الخميس 16 شباط (فبراير) 2017
الانتفاضة -Alintifada

العودة للمربع الأول فلسطينيًّا

طارق أشقر
الخميس 16 شباط (فبراير) 2017

دعوة الرئيس الإسرائيلي ريوئفن ريبلين أمس إلى ضم الضفة الغربية إلى إسرائيل، تكون الجهود التي كانت مبذولة من جانب الفلسطينيين والمجتمع الدولي وبعض من كانوا يناورون بالسلام داخل إسرائيل إلى المربع الأول، ناسفًا بذلك كافة أحلام العيش في سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
جاء التصريح بعد مرور قرابة ربع قرن من الزمن على توقيع الطرفين لمعاهدة أوسلو للسلام في سبتمبر من عام 1993، والتي نصت على إقامة سلطة حكم ذاتي انتقالي ومجلس تشريعي منتخب للشعب الفلسطيني في “الضفة الغربية وقطاع غزة” وذلك للوصول إلى تسوية دائمة تستند على قراري الأمم المتحدة 242، و338.
وعلى ضوء تلك المعاهدة واتفاقياتها اللاحقة تحولت الأدبيات السياسية للفلسطينيين وللمنطقة العربية خاصة، وللمجتمع الدولي على وجه العموم، فتغيرت بذلك لغة التعاطي السياسي مع القضية الفلسطينية طوال ربع القرن الماضي من لغة مليئة بعبارات مثل المواجهة، والصراع، والنضال، والصمود والتصدي، إلى أخرى جديدة تسيدتها عبارات مثل السلام، وخارطة الطريق، وحل الدولتين، وحق الشعبين في العيش والخ.
ورغم غلبة عنصر المراوغة والدهاء السياسي التي عاصرها الفلسطينيون ولامسوها من الطرف الآخر أي من الإسرائيليين، الا ان الغالبية العظمى من دعاة السلام في المنطقة، كانوا حتى الساعات الأولى من يوم أمس يأملون أن تستجيب إسرائيل إلى صوت العقل، وتطلق للفلسطينيين حقهم في الحياة في دولة مستقلة تعيش جنبا إلى جنب مع اسرائيل في سلام دائم يعم الشعبين، بغض النظر عن بقية أرجاء المنطقة العربية التي خرجت عمليًّا من دائرة الاهتمام بهذه القضية.
ومنذ توقيع أوسلو وما حملته من أحلام وردية، فإن مرور عقد من الزمن على تلك المعاهدة كان له دوره في إعادة تشكيل ثقافة جيل كامل في المنطقة العربية تغيرت بموجب ذلك مفرداته وقناعاته حول القضية الفلسطينية التي كانت قبل ثلاثة وعشرين عام، فلنقل قبل ثلاثة وثلاثين عاما التي هي الفترة الزمنية لعمر الجيل، حيث كانت فلسطين تعتبر قبل تلك الفترة القضية المحورية للشارع العربي بمختلف فئاته العمرية.
ولكن كما يبدو الآن أن الإسرائيليين أرادوا إبلاغ الفلسطينيين رسالة مفادها “ان غيركم كان أشطر، اي اكثر نباهة وشطارة”، خصوصا وأن عصب معاهدة أوسلو ومركزها كان الحصول على اعتراف الفلسطينيين بحق اسرائيل في الوجود، حيث حصلت على مبتغاها وبموجب معاهدة اوسلو للسلام كالتزام منظمة التحرير الفلسطينية بحق دولة اسرائيل في العيش في سلام، وبالعمل للوصول إلى حل لكافة القضايا المتعلقة بالاوضاع والترتيبات الأمنية بين الطرفين من خلال المفاوضات وإعلان المبادئ الموقع بينهما في عام 1993م.
ولكن اليوم، وبعد أن نالت اسرائيل ما كانت تسعى إليه وبشكل رسمي وموثق دوليًّا وأمميًّا، جاء رئيسها ريوئفن ريبلين ليدعو إلى عودة الضفة الغربية إلى اسرائيل، وهي نفس الضفة التي تضمنتها معاهدة اوسلو التي حددت جغرافية المكان للمجلس التشريعي الفلسطيني المنتخب وحددته بالضفة الغربية كمقر لذلك المجلس، حيث ضجت وسائل الإعلام حينها بعبارة (غزة واريحا اولا)، في حين لم تكن اريحا خارج الضفة، بل تقع في قلبها وعلى مقربة من نهر الأردن وإلى الشمال من البحر الميت.
الرجل بدعوته هذه بدا وكأنه تجاهل ما وقعته دولته من اتفاق مع الفلسطينيين واشرفت عليه الأمم المتحدة وبرعاية أميركية. ولكن المتابع للمتغيرات الجيوسياسية في المنطقة العربية وفي أميركا الراعية لاتفاقية السلام يبدو إليه موقف الرئيس الإسرائيلي غير مستغرب، كما انه ليس عبثيًّا أيضا، بل منسجما ومتلائما كما يبدو مع تبدل القناعات الأميركية تجاه بعض الثوابت والتي بينها حل الدولتين الذي تناقلت الوكالات امس الأول تصريحًا لمصدر مسؤول في الإدارة الأميركية بأن الولايات المتحدة لم تعد متمسكة بحل الدولتين. فضلا عن ذلك فإن دعوة الرئيس الإسرائيلي خرج بها في نفس الساعات التي يزور فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أميركا لإجراء مباحثات تتعلق بالعلاقات بين بلديهما، وصفها نتنياهو بأنها مهمة لأمن بلاده مما يشي بأنه واضعًا في اعتباره العزم للعودة بعلاقته مع الفلسطينيين إلى المربع الأول.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 1 / 10673

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة