السبت 4 شباط (فبراير) 2017
الانتفاضة -Alintifada

تطبيع مدفوع الثمن مقدماً

د. محمد السعيد إدريس
السبت 4 شباط (فبراير) 2017

لن يكون جديداً أي حديث عن أدوار «إسرائيلية» محورية في الأزمة السورية منذ تفجرها عام 2011، لكن الجديد هو كل هذا الحرص «الإسرائيلي» على جني ثمار هذا الدور، ورسم تفاصيله قبل أن تتوقف المدافع في سوريا، انطلاقاً من قناعة مضمونها أنه إذا لم تحصل «إسرائيل» على هذا الثمن مقدماً، فإنها قد لا تتحصل عليه بعد أن تستقر الأوضاع، خصوصاً أنه ليس هناك من في مقدوره أن يحدد الآن المآل الذي سوف تنتهي عنده الأزمة السورية.
اعتمد «الإسرائيليون» على قناتين أساسيتين لإدارة المصالح «الإسرائيلية» في سوريا، القناة الأولى روسية، والقناة الثانية هي فصائل مقربة من المعارضة السورية. بالنسبة إلى القناة الروسية اعتمد «الإسرائيليون» على التواصل المباشر بين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو والرئيس الروسي فلاديمير بوتين للتأسيس لشراكة «إسرائيلية» روسية تؤمن المصالح «الإسرائيلية» في سوريا، وتنظم الأدوار العسكرية «الإسرائيلية» «في سوريا وتحول دون أي صدام مع القوات الروسية، وبالذات الطيران الروسي، وتحقق في الوقت نفسه المصالح الاستراتيجية «الإسرائيلية» في سوريا، وبالتحديد منع النظام السوري، وحليفيه الإيراني و«حزب الله» من تنشيط جبهة عسكرية في الجولان ضد «إسرائيل»، والحيلولة دون تمكين إيران و«حزب الله» من أدوار ونفوذ في مستقبل سوريا، ومنع نقل معدات وأسلحة متقدمة من سوريا إلى الداخل اللبناني.
وقبل أن تبدأ اجتماعات أستانة كان «الإسرائيليون» قلقون من عدم إدراج «إسرائيل» كطرف مشارك في هذه الاجتماعات، الأمر الذي دفع الحكومة إلى تمرير تقديرات متفائلة لوسائل الإعلام حملت إشارات تدل على تفهم روسي للمصالح «الإسرائيلية» في سوريا، لكن الأهم هو الثقة بأنه على الرغم من عدم وجود «إسرائيل» كطرف مباشر في تلك الاجتماعات، فإنها ستكون حاضرة وبقوة، أولاً بسبب القصف» «الإسرائيلي» «على مطار المزَّة في العاصمة السورية الذي استبق تلك الاجتماعات التي جرت في أستانة، وثانياً بفضل التطور الإيجابي في العلاقات بين الرئيس الروسي ورئيس الحكومة نتنياهو، الذي سمح بخروج تصريح روسي غير مسبوق يقر بحق «إسرائيل» في حماية مصالحها في سوريا من خلال الضربات التي تقوم بتوجيهها ضد أهداف ترى أنها تمثل تهديداً لأمنها ولمصالحها.
هذا التصريح ورد على لسان اندريه كليموف نائب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الروسي أوردته صحيفة «أزفستيا» شبه الرسمية، قال فيه إن «إسرائيل» تستخدم القوات المسلحة من أجل محاربة التنظيمات التي تعتبرها تشكل خطراً على أمنها.
القناة الأهم هي قناة المعارضة السورية «الصديقة «لإسرائيل»» التي استطاعت من خلالها التأسيس ليس لعلاقات فقط، بل ولمصالح مشتركة تؤسس لشراكة مستقبلية ضامنة لتطبيع العلاقات بين «سوريا الجديدة» ودولة الكيان الصهيوني.
ويبدو أن ما تم نسجه من علاقات ومصالح مشتركة طوال الأعوام الماضية من عمر الأزمة السورية، كان كافياً لمثل هذه المراهنة التي خرجت من إطار التلميح إلى مستوى التصريح في الأسابيع الأخيرة، سواء من خلال «الإسرائيليين»، أو من خلال ممثلين لهذه المعارضة. فقد دأب الإعلام «الإسرائيلي» على نشر معلومات تفيد بأدوار «إسرائيلية إنسانية»، مع بعض فصائل المعارضة، خاصة في مجال الإسعافات والعلاج للجرحى والمصابين داخل المستشفيات «الإسرائيلية» القريبة من هضبة الجولان المحتل، كان آخرها ما نقلته وكالة «رويترز» (30/1/2017) من تقرير «إسرائيلي» تضمن تفاصيل تلك الخدمات والمساعدات الطبية على لسان المدير الطبي في لواء جولاني الذي أقر بعلاج أكثر من 2600 مصاب تابعين لفصائل معارضة، لكن التقرير لم يوضح كيف يتم نقل هؤلاء المصابين، ومن أية مواقع، وهذا ما أوضحه تحقيق جريء نشرته صحيفة «لوبينيون» (الرأي) الفرنسية ذات التوجه الليبرالي. ففي عددها الصادر يوم الثلاثاء (24/1/2017) جرى الكشف عن أن نقل المصابين يتم في القطاع الذي تسيطر عليه «جبهة النصرة»، وأن هؤلاء المصابين هم من مقاتلي هذه الجبهة، إضافة إلى أكثر من 50 مجموعة مقاتلة أخرى، وأن مستشفى مدينة «صفد» يقوم بالدور الرئيسي في تقديم هذه الخدمات الطبية.
مثل تلك الخدمات لم تأت من فراغ، فهي تعكس مدى عمق ومتانة ما تم نسجه من علاقات بين هذه الفصائل والكيان الصهيوني، كشفت عنها تلك الوثيقة التي أعدتها ما تسمى ب«جبهة الإنقاذ الوطني في سوريا» تحت عنوان «خريطة الطريق» التي تهدف إلى تطبيع العلاقات السورية تطبيعاً كاملاً، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، مع الكيان الصهيوني، والتخلي نهائياً عن هضبة الجولان، وتجنيس اللاجئين الفلسطينيين في سوريا.
لم يتوقف الأمر على ذلك، بل إن ممثلين لهذه الجبهة، والجيش الحر وفصائل أخرى شاركوا في مؤتمر نظمه «معهد ترومان» التابع للجامعة العبرية في القدس (17/1/2017) تحدث فيه قادة منتسبون لفصائل معارضة عن مجريات الحرب في سوريا، والعلاقة مع «إسرائيل»، وقضية اللاجئين. وكان على رأس هؤلاء المشاركين المدعو فهد المصري المنسق العام «لجبهة الإنقاذ الوطني في سوريا»، والمعارض السوري الكردي سيروان كاجو، والقيادي في «الجيش السوري الحر» عصام زيتون، الذين تسابقوا في الثناء على دولة الكيان، وأهمية العلاقات معها، في تطور حرص قادة الكيان على توظيفه على نحو ما قام به وزير الداخلية «أرييه درعي» عندما أصدر توجيهات إلى الجهات المختصة في وزارته لاستيعاب مئة طفل يتيم سوري داخل الكيان الصهيوني مكافأة لهؤلاء الأصدقاء، وعنواناً لعلاقة تقول إن دولة الكيان هي الأقرب إلى الشعب السوري، وإنها الدولة الراعية ل«سوريا الجديدة».


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 1 / 10624

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة