السبت 28 كانون الثاني (يناير) 2017
الانتفاضة -Alintifada

القوة الأمريكية فوق الشرعية الدولية!

د. ناجى صادق شراب
السبت 28 كانون الثاني (يناير) 2017

أثار القرار الأممى الأخير رقم 2334 الصادر عن مجلس الأمن جدلاً ونقاشاً حادين حول إمكانية تحقيق السلام والوصول لحل الدولتين، على اعتبار أن كل الأنشطة الاستيطانية بما فيها القدس غير شرعية، وتعيق قيام الدولة الفلسطينية، أو كما قال أوباما تجعل حل الدولتين شبه مستحيل، وما تضمنه من ضرورة الشروع فى عملية تفاوضية استناداً للمرجعية الدولية.
هذا القرار حاول الرئيس الجديد دونالد ترامب أن يحول دون ممارسة الولايات المتحدة حق الامتناع عن التصويت لعدم تمريره، انطلاقاً من وجهة نظر تبناها عدد من الخبراء الأمريكيين فى شؤون الشرق الأوسط أمثال دنيس روس، واليوت أبرامز نائب مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس بوش، ومايكل سينغ الخبير في شؤون الشرق الأوسط، أن من شأن هذا القرار أن «يصعب من عملية السلام» في المنطقة. والزعم بأن القرار كان منحازاً بشكل ملحوظ للموقف الفلسطيني، وتجاهل موضوع«يهودية «إسرائيل»». والسؤال الذي يطرح هنا ما الفرق بين دور الولايات المتحدة ودور الأمم المتحدة؟ وهل تستطيع الأمم المتحدة أن تنفذ هذا القرار وغيره من القرارات التي صدرت عنها بشأن القضية الفلسطينية، والعديد منها يقر بعدم شرعية المستوطنات ، وأبرزها قبول فلسطين دولة مراقب، ورفع علمها إلى جانب أعلام الدول الأخرى؟ الولايات المتحدة تمثل إرادة القوة،أما الأمم المتحدة فتمثل إرادة الشرعية الدولية. والإرادة الأولى يمكن أن تعيق تطبيق وتنفيذ أرادة الشرعية الدولية بما تملكه من عناصر القوة بصفتها أولاً أنها القوة الكونية الأولى عسكريا، وثانيا وهذا الأهم أنها تمتلك حق «الفيتو» في مجلس الأمن، والذي يحول دون تطبيق قرارات الشرعية الدولية. فالولايات المتحدة كرست «الفيتو» لحماية «إسرائيل» من أية قرارات دولية ملزمة, وقد استخدمته لصالح «إسرائيل» أكثر من ثلاثين مرة، ونادراً ما كانت تمتنع عن التصويت كما في القرار الأخير الأمر الذي أثار قلق «إسرائيل»، لما لذلك من إعطاء دفعة قوة للقرار، وما يمثله من إرادة أممية.
لا شك أن هذا الموقف الأمريكي هو ما يشجع «إسرائيل» على الاستمرار في سياساتها العنصرية الاستيطانية، وعدم إنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية وقيام الدولة الفلسطينية، هذه السياسة هي التى دفعت إدارة الرئيس أوباما متأخرة ثماني سنوات للامتناع عن التصويت إنقاذاً لحل الدولتين. والامتناع لم يكن هدفه معقابة «إسرائيل» بقدر ما كان رسالة تحذيرية قوية.لأن هذا القرار يحتاج للفصل السابع لتنفيذه وهو ما ستعارضه إدارة الرئيس ترامب.
فهل معنى ذلك أن إرادة الشرعية الدولية التي تعبر عنها الأمم المتحدة لا قيمة لها؟ هنا ينبغي أن نشير إلى أن الشرعية الدولية تبقى لها قوة أخلاقية، وهي ملزمة للدول التي أيدتها وتبنتها. فقد تحول الولايات المتحدة دون تنفيذ قرار دولي صادر عن مجلس الأمن، لكنها لا يمكنها أن تفرض هذا على الدول التي تصوت لصالح الحقوق الفلسطينية، بدليل قبول فلسطين دولة عضواً مراقباً من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي يمكنها التغلب على «الفيتو» الأمريكي بقانون «الاتحاد من أجل السلام»، وعند تبنيها قراراً يتعلق بالسلام بأغلبية الثلثين يكون ملزماً، وهنا يمكن عرض قضية فلسطين كدولة كاملة العضوية تحت الاحتلال وفقاً لهذا القرار، وهذا ما يقلق «إسرائيل». فالشرعية الدولية لا تسقط بالتقادم، ولها الأسبقية على كل القرارات والقوانين التي تتخذها الهيئات التشريعية المحلية كالكنيست «الإسرائيلي» مثلاً. وتشكل في الوقت ذاته مرجعية دولية لأية مفاوضات، وتقوي وتدعم الموقف التفاوضي الفلسطيني، ولا يمكن ل«إسرائيل» أن تتحدى الإرادة الدولية إلى الأبد، مهما كانت قوة «الفيتو» الأمريكى. وإرادة القوة التي تمثلها الولايات من دون إرادة الشرعية لها أثمان كبيرة وعالية، وتتحول إلى حالة من الفوضى، وتفقد التأييد الدولي أو الحاضنة الدولية.
تستطيع الولايات بما تملكه من أدوات تأثير ونفوذ وقوة أن تفرض على «إسرائيل» الالتزام بالشرعية الدولية والدفع في اتجاه التسوية السياسية. وعليه فالتبريرات التي تقدمها الولايات المتحدة بزعم أن القرار الأممي الأخير قد يشكل عائقاً أمام الوصول لحل الدولتين غير صحيحة، لأن المشكلة لا تكمن في إرادة الشرعية الدولية التي أنشأت «إسرائيل»،إنما في إرادة القوة التي تستخدمها الولايات المتحدة لإعاقة وإجهاض هذه الشرعية.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 0 / 10704

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة