الجمعة 25 كانون الأول (ديسمبر) 2015
الانتفاضة -Alintifada

عن الأفلام النضالية الفلسطينية

بقلم: محمود ابو ندى
الجمعة 25 كانون الأول (ديسمبر) 2015

منذ نشأتها قامت السينما بلعب دورٍ أساسيٍ في التعربف بالشعوبِ وثقافاتها، وبالتعبير عن أحلامها وهواجسها وطموحاتها وآمالها وآلامها.
بأدوات بسيطة وروح إبداعية عالية كان المخرج إبراهيم حسن سرحان منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وتحديداً في العام 1935، أول مَن بدأ يسطّر تاريخ السينما الفلسطينية، لتبدع أجيالا لاحقة أعمالاً مهمة ومساراً مميزاً لسينما ملتصقة بالوطن.
إنَّ الحديث عن تاريخ سينما الثورة الفلسطينية النضالية يعني الحديث عن نوع فعّال من أشكال النضال والمقاومة، والذي استخدم على مدارِ الحقبِ الزمنية الماضية لنشرِ الوعي بالقضية الفلسطينية، علاوةً على تجسيدِ آمال الشعبِ الفلسطيني وطموحه وثورتهِ في وجهِ الاحتلال الغاصب. ومع انطلاقة الثورة الفلسطينية العام 1965 وقفت العدسة جنباً إلى جنب مع البندقية فكانت رديفاً لها في الكفاح، وناقلة للحراك الثوري. كان فيلم «عائد إلى حيفا» عنواناً لهذه المرحلة، فتميّزت الأعمال السينمائية الفلسطينية حينها وعلى قلتها بموضوعية أهدافها وكانت مباشرة في خطابها الانفعالي متناسبةً مع مشاعرِ الشعب ومطالبه. أما في الشتات، وعلى الرغم من البعد الجغرافي عن الوطن، فقد تمكّن العديد من المخرجين السينمائيين من إيصال صوت قضايا فلسطين وطناً وشعباً، وتجسيد معاناتها ونقل الواقع المرير الذي تعانيه. كان فيلم «لا للحل السلمي» من أبرز الأعمال التي نجحت في هذا المجال.
بالرجوع إلى نشأتها فقد نشأت سينما الثورة الفلسطينية، مرافقة لانطلاقة الثورة الفلسطينية المسلّحة المعاصرة، فبدأت في أواخر العام 1967 عبر تكوين قسم صغير للتصوير الفوتوغرافي بتصوير بعض المواد الخاصة بالثورة، وتسجيل صور شهداء الثورة الفلسطينية. وكانت كاميرا 16 ملم تسجّل كل ما يمكن تسجيله من دون خطة عمل محددة، لتكون بعد سنوات مادة وثائقية نادرة توضع في متناول السينمائيين والمؤرخين والباحثين.
تتالت الأفلام الفلسطينية بعد ذلك، مواكبةً الأحداث والمناسبات، وفق توفر الإمكانيات لدى الجهات الإنتاجية، التي كانت كلّها ملحقة بإطارات تنظيمية تتبع الفصائل، والتي تؤمِّن لها مستلزماتها وتمويلها. فقد نشأت «وحدة أفلام فلسطين»، التابعة لمنظّمة التحرير الفلسطينية، لتعتبر البداية الحقيقية للإنتاج السينمائي الفلسطيني، وقد تكونت هذه الوحدة بفضل جهود مجموعة من السينمائيين منهم هاني جوهرية وسلافة مرسال ومصطفى أبو علي. وفي سبعينيات القرن العشرين، ظهرت مؤسسات سينمائية تنظيمية فصائلية، منها اللجنة الفنية التابعة للإعلام المركزي، في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، التي بدأت بإنتاج أول أفلامها عام 1973 بفيلم «الطريق» لرفيق حجار، وفيلم «البنادق متحدة» له أيضاً في العام ذاته، ثم أفلامه «أيار.. الفلسطينيون» العام 1974، و «الانتفاضة» في العام 1975، و «مولود في فلسطين» في العام 1975، و «خبر عن تل الزعتر» لعدنان مدانات في العام 1976، و «حصار مضاد» للمخرج قيس الزبيدي في العام 1978. أما من الجهات الإنتاجية فقد برزت دائرة الإعلام والثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية، التي أنتجت أول أفلامها العام 1972 وهو فيلم «معسكرات الشباب» للفنان التشكيلي إسماعيل شموط، الذي قدّم أيضاً أفلامه «ذكريات ونار» (1973)، «النداء الملحّ» (1973)، «على طريق فلسطين» (1974). أما في العام 1978 فقد شكلت تجربة المخرج الفلسطيني ميشيل خليفي التي بدأت في فيلم «الذاكرة الخصبة» إشارة البداية، ولحظة الولادة الحقيقية للسينما الفلسطينية الجديدة.
بالإضافة إلى تجسيدها لما يعايشه الشعب من واقعٍ محفوف بالمآسي، فقد ساهمت السينما النضالية بخدمة أهداف الثورة، سواء من ناحية التعبئة الجماهيرية أو التحريض والتثقيف السياسي وفضح العدو، فامتازت بذلك بثورية المضمون وجدية المعالجة وجودة الإيصال.
من المفهوم، وبعد الإطلاع على وضع السينما الفلسطينية في الستينيات والسبعينيات، أن تُطرح أسئلة عدة عن وضع السينما الآن: لماذا تفوقت الأفلام ذات الإمكانيات المادية المحدودة جدًا، على الأفلام المموّلة ذات الجودة العالية؟ هل أصبح المخرج الفلسطيني يبحث عن مقعد لفيلمه في مهرجانات السينما الدولية فقط، من دون أي اهتمام لما يحمله الفيلم؟ وهل الفيلم يمثل الهوية الحقيقية للإنسان الفلسطيني أم لا؟ أم هل التمويل هو الإشكالية الحقيقية؟ وهل جُندت السينما في النشاط المحموم لتأديب الفلسطينيين (معرفياً ونفسياً ونضالياً)، فالإنسان «الفلسطيني الجديد» بحاجة لسينما جديدة؟ يبقى ما سبق مطروحاً للنقاش، لكن يمكننا اعتبار أن سينما «البلد والمخيمات»، كانت خير ممثل لخيارات الفلسطينيين وطريقة سلوكهم ورؤيتهم لذاتهم ولعدوهم وللعالم، ولقد تفوّقت على السينما الحالية من هذه الناحية.
شكلت السينما وعلى مرّ العصورِ والأزمنة السابقة أحد أصدق الوسائل وأكثرها شاعريةً في إيصال جوهرِ القضايا بأساليب خلابةً تتجاوز كل أشكال الوعي مخاطبةً بذلك العاطفة والروح. يقول إنغمار برغمان: «لا يوجد أي شكل من أشكال الفن يتجاوز الوعي العادي، كما يفعل الفيلم، مباشرة إلى عواطفنا، في عمق شفق غرفة الروح».


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 29 / 10601

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة