الجمعة 18 كانون الأول (ديسمبر) 2015
الانتفاضة -Alintifada

NGO

بقلم: احمد جميل عزم
الجمعة 18 كانون الأول (ديسمبر) 2015

كانت "دكانة" في قرية، أو بالأحرى مخزنا تجاريا، بُني ليكون متجرا؛ على يمينه محل لبيع الدواجن، ويساره دكان سجاد. شاهدته أول مرة وفيه طاولة تنس، ولعبنا. ورأيت الشبان يستعدون بملابس الرياضة للذهاب لملعب كرة طائرة.
في اليوم التالي توقف لعب تنس الطاولة، وطويت الطاولة، وبدأ -لدهشتي- تدريب المصارعة الحرة مكان الطاولة. يا إلهي إنّ المدرب هو معتصم، الذي حضرت العام الماضي عرسه، وقد أخبروني أنّ الاحتلال سبق واعتقله ثلاث مرّات قبل عشية المواعيد المحددة لزفافه. وفي يوم تال كان التدريب "كراتيه"، وفي نهاية الأسبوع كان بائع الدجاج يصبح وسيماً بملابس قائد الكشافة، ومئات الأطفال بملابس كشافة زرقاء، وطبل وزمر، وخطوة منتظمة، وكل القرية تنظر.
كانت تلك جمعية الشبان المسلمين، والعام 1987، في قرية مقدسية، وكانت غطاءً لتنظيم علماني مُسلّح. وكان الدكان المتواضع "قاعة متعددة الأغراض"! والمصارع عامل في شركة السجائر، وقائد الكشافة صاحب محل الدواجن! والإمكانات شبه صفر، والنشاط يجمع البلد.
في العام 1935 يبدو أنّ عزالدين القسّام فعل الشيء ذاته؛ استغل ترخيص الجمعية العثماني وأسس فرعاً لها في حيفا.
في العام 1988، اتضح أن من كانوا يتدربون في ذلك الفرع القروي تحولوا أو كانوا قد استعدوا وأصبحوا "القوات الضاربة" للانتفاضة، وأقفل الاحتلال الفرع. وفي العام 1937 انبثقت عن نشطاء "القسّام"، جماعة "الكف الأسود" التي تبنت المقاومة المنظمة.
في مواجهة الاحتلال كانت الجمعيات الأهلية (الجمعيات غير الحكومية (NGOs))، رافعة صمود ونضال، في مجالات شتى. ومثلا، المرشحة التي نافست ياسر عرفات في انتخابات الرئاسة منتصف التسعينيات، سميحة خليل، اعتمدت على رصيدها الاجتماعي والنضالي في الاتحاد النسائي العربي، وجمعية إنعاش الأسرة. والجامعات الفلسطينية الوطنية هي جمعيات أهلية.
بعد اتفاقيات أوسلو، أي نحو العام 1995، انتشرت الجمعيات كالفطر، بنفس وروح جديدين، وتمويل مختلف؛ فبدل التمويل الفلسطيني الشعبي، وبدل منظمة التحرير الفلسطينية وقنوات التمويل السرية الثورية، صار الأوروبيون والأميركيون هم الممولون، وصار التطبيع (أي النشاطات الإسرائيلية-الفلسطينية المشتركة) أكثر ما يسعد المانحين الإغداق عليه. وعندما لا يكون الأمر كذلك، تكون نشاطات محددة. فمثلا، يخبرني ناشط في جمعية الشبان ذاتها، أنهم أسسوا جمعية جديدة مختلفة الاسم، وقالوا إنّ أقصى ما استطاعوا الحصول عليه من تمويل أوروبي مفيد، هو لبرنامج مكافحة مخدرات، أمّا أي نشاط تعبوي ووطني فغالبا يجب أن يعتمد على فتات من هنا وهناك. وكانت إقامة برامج مفيدة حقاً أمرا استثنائيا.
وتسرد فتاة قصتها مع أول برنامج تطوعي لها، مع "NGO"، وتقول: فوجئت أنّ القائمين على الجمعية طبعوا ألف ملصق، مع أن نشاطنا التطوعي في عدد محدود من المدارس. سألت: لماذا؟ فقالوا: هناك ميزانية طباعة إذا لم نستغلها نعيدها للمانحين.
وأبحث فأجد جميعات تعيد النشاط ذاته مراراً، كقيام جمعيات لحل النزاعات، بدراسات مستنسخة عن بعضها عن الخلافات الزوجية!
الآن، العام 2015، تراجعت كثيراً النشاطات التطبيعية، بعد أنّ أيقن المنخرطون فيها عبثيتها، وأن كل عملية التسوية عبثية. لكن البرامج العبثية مستمرة؛ فكثير من المؤسسات تحدد أجندة نشاطاتها بما يأتي بالتمويل أكثر منه بحاجة المجتمع. والسلطة الفلسطينية تلعن "الليبرالية الجديدة" حيث مؤسسات أجنبية تقيم علاقات مع المجتمع المدني، وتعتبر هذا من إفرازات الليبرالية الجديدة التي تضعف الدولة وتلتف عليها. أمّا اليسار الفلسطيني، الذي تحول جزء كبير من ناشطيه إلى جمعيات و"NGOs"، فيلعنون سياسات الحكومة الليبرالية الجديدة الاقتصادية، بينما يعتمد جزء مهم منهم على منح مؤسسات دولية وخارجية.
تتطلب إعادة المسار إلى السكة الصحيحة، برنامج تغيير لا يشمل السلطة الرسمية وحسب، بل إن كثيرا من المؤسسات المدنية، بآلية تنهي فكرة "الزبائنية" حيث الكل يريد الاعتماد على تمويل السلطة والمانحين؛ إلى أفكار من اقتصاد المقاومة والاعتماد على الذات، ولتبني البرامج التي يحتاجها الشعب فعلا، وضمن سياق التحرر، بعيداً عن شروط ومصالح التنمية الزائفة، وبعيداً عن النشاطات الوهمية. أي أن تجد شباب 2020 في جمعيات للزيتون، والتعليم اللامنهجي، والقراءة، وتكنولوجيا المعلومات، والكشافة، والرياضة، ونظرية العلاقات الدولية، وعلم الاجتماع... وكل ذلك بنظارات وطنية مقاومة.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 24 / 10704

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة