الأحد 12 شباط (فبراير) 2017
الانتفاضة -Alintifada

«إسرائيل» الكبرى والقرارات الدولية

محمد خليفة
الأحد 12 شباط (فبراير) 2017

من المفجع أن تاريخ الاستيطان الصهيوني ليس بجديد على الشعب الفلسطيني الذي يعيش تحت كابوس تطبيق «إسرائيل» لمصطلح ««إسرائيل» الكبرى»، وهو التطبيق العملي لما يعرف بالتوسعية الصهيونية، التي أرست مخططها منذ البداية على إقامة ««إسرائيل» الكبرى». وتتشكل أرض «إسرائيل»، كما يزعمون، من فلسطين بحدودها أيام الانتداب البريطاني، وأجزاء من الدول الأخرى (لبنان، سوريا، الأردن، العراق ومصر)، ويستندون في ذلك إلى ما ورد في سفر التثنية( الإصحاح 34) حيث تطمح «إسرائيل» الحالية إلى تحقيق ذلك عن طريق التوسع في بناء المستوطنات، ووسيلتها إلى ذلك العنف الدموي.
وكان أول من نبه إلى خطورة التطرف الصهيوني على مستقبل اليهود المندوب البريطاني الجنسية، اليهودي الديانة، هربرت صموئيل، فقد كتب في اليوم العاشر من شهر أغسطس/آب من عام 1921 رسالة إلى حاييم وايزمان، جاء فيها: «إن السفينة الصهيونية ستتحطم على الصخرة العربية»، ويمضي إلى القول: «إنكم تعدون لمجزرة رهيبة طالما بقيتم متجاهلين العرب، وطالما لم تقوموا بأي عمل بقصد التفاهم مع العرب».
ولم يقتصر التحذير على الساسة فقط، بل إن العلامة ألبرت أينشتاين وجه لهم النصيحة نفسها، قائلاً: «إنني أفضل لليهود أن يتعايشوا بسلام مع العرب على أن يكرسوا جهودهم لإنشاء دولة يهودية»، وأضاف أينشتاين: «إن معرفتي العميقة بالطبيعة الجوهرية للشعب اليهودي تجعلني أقاوم إنشاء دولة يهودية، ولذلك تراني شديد القلق على مستقبل الشعب اليهودي».
إن سياسة بناء المستوطنات واستمرارها هي ركن أساسي من أركان السياسة «الإسرائيلية»، منذ أن فكر الصهاينة في إنشاء وطن لهم على أرض فلسطين، وبتطوير هذا الفكر إلى اغتصاب أرض دولة أخرى. قال مناحيم بيغن عام 1968 مرسخاً تلك السياسة: «إنه لا يمكننا التنازل عن شبر واحد من الأراضي المحتلة، ومن الواجب أن نعطي الأولوية للاستيطان الزراعي في الضفة الغربية للأردن وغزة والجولان لضمان السيطرة الفعلية ل«إسرائيل» في المناطق المحررة».
أما موشيه ديان، فقد طور استراتيجية «إسرائيل»، وعبر عن مكنونها، حيث صرح بأن على «إسرائيل» أن تعتبر الأردن حدود الأمن الشرقية لدولة «إسرائيل»، وأن تظل مرتفعات الجولان السورية، وقطاع غزة، تحت سيطرة «إسرائيل»، وأن ترتب أوضاعها بشكل يمكّنها بمرور الوقت من هضم الضفة الغربية، وضمها إلى «إسرائيل»، ما جعل «الإسرائيليين» يعيشون في حالة حرب دائمة.
وقبل أن يجف حبر اتفاقية كامب ديفيد، أعلن مناحيم بيغن أن الاتفاقية المتعلقة بالفلسطينيين تنطبق على البشر، ولكنها لا تنطبق على الأرض، وأن وجود «إسرائيل» قائم بحكم الحق، وليس بحكم القوة، وأن الحكم الذاتي لا يعني البتة أنه سيترتب عليه حصول الفلسطينيين على حقهم في تقرير مصيرهم، ولا إلى إنشاء الدولة الفلسطينية، بل إنما يعني استقلالاً إدارياً محضاً، أي: أنه استقلال أشبه ما يكون بالاستقلال الإداري لمجلس القرية.
ومنذ تلك الاتفاقية وقادة «إسرائيل»، بمن فيهم زعماء كتلة ليكود والمتشددون من الأحزاب الدينية، يعرفون حق المعرفة، أنهم لن يتوقفوا عن بناء المستوطنات، لإيمانهم بأنهم قادرون على إخضاع الزمان التاريخي لزمان أعمق منه. وهذا ما قاله وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري في شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي أن «أمن «إسرائيل» في خطر بسبب تمسك المستوطنين بفكرة «إسرائيل» كدولة واحدة كبرى».
إن استخدام هذا النهج المتعالي في التعامل مع الفلسطينيين، يدعمه تشكيل شبكة معقدة من التحالفات والخصومات التي نسجتها الصهيونية العالمية، من خلال طبقة من الأشخاص أفرزتها الحداثة والرأسمالية، عريضة، ونافذة، وبارعة غاية البراعة في حبك الدسائس والمؤامرات، لاعتقادها بأن الزمان يعمل لمصلحتها، من دون أن تدرك أن التاريخ كابوس مرعب. وهذا هو واقع «إسرائيل»، حتى انتصرت إرادة الشعب الفلسطيني بعد طول انتظار، وبات حلم الدولة المستقلة قاب قوسين أو أدنى من التحقق، بعد أن اتخذ مجلس الأمن الدولي، الذي يمثل دول العالم، القرار رقم 2334، والذي نصّ على مطالبة «إسرائيل» بوقف الاستيطان في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وعدم شرعية إنشاء «إسرائيل» للمستوطنات في الأرض المحتلة. ومع ذلك أعلنت الحكومة «الإسرائيلية»، في الأسبوع الأول من تنصيب الرئيس الأمريكي ترامب، خطة لبناء 3 آلاف وحدة استيطانية في الضفة الغربية. وفي خطوة خطرة أخرى تهدف إلى تعميق الاستيطان وطمس القدس العربية بالكامل، أعلنت «إسرائيل» عن إنشاء قطار بين «تل أبيب» والقدس. وسوف يمتد هذا الخط ليصل إلى عمق القدس العربية، وبالتحديد إلى المسجد الأقصى للوصول إلى ما يسمى «حائط المبكى» وهو حائط البراق بحجج معالجة مشكلة ازدحام السير. ومن أجل تنفيذ هذا المخطط يتعين حفر نفق بطول كيلومترين تحت سطح الأرض ويلتف حول القدس، ومن المتوقع انتهاء العمل بهذا المشروع في نهاية هذا العام. ثم أصدر الكنيست «الإسرائيلي» مؤخراً القانون الذي يشرّع، ويجيز سرقة الأراضي الفلسطينية لمصلحة المستوطنين، وبأثر رجعي وضع نحو 4 آلاف وحدة سكنية في أراضي يملكها فلسطينيون في الضفة الغربية المحتلة.
كانت القضية الفلسطينية تقوم منذ البداية على أساس معادلة دولية، تحكمها موازين القوة الغربية، وحتماً سيؤدي ضعف الغرب، الحامي الأكبر ل«إسرائيل» قبل الولايات المتحدة، إلى ذبول «إسرائيل» وأفولها، والعالم يعيش هذه المرحلة، فهي تحصد بموجب هذا القرار الدولي العزلة الدولية، وفتحت لها أبواب الجحيم. وبما أن الجزاء من جنس العمل، فإن «إسرائيل» ستذوق من الكأس نفسها التي سقت منها الشعب الفلسطيني، وأن عدالة السماء حتماً ستتحقق، ويعود الحق إلى أهله في فلسطين.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 9 / 10704

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة