الثلاثاء 21 شباط (فبراير) 2017
الانتفاضة -Alintifada

«السلام العظيم» نكبة ثانية للعرب

فهمي هويدي
الثلاثاء 21 شباط (فبراير) 2017

السلام العظيم الذي لوح به الرئيس الأمريكي بمثابة نكبة ثانية للعرب.
(١)

صحيح أننا مازلنا نعيش في ظل تداعيات النكبة الأولى التي وقعت عام ١٩٤٨، إلا أن أخبار التجهيز للنكبة الثانية تلقيناها في الأسبوع الماضي أثناء زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو للولايات المتحدة واجتماعه مع الرئيس دونالد ترامب. وهى الأخبار التي قرأنا عناوينها في التقارير التي خرجت من واشنطن بخصوص القضية الفلسطينية. في حين نشرت تفاصيلها وسائل الإعلام الإسرائيلية، حاصل جمع العناوين مع التفاصيل برسم صورة معالمها كالتالي:

< طويت صفحة حل الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية، ولا مجال لفكرة الدولة الواحدة، والباب مفتوح أمام الفلسطينيين لكي يبحثوا عن بدائل أخرى لهم.

< الأولوية الآن للبحث عن حل إقليمي يتمثل في تحالف إسرائيلي مع بعض الدول العربية يفتح الباب لاحقا لإمكانية «التفاهم» حول الملف الفلسطيني. وهو ما وصفته صحيفة هاآرتس (فى ١٦/٢) بمبادرة الانطلاق من الخارج للوصول إلى الداخل. بمعنى البدء بالعالم العربي للوصول إلى الساحة الفلسطينية. الأمر الذي يقلب مفهوم المبادرة العربية التي دعت إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة في عام ١٩٦٧، كشرط للتطبيع مع جميع الدول العربية.

(٢)

هذا الكلام الصادم لا يفاجئنا تماما، إذ رغم أنه يعبر عن توافق أمريكي إسرائيلي إلا أنه لم يصدر أي تعليق عربي رسمي عليه، خصوصا أن ثمة قمة عربية يفترض أن تنعقد في العاصمة الأردنية عمان في أواخر شهر مارس المقبل، مع ذلك لدينا قرائن وإشارات تدل على أن هناك شيئا ما يتحرك في العالم العربي يجعلنا لا نستبعد السيناريو الذي طالعناه في واشنطن. بالمناسبة فإن نتنياهو سئل أثناء حوار له فى واشنطن مع تليفزيون قناة (إم إس إن بي سي) عن الدول العربية التي تقيم تحالفا مع إسرائيل، فإنه ابتسم وقال: من ليس كذلك؟

من القرائن التي أعنيها ما يلى:

< تقرير الرباعية العربية الذي ذاع أمره في شهر سبتمبر من العام الماضي (٢٠١٦)ومن المصادفات ذات الدلالة في هذا الصدد أن الدول الأربع المشاركة فى تلك اللجنة هى ذاتها المرشحة للدخول فى التحالف المراد إقامته بالمشاركة مع إسرائيل. ذلك أن التقرير دعا إلى وحدة الصف الفلسطيني، ومعالجة الانقسام الحاصل داخل حركة فتح (لإعادة القيادي المفصول محمد دحلان إلى الحركة)، وقد ورد في التقرير ما نصه: «في حال عدم قيام الفلسطينيين بما عليهم واستمروا في الانقسام على أنفسهم، ستضطر بعض الدول العربية لدراسة بدائلها الخاصة في التعاطي مع ملف الصراع العربي الإسرائيلي» ــ وهذا النص إذا تأكدت صحته، فإن الجملة الأخيرة منه يمكن أن تمهد لتنفيذ الحل الإقليمي الذي تحدث عنه ترامب ونتنياهو، باعتباره من «البدائل الخاصة» المرشحة أمام بعض الدول العربية للتفاعل مع الملف الفلسطيني.

< كتابات لآحاد الأكاديميين المصريين المرتبطين بالأجهزة الأمنية ذات الصلة بالموضوع، خصوصا تلك التي نشرتها جريدة «الشروق» لنفر منهم دعوا إلى الانتقال في التعامل مع إسرائيل من التطبيع إلى التحالف، كما تحدثت تلك الكتابات عن أهمية «خروج مصر للعالم بخطاب سياسي جديد فى ضوء مراجعات سياسية شاملة». وألمحت إلى أن مصر قادرة على أن تطرح «مبادرة منفردة» لإحياء عملية السلام في الشرق الأوسط (٣/٩/٢٠١٦)، وفى طور لاحق (فى ١٦/١/٢٠١٧) نشرت «الشروق» مقالة حبذت خيار «قيام مصر بتنمية علاقاتها مع الولايات المتحدة من منطلق استراتيجي بالتنسيق مع إسرائيل من جانب والأردن من جانب آخر، في إطار مخطط أمريكي لبناء شراكة على أسس جديدة تضم مصر والأردن وإسرائيل». وهذا النص الأخير يكاد يتطابق مع معلومات التقرير الذي نشرته عن فكرة التحالف المنتظر صحيفة «وول ستريت»، بعد شهر تقريبا من نشره بجريدة «الشروق».

(٣)

السلام العظيم أو الرائع الذي تحدث عنه الرئيس الأمريكي، والذي اعتبره نتنياهو فرصة تاريخية لم يبق على شيء من عناصر القضية وخياراتها التي طرحت طوال العقود الماضية. ذلك أنه أسقط ليس فقط حل الدولتين، كما لم يدع مجالا للحديث عن حدود عام ١٩٦٧، أو اتفاقية أوسلو، أو القرارات الدولية المتعلقة بالاستيطان أو التي تحدثت عن حقوق الشعب الفلسطيني. ببساطة لأن الفلسطينيين هم المعتدون والظلمة الذين انتقدهم الرئيس ترامب ودعاهم إلى الكف عن كراهية الإسرائيليين (حيث لم يجد مبررا لذلك؟!)، وحسب تصريح السيد ياسر عبدربه عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، فإن نتنياهو أقنع ترامب بضرورة بقاء السيطرة الأمنية الإسرائيلية على المساحة الممتدة من البحر المتوسط حتى الأردن، بحيث لا يبقى للفلسطينيين سوى إقامة كيان خاص بهم على المناطق الواقعة تحت إدارة السلطة الفلسطينية حاليا، المسماة مناطق «أ» و«ب»، التي تساوى أقل من نصف مساحة الضفة الغربية. بمعنى أن يتحول الوجود الفلسطيني بمثابة محمية تحت الوصاية الأمنية الإسرائيلية. وعلى حد تعبيره فإن ذلك يعد أخطر حل يقدم للقضية منذ وعد بلفور (١٩١٧) بل إنه يصبح استكمالا لما لم ينجزه ذلك الوعد في مناسبة مرور مائة عام على صدوره.

في هذا المعنى نشرت صحيفة «يسرائيل اليوم» تعليقا كتبه يوعز بسموت قال فيه إن تصريحات ترامب حولت سنوات أوباما الثمانى وعهد كلينتون بالحلول التي تبنياها ــ فكرة الدولتين مثلا ــ إلى تاريخ قديم، كما حولت أوسلو ومبادرات السلام لعلماء الآثار».

في ظل الحل الكارثة والسلام الذي يمحى فيه كل ما كان مطروحا من خيارات ومبادرات في السابق تنكشف الخدعة الإسرائيلية الكبرى، التي لا تقبل بأكثر من مجرد كانتونات فلسطينية تقوم فيها السلطة في رام الله وحماس في غزة بدور البلديات التي تقدم الخدمات الرئيسية للجمهور. كما يتاح لها أن تمارس النشاطات الجماهيرية التي لم يكن مسموحا القيام بها تحت الاحتلال المباشر. كان ذلك تعليق الصحفية الإسرائيلية اليسارية عميرة هاس في مقال لها نشرته صحيفة «هاآرتس»، مضيفة أن ذلك لم يمنع الرئيس الأمريكي من أن يوفد رئيس المخابرات الأمريكية (سي آى إيه) للاجتماع مع محمود عباس لإبلاغه رسالة تطمئنه إلى استمرار وجود «السلطة الفلسطينية»، لأن ذلك مهم بالنسبة للولايات المتحدة التي تعرف أن صيانة الكانتونات تضمن نوعا من الاستقرار النسبى، فضلا عن أنهم يريدون وجود السلطة للإبقاء على تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق «أ» و«ب»، كي يتسنى لإسرائيل أن تضم مناطق «ج» التي تشمل أقل عدد من السكان الفلسطينيين وأكبر مساحة من الأرض. (يوجد فيها الآن ٢٠٠ ألف مستوطن مقابل ١٠٠ ألف فلسطيني).

(٤)

ما سبق ليس قدرا بطبيعة الحال، لكنها مجرد «سيناريوهات» للمستقبل تبنتها الإدارة الأمريكية الجديدة بالتوافق مع الإسرائيليين. وليس ذلك جديدا تماما لأن انحياز الولايات المتحدة لإسرائيل لا يفاجئنا. وكل ما حدث أنه بدا فجا وفاحشا الأمر الذي يجعله تطورا في الدرجة، من وجهة نظرنا. لكن الأمر يختلف حين يقال إن هناك تفاهما مع بعض الدول العربية «المعتدلة» بخصوصه، إذ إنه يصدمنا ويفجعنا لأنه يغدو تغيرا في النوع وليس في الدرجة. ذلك أنه ينقلنا من مشهد «القضية المركزية»، إلى مستنقع اللاقضية. ومن ثم يفرض علينا نكبة ثانية تستهدف الإجهاز على القضية.

كنت أحد الذين أثاروا الموضوع، حين تساءلت في مقالي المنشور في ٧ فبراير عن أبعاد صفقة ترامب مع العالم العربي. وضمنت المقال تساؤلات وشكوكا حول الثمن الذي سيدفعه العرب إلى الرئيس الأمريكي، إذا ما قرر أن يتفاعل مع طلباتهم خصوصا ما تعلق منها بمواجهة التمدد الإيرانى أو اعتبار الإخوان جماعة إرهابية. وقبل ذلك (فى ٢٤ يناير) عبرت عن القلق من احتمال أن تصبح فلسطين ضحية أمريكا الجديدة (كان ذلك عنوان المقال). إلا أن لقاء ترامب ونتنياهو أعفانا من التساؤل والشك، بعدما أصبح اللعب على المكشوف، ولم يعد هناك غموض في حقيقة «السلام العظيم» الذي نحن مقبلون عليه.

إزاء ذلك لم يعد لدينا ما نسأله عن جوهر ما يخطط له الإسرائيليون والأمريكيون، وإنما لدينا عديد من الأسئلة حول رد الفعل الفلسطيني والعربي، ولست أشك في أن الموضوع سوف يثار في مؤتمر القمة العربية الذي سيعقد في الأردن قبل نهاية شهر مارس المقبل، وليس ذلك كل شيء، لأننا إذا سمعنا صوت الأنظمة العربية، فإن صوت الشعوب العربية لابد أن يسمع أيضا. وإذا كان الصوت الأول مفهوما وستكون مشكلته في «الإخراج» وكيفية تمرير النقلة المطلوبة من جانب البعض، فإن حدود وتجليات الصوت الثاني مفتوحة الآفاق على كل الاحتمالات.

لا أكاد أجد حوارا مسموعا حول الموضوع بشقيه في وسائل الإعلام العربي على الأقل، لكن بعض الكتابات الإسرائيلية انتقدت جهل الرئيس الأمريكي وعقم فريقه، وحذرت من عواقب عدم درايتهم بتعقيدات الموضوع وخرائط المنطقة، وهناك كتابات أخرى توقعت أن يشهد العالم العربي انفجارات متتالية بسبب ذلك «السلام العظيم»، وهو أمر مخجل ومهين حقا أن نحاول قراءة مستقبلنا في كف خصومنا، إلا أن ذلك يظل أحد تجليات الوضع البائس الذي صرنا إليه، الأمر الذي يدفعنا إلى اليأس مما نراه والمراهنة على ما لا نراه.

لدى سؤال عبثي أخير هو: إذا قدر للناتو العربي الجديد أن يتشكل بتحالف إسرائيل مع بعض الدول العربية، وحدثت انتفاضة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ففى أى جانب ستقف الدول العربية الشريكة فى التحالف؟!


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 0 / 10704

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة