الجمعة 27 كانون الثاني (يناير) 2017
الانتفاضة -Alintifada

الثوب الفلسطيني… إرث وهوية

الجمعة 27 كانون الثاني (يناير) 2017

- أحمد محمد خير حديد

الثوب الفلسطيني فلكلور ربط الأرض بالبشر, إرث حضاري غني, ترويها الأمهات والجدات في كل مدينة وقرية فلسطينية تصوغها بأطراف الأنامل لتروي حكاية وطن إنها أيقونة كنعانية تحمي الهوية الفلسطينية من الطمس والتهويد والضياع .
إننا ما نراه اليوم وفي وضح النهار يستهدف تغير الحقيقة وطمس المعالم العربية لأرض فلسطين إنما هو سطو ممنهج ومدروس لسرقة الإرث الحضاري لشعب كامل .
إن الثوب الفلسطيني (الزي الفلسطيني ) في الأصل إرث كنعاني منذ برع الكنعانيون القدماء في صباغة الأنسجة القطنية والصوفية بما فيها الملابس وهو وصية حافظت عليها الأجيال وتناقلها الأبناء عن الأباء بالشكل واللون الذي يضفي الصفة الكنعانية على الثوب الفلسطيني .
فالزي الفلسطيني التقليدي هو جزء لا يتجزأ من الهوية الفلسطينية لابل هو وثيقة تثبيت وجودنا التاريخي على هذه الأرض منذ القدم وارتباطها بالإرث الحضاري للمنطقة العربية , ولما يمثله هذا الثوب للفلسطينيين من ارتباطهم بارضهم المحتلة تعمد أغلب الفلسطينيات في الوطن والشتات وفي المغترب اليوم وعلى الرغم من الكلفة المرتفعة للثوب المطرز يدويا ورغم أيضا اجتياح الموضة والأزياء العصرية إلا أن التمسك بالتراث يدفعهن إلى اقتناء الثوب الفلسطيني وارتدائه والظهور به في المناسبات الاجتماعية والوطنية لأنه جزء لا يتجزأ من التراث والهوية الفلسطينية .
والثوب الذي تحيكه النسوة الفلسطينيات بأناملهن يغدو لوحة فنية يحتاج انجازها إلى عدة أشهر تتداخل فيها الألوان لترسم تحفة فنية ترتديها المرأة وتبدأ رحلة انجاز الثوب باختيار القماش المطلوب وعادة ما يكون من النوع الفاخر ومن ثم يتم اختيار نموذج التطريز المأخوذ من البيئة المحيطة للمنطقة أو لوحة زخرفية غاية في الإتقان والجمال أما بالنسبة للألوان فأهمها اللون الكنعاني المأخوذ من كلمة كناجي Kanaggi وهي تعني بالحورية الصبغة الأرجوانية أو القرمزية، والتي اشتهر الكنعانيون بصناعتها، ويدل على اللون الأحمر بجميع مشتقاته ولهذا فإن معظم الأثواب الفلسطينية يغلب عليها اللون الأحمر .
وتتميز المدن الفلسطينية بأثواب خاصة بها يمكن تميزها عن غيرها حيث يعكس غالبا الطبقة والحالة الاجتماعية للمرأة, حيث يعتقد أن ثوب مدينة أريحا هو من أقدم الأثواب الفلسطينية حيث عرفه الكنعانيون منذ خمسة ألاف عام أي نصف عمر المدينة التي تعد من أقدم المدن التي لاتزال مأهولة ويناهز عمرها عشرة ألاف عام , ويمتاز هذا الثوب بالخطوط الطولية والزخارف التي ترتبط بالأثار الحفرية التي وجدت في المدينة حيث كانت النساء يرتدين هذا الزي عند تقديم الهدايا للفراعنة و في المناسبات الاجتماعية المهمة .
بيد أن الاهتمام بدا جليا بالثوب الفلسطيني تزامنا مع انطلاق الانتفاضة الأولى إذ كان للفلسطينيين السلاح الذي يدافعون به عن تاريخهم وهويتهم والثوب الفلسطيني هو أهم ما تركه لنا الأجداد وعلينا التمسك به فهو الذي يرسم الصورة الكاملة للوطن وتراكم تراثه وحضارته عبر الأجيال .
إن هذا الشعب العريق الذي راكم هذه الحضارة التي امتدت ألاف السنين يحق له بكل جدارة أن يعلن انتمائه لهذا الوطن وما هذا الزي إلا وثيقة ملكية لهذه الأرض عبر التاريخ .
ما جعلني اتطرق لهذا الموضوع – الثوب الفلسطيني – ليس هو التعريف به فقط بل إنما جعله أسلوب حياة لكل الفلسطينيين وإدخاله في تفاصيل حياتنا …!
لماذا لا ندخل التطريزة الفلسطينية في أثاثنا ومفروشاتنا وتصاميم الأزياء الحديثة وحتى تصاميم إعلانية لتكون سفيرة لهذا الشعب وجعلها وثيقة الهوية التي يتعرف بها العالم علينا لتكون وسما خاصا بفلسطين وشعب فلسطين في أنحاء العالم كما وسمت حرف بأمم ومدن وشعوب ها هي إيران تشتهر بالسجاد العجمي ( الفارسي ) ودمشق تشتهر بالبروكار والموزاييك و الدامسكو ومصر تعرف بالأرابيسك , لماذا لا تكون التطريزة هي وسمنا وشهرتنا وسفيرتنا إلى العالم .
بيد أن الاحتلال الإسرائيلي لا يوفر جهدا في امتلاك ما تقع يده عليه وإطفاء الهوية اليهودية عليه فأخذ يسرق تراثنا ومنه الثوب الفلسطيني حيث أن مضيفات شركة الطيران الإسرائيلية (العال) وعارضات أزياء إسرائيليات لبسن هذا الثوب (ثوب بيت لحم ) المعروف بثوب الملكة وقدمنه للعالم على أنه زي اسرائيلي وإرث يهودي .
وليس هذا كل شيء بل عمدت إسرائيل على تسجيل الثوب الفلسطيني باسمها في المجلد الرابع من الموسوعة العالمية في عام 1993 مع وضع الصور لكن شعبنا الفلسطيني ناضل وقاوم ليسقط هذه الهوية المزيفة عنه كتراث يهودي وإزالته في عام 2007 وهذا إن دل إنما يدل على أن إسرائيل لن تتوقف عن نهجها في الاستيلاء على التراث الحضاري الفلسطيني , وبالتوازي مع ذلك نجح الفلسطينيون مؤخرا في ضم الثوب الفلسطيني المطرز إلى موسوعة غينس للأرقام القياسية عبر ثوب عملاق هو الأكبر من نوعه استغرقت عملية انجازه ثلاثة أشهر وتجاوزت تكلفته نحو 40 ألف دولار .
وفي نهاية الحديث لا يسعنا إلى أن نقول إن الفلسطينيين وجدوا بالثوب الفلسطيني وثيقة وهوية وسلاحا يدافعون به عن إرثهم الحضاري والتاريخي لهذه الأرض لذلك نقول أنه علينا أن نحب تراثنا ونمارسه حتى يبقى ملكا لنا فالتراث هو تركة الأجداد لنا وعلينا أن ندافع عنه وكما قيل ” أمة بلا تراث …… أمة بلا مستقبل “


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 3 / 10704

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع ثقافة المقاومة   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة