الأحد 19 شباط (فبراير) 2017
انتفاضة التحرير

بين الأخلاق والسياسة

د. فايز رشيد
الأحد 19 شباط (فبراير) 2017

إن افتقد الإنسان للقاعدة الأخلاقية, في مرحلة ما من مراحل عمره, فلا يمكنه أن يكون سياسيا إلا انتهازيا, فاللص إن امتهن السياسة, سيظل لصا حتى في أبسط مفاهيمها, والذي انحرف أخلاقيا في حياته سيظل منحرفا في السياسة, حتى لو تبوأ أكبر المناصب السياسية. يقول توماس هوبز, وهو عالم رياضيات وفيلسوف إنجليزي من القرن السابع عشر, حيث ساهم في بلورة كثير من الأطروحات التي تميز بها هذا القرن على المستوى السياسي والحقوقي. كما عرف بمساهمته في التأسيس لكثير من المفاهيم التي لعبت دورًا كبيرًا ليس فقط على مستوى النظرية السياسية, بل كذلك على مستوى الفعل والتطبيق في كثير من البلدان, وعلى رأسها مفهوم العقد الاجتماعي, في كتاب ( تاريخ الفلسفة الحديثة) للفيلسوف الأميركي (ويليم كيلي رايت).
حاول الأخير تلخيص وتبسيط أفكار هوبز حول السياسة وعلاقتها بالأخلاق, من خلال القول, إذا كان أفلاطون قد وضع الشروط التي ينبغي توافرها في المقاييس الخلقية, فإن أرسطو هو واضع المذهب الأخلاقي المستند إلى فكرة السعادة.إذ يقول الأخير في مقدمة لأحد كتبه الكثيرة عن الأخلاق: “إن كل فن وكل فحص, وكذلك كل فعل واستقصاء لا يقصد به أن يستهدف خيرًا ما, للجميع بل لغاية فردية, فلا فائدة منه. ولهذا السبب فقد قيل بحق “إن الخير هو ما يهدف إليه الجميع”. السياسي الأخلاقي يفصل الغايات عن الأفعال واختلافها, فيتساءل, “فما هو إذن الخير في كل واحد منها؟, أليس هو الشيء الذي من أجله يصنع كل الباقي؟”. ويعدد الأمثلة التي يشرح بها رأيه, فيقول: “في الطب مثلًا هو الصحة, وفي فن الحركات العسكرية هو الظفر, وهو البيت في فن العمارة, وهو غرض آخر في فن آخر. “لكن في كل فعل, وفي كل تصميم أدبي, الخير هو الغاية نفسها التي تبتغى”. يؤكد أرسطو أيضا على الفضيلة, فيقول “ما دام أن السعادة على حسب تعريفنا هي فاعلية ما للنفس, مسيّرة بالفضيلة الكاملة, يجب علينا أن ندرس الفضيلة, وسيكون هذا وسيلة عاجلة لتجديد فهم السعادة ذاتها أيضًا”.
من جانبها, فإن السياسة: هي فن إدارة شؤون الدولة الداخلية والخارجية, وتُعرّف إجرائيا حسب هارولد لاسويل, بأنها دراسة السلطة التي تحدد من يحصل على المصادر المحدودة متى وكيف, أي دراسة تقسيم الموارد في المجتمع عن طريق السلطة وفقا لـ(ديفيد إتسون). وعرّفها الشيوعيون بأنها دراسة العلاقات بين الطبقات, وعرّف الواقعيون السياسة بأنها فن الممكن (جورباتشوف), أي دراسة وتغيير الواقع السياسي موضوعيا ! لكن التعريف الأخير هو خضوع للواقع السياسي وعدم العمل لتغييره، بناء على حسابات القوة والمصلحة. من وجهة نظر كارل ماركس فإن السياسة هي اقتصاد مكثف، لذلك فإن السياسة تفرض ذاتها على مناحي الحياة المختلفة .. بالتالي وفي الموضوع المحدد لا يمكن حتى للأديب أو المثقف أن يبتعد عن السياسة حتى لو أراد ذلك. وإذا كانت “الغائية – الأنانية” ظاهرة نراها ونحتك بها يوميا في الطبيعة, فهي في الإنسان المنحرف أخلاقيا, تنتج سياسيا يتجه بالضرورة إلى تحقيق غايته الشخصية, بعيدا عن الصالح العام. وبهذا يصبح السياسي” لا أخلاقيا” بعيدا عن مقاييس الشرف, ومن ثم لديه كل الاستعداد للافتئات على الآخرين, ونتيجة لافتقاده للمعايير الأخلاقية, يحاول تعويض النقص الكامن في ذاته, باتهام الآخرين من الشرفاء بما ينقصه.
وببساطة أكبر, نشرح, إذا كانت السياسة في تعريفها البسيط هي طرائق قيادة الجماعة البشرية وأساليب تدبير شؤونها, لما يعتقد أنه خيرها ومنفعتها, فإن الأخلاق هي مجموعة القيم والمثل الموجهة للسلوك البشري نحو ما يعتقد أيضا أنه خير وتجنب ما ينظر إليه على أنه شر. وكلتاهما (السياسة والأخلاق) تستهدفان تمليك الناس رؤية مسبّقة تجعل لحياتهم هدفا ومعنى، وبالتالي تلتقيان على الدعوة لبناء نمط معين من المبادئ والعلاقات الإنسانية والذود عنهما, لكنهما تفترقان, في أن طابع المبادئ والعلاقات التي تعالجها السياسة ,تختلف نوعيا عن تلك التي تتناولها الأخلاق, وتصل إلى حد التعارض عند ميكافيلي الذي يغلّب السياسة على الأخلاق في كتابه “الأمير”, ليظهر السلوك الميكافيلي كما لو أنه يتنكر صراحة لجميع الفضائل الأخلاقية, حين يبرر استعمال كل الوسائل لتحقيق الغايات السياسية ! بالتالي,لا يقصد إذا بالأخلاق في ميدان السياسة, حزمة القيم الشائعة عن الصدق والوفاء والشجاعة فقط , بل أيضا ,تلك العلاقة الشائكة والمعقدة بين الهدف السياسي والوسائل الأخلاقية المفضية إليه, أو بمعنى آخر ماهية التحديات والمعايير الأخلاقية التي تعترض أصحاب غاية سياسية عند اختيارهم وسيلة نضال ورفض أخرى, أتستند هذه المعايير إلى محتوى الغاية أم إلى طابع الأساليب أم إلى القيم الإنسانية العامة؟. بالتأكيد أن الاستناد هو إلى القيم الإنسانية العامة, لا كما قال تشرشل عن السياسة ,”إذا مات الإنجليز ماتت السياسة”!.
في حاضرنا كم من التافهين الحاقدين الانتهازيين القميئين, ممن امتهنوا ويمتهنون السياسة, يفهمونها وينفذونها بالطرق الالتوائية الانتهازية الحاقدة على كل ما ومن هو شريف ! وصل الحقد بالبعض إلى التآمر لقتل رفاقهم وإخوتهم من الشرفاء, ووصل الأمر ببعض القادة السياسيين إلى الائتمار بأمر موظف صغير في دائرة مخابرات عربية, إقليمية, صهيونية أو دولية. صحيح, أن الإنسان إذا افتقد إلى الأخلاق, فإنه يتماهى مع عدوه الفاشي البعيد عن كل مذهب وقاعدة أخلاقية بإرادة منه أو دون إرادة. وعظم الله أجرنا وأجركم, في العديد من السياسيين, الذين أطلق عليهم زورا وبهتانا هذا الوصف, هؤلاء أخطر أضعافا مضاعفة من كل عدو, والبقاء لله, ولكل المخلصين الأنقياء والشرفاء.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 1 / 10704

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة