الخميس 26 كانون الثاني (يناير) 2017
الانتفاضة -Alintifada

التورُّط في الجَبرية والحرفية..!

د. احمد جميل عزام
الخميس 26 كانون الثاني (يناير) 2017

يبدو أن جزءا مهماً من الثقافة الشائعة في مجتمعاتنا لا يريد أن يميز جيداً بين الإرادة الإلهية وبين الإرادة الشخصية والقرار البشري. كما أن قسماً كبيراً من العقل الجمعي مبتلى بالقراءة الحرفية والميل إلى اقتطاع الأشياء من سياقاتها، بالطريقة التي عرضت نفسها بصفاقة في قراءات المتطرفين والإرهابيين للنصوص الدينية، واستخدام تأويلاتهم المجزوءة لتبرير الإجرام والقتل. وفي نهاية المطاف، تمارس هذه الأنماط المتعصبة رقابة صارمة على المنطوق والمفعول والمرسوم بطريقة تعسفية، وتوسع منطقة الـ"تابوهات" إلى حدود لا تُطاق.
لاحظتُ ذلك مرة أخرى، عندما وجدتُ كل التعليقات بلا استثناء على مقالتي السابقة بعنوان "أقدارنا في يد ترامب"، متفقة بلا أي تنويع على تكرار فكرة واحدة لا غير: إن أقدارنا كلها بيد الله تعالى. ولا جدال في مسألة الإرادة الإلهية، لكن المعلقين قطعوا العنوان عن محتوى المقالة الذي كان أكثر عملية، ولا علاقة له بجدل "الجبرية والقدرية" الكبير، وتشبثوا بكلمة "أقدار" فقط. وكانت فكرة المقالة أن القرارات التي ستُتخذ في بيت ترامب الأبيض سوف تؤثر على حياة الناس وعلى وجهات القضايا والأحوال في المنطقة. ولا أدري كيف يجادل أحد في حقيقة أن قرارات شاغلي البيت الأبيض حول منطقتنا أو غيرها ليست تحقيقاً لأوامر إلهية مباشرة لصناع السياسة الأميركيين.
إذا كان البعض يصر على أن رؤساء الولايات المتحدة ينفذون القدر المقدر لنا، فإنه لا يحق لهم ولا لغيرهم أن يحتجوا إذن إذا تسببت هذه القرارات في خراب بيوتهم، واحتلال أوطانهم وقتل أولادهم. وإذا كانت القرارات البشرية لأي حاكم -أو حتى زعيم تنظيم إرهابي أو قاتل عادي- هي شيء مقدّر كله على الجاني والضحية، وخالٍ من عنصر الاختيار البشري، فإنه لا يجوز للشعوب أن تنتفض على حكوماتها، ولا يجوز لأحد أن يطالب باعتقال الإرهابيين وسجن المجرمين، ما داموا مُجبرين على أفعالهم ولا قرار لهم.
لا أدري كيف يمكن أن يشكك أحد بحقيقة أن وعد بلفور –وهو قرار بشري- بمنح اليهود فلسطين، غيّر مصائر الملايين من أصحاب الأرض وأبنائهم وأحفادهم؛ وأن قرار جورج بوش الابن غزو العراق في العام 2003 غير حياة العراقيين والمنطقة بشكل جذري. وفي المقابل، سيكون إضفاء القداسة على قراري بلفور وبوش باعتبار أنهما تنفيذ لما هو مقدر على الفلسطينيين والعراقيين، تجنياً على الذات الإلهية التي لا تأمر الناس بالشر. بل إن هذا بالضبط ما يدعيه كل الطغاة والمستبدين، حين يزعمون أنهم ينفذون إرادة الله تعالى ويحكمون باسمه. وهو بالضبط أيضاً ما يدّعيه الدواعش وأشباههم حينما يتصورون أن قدَرهم هو خوض الحرب المقدسة بتفجير الأسواق وحرق الأسرى وإعدام مواطنيهم وقتل الأبرياء.
سوف يكون من السهل، باستعمال فكرة أن كل شيء مقدر على الناس وليس لهم فيه خيار، أن نبرر تخلف الأمة العربية واستئساد الآخرين عليها، على اعتبار أن هذا هو قدرها المرسوم. وسيكون من غير الجائز لوم الأنظمة الاستبدادية على سياساتها وتصرفاتها، على أساس أن ما تفعله بشعوبها مقدّر عليها وعليهم. وفي الحقيقة، ليس هناك دين أو معتقد يمكن أن يُسقط عن الناس مسؤولية تحديد مصائرهم ومصائر غيرهم –سوى المختلين عقلياً والأطفال. وإذا قرر أحد أن يؤذي غيره أو يهلكه، فإنه يُحاسب لأنّه اختار، ولأنه قرر مصير الضحية والمتصلين بها.
في النهاية، يجب أن يكون هناك تمييز واضح بين الدنيوي والسماوي. ولا يجوز أن يكون الناس انتقائيين في تحديد المسؤولية عن أفعالهم وما يقع عليهم من فعل. سوف يكون ترامب هو المسؤول إذا قرر تعميق أزمات منطقتنا المشتعلة أو المساعدة في حلها. وعلى أساس قراره هو، سوف يتوقف نزف الدم أو يفيض. كما أن قرارات الحكومات والحكام وصناع السياسات في بلداننا، هي التي ستحدد نوعية حياة الأجيال القادمة في هذه المنطقة. والقول بغير ذلك، يعني افتراض أن كل هؤلاء "حاكمون بأمر الله"، حيث يجب الاستسلام وعدم الاعتراض على أي شيء، بذريعة أنه مقدّر وواجب التنفيذ.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 1 / 10624

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة