزي المقرب من نتنياهو، إلا أن مصر نفت الخبر على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية في مداخلة ضمن أحد البرامج التلفزيونية. ولم يكن ذلك تصرفا صائبا، لأن كلاما بتلك الخطورة حين يصدر عن وزير محسوب على رئيس الوزراء في الحكومة (حتى إذا كان بلا وزارة)، لا يرد عليه متحدث باسم الخارجية المصرية. ثم إن الوزارة إذا أرادت أن تكذب الخبر، فإن ذلك لا يكون من خلال مداخلة تتخلل برنامجا تلفزيونيا، وإذا كانت رئاسة الجمهورية قد أصدرت بيانا أعلنه المتحدث باسمها تعقيبا على إذاعة خبر اجتماع العقبة السري، إلا أنه رغم ضعفه وتجنبه الحديث عن مشاركة الرئيس في الاجتماع، كان أفضل من حيث الشكل من تعامل الخارجية مع خبر التوطين في سيناء، الذي هو أخطر من خبر مشاركة الرئيس في الاجتماع السري. لذلك تمنيت أن يصدر نفي خبر التوطين عن رئاسة الجمهورية وأن تكون صياغته واضحة وحازمة في ذلك. تقطع الشك باليقين، وهو ما تحقق بعد تعليق الرئيس على الموضوع. أدري أن الخبر نفته أطراف عدة في إسرائيل ذاتها، كان أحدهم زعيم المعارضة إسحق هيرتزوج، إلا أن ذلك ليس مقنعا ولا هو كاف، لأن خبرتنا مع الخطاب الإسرائيلي المراوغ علمتنا أن بعض النفي لا يكون صادقا في دوافعه، وإنما هو محاولة للتستر على تسريب ما لا ينبغي أن يظهر، ثم لا ننسى أن نفي الخارجية المصرية تابعته دوائر محدودة بحكم ظروف بثه. ثمة مشكلة تواجهنا في هذا الصدد تتمثل في أن أخبار العلاقات المصرية الإسرائيلية باتت شحيحة للغاية في الصحف المصرية، في حين أنها صارت مادة شبه يومية في الصحافة الإسرائيلية. آية ذلك مثلا أن اجتماع العقبة السري ظل متكتما عليه طوال أكثر من عام، وما كان لنا أن نعرف بأمره إلا حين فجرت الموضوع صحيفة «هاآرتس». وهذا الكتمان لا يشيع البلبلة والحيرة فحسب، ولكنه يثير تساؤلا كبيرا عما لا نعرفه من تلك الاتصالات، وما إذا كان هناك جانب غاطس منها وغير مرئي، لا نعرف حدوده أو حجمه. إننا نريد أن نحسن الظن ونعزز الثقة فيما هو قائم على النحو الذي يطمئننا إلى الالتزام بالثوابت الوطنية. لكن الممارسات التي تتكشف بين الحين والآخر لا تساعدنا على ذلك. فلا السلطة تغضب ولا البرلمان يسأل، ولا الناس تعرف أو تفهم. ولا حل لذلك الإشكال إلا في شفافية تطمئن الرأي العام فتحصنه ضد البلبلة وتحميه من إساءة الظن. إلا أن الأمر ليس ميسورا، لأن الشفافية تفرض أن من حق الناس أن يعرفوا، وذلك الافتراض لا يقوم إلا في ظل أوضاع ديمقراطية حقيقية. وتلك أم المشاكل المستعصية عندنا.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 0 / 10704

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة