الخميس 26 كانون الثاني (يناير) 2017
الانتفاضة

الإدمان على خداع النفس

نبيل سالم
الخميس 26 كانون الثاني (يناير) 2017

وعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانتخابية، والتي تتعلق بحماية الكيان الصهيوني، ونقل سفارة الولايات المتحدة، من «تل أبيب» إلى القدس، ليس أمراً مستغرباً على الساسة الأمريكيين، ولا سيما في فترات الحملات الانتخابية، حيث يتسابق هؤلاء لكسب ود اللوبي الصهيوني المتنفذ في أمريكا. فقد سبق ترامب معظم الساسة والمرشحين الذين خاضوا الانتخابات، سواء الذين كسبوا الانتخابات أو خسروها، وعليه فإن ما صرح به ترامب ليس جديداً، وليس غريباً على الساسة الأمريكيين، ولا سيما اليمينيين منهم، لكن الغريب في الأمر هو إدماننا على خداع أنفسنا طوال كل هذه العقود من سنوات الصراع العربي «الإسرائيلي» الدامي.
مما لا شك فيه أن أي عربي مخلص لعروبته، وأي فلسطيني يتمسك بوطنيته، بل وأي مسلم، يرفض احتلال ليس القدس فقط، وإنما أي مدينة عربية، ويرفض اعتراف العالم بشرعية الاحتلال الصهيوني لها، لكن السؤال الأهم، هو: هل عدم اعتراف العالم بشرعية الاحتلال، ساهم في تحرير فلسطين؟
عشرات القرارات الدولية الصادرة عن أعلى وأهم منظمة دولية، هي الأمم المتحدة، ومجلس الأمن تحديداً لم تفلح في زحزحة الكيان الصهيوني عن أرضنا، لا بل أمعن الاحتلال في جرائمه ليس بحق فلسطين والفلسطينيين، وإنما بحق العرب جميعاً.
وبدلاً من أن يوضع الكيان الصهيوني، في خانة الإرهاب، وضع العرب في هذه الخانة بتحريض «إسرائيلي» مكشوف!
صحيح أن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، يمثل اعترافاً أمريكياً بشرعية احتلالها، ويشرعن حتى سياسة الاستيطان «الإسرائيلي» المدمرة، إلا أن تقديم الدعم العسكري والمادي والسياسي ل«إسرائيل» لا يقل خطورة عن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، لأنه ومع احترامنا الكبير لرمزية مدينة القدس المحتلة، وقدسيتها، لكنها لا تختلف كثيراً من الناحية الوطنية عن حيفا، وتل الربيع، وصفد والنقب وغيرها من المناطق الفلسطينية المحتلة، ثم أنه ما معنى أن تبقى القدس خالية من السفارات الأجنبية، طالما أنها خاضعة للاحتلال «الإسرائيلي» من دون أن يستطيع أحد إزالة هذا الاحتلال؟
لقد حاول دهاقنة الصهاينة، ومنذ الأيام الأولى للغزو الصهيوني لفلسطين، تجزئة الصراع مع العرب، بغية تشتيت الطاقات العربية، وتضليل البوصلة السياسية الفلسطينية خاصة والعربية بشكل عام.
ولعل المتتبع لمفاوضات «السلام» العربية «الإسرائيلية»، وما نتج عنها من اتفاقيات،بدءاً من اتفاقيات الهدنة التي أعقبت، حرب النكبة الفلسطينية عام 1948 مروراً باتفاقيات كامب ديفيد واتفاقيات أوسلو والاتفاق الأردني «الإسرائيلي»، يلاحظ من دون أي عناء كيف أن «إسرائيل» نجحت في تجزئة الصراع العربي «الإسرائيلي»، ومسخه بعد تحويله إلى نزاعات على أراض متنازع عليها هنا وهناك، وكأنه خلافات بين دول قائمة وشرعية، حول مناطق نفوذ، أو مساحات جغرافية، في تجاهل متعمد للحقيقة الدامغة، بأن الكيان «الإسرائيلي» برمته، مجرد كيان استعماري استيطاني إجلائي عنصري بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وأن هذا الكيان لا يوجد له شبيه في العالم سوى الولايات المتحدة نفسها، التي تعد من أكبر داعميه وحماته على وجه الأرض، فكما قامت الولايات المتحدة على أنقاض شعب مسالم هم الهنود الحمر، وأسس المهاجرون فيها إمبراطورية استعمارية، سحقت شعب البلاد الأصلي عبر مجازر دموية، وحولته إلى مجرد أقلية محرومة، قام الكيان «الإسرائيلي» على أنقاض الوطن الفلسطيني، عبر مجازر دموية مشابهة إن لم تكن أشد شراسة وإجراماً.
من كل ما تقدم يمكن القول، إن تصريحات الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب، حول نقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس،ورغم أنها تستوجب الإدانة،باعتبارها إمعاناً في تجاهل الحقوق الوطنية الفلسطينية، وجريمة سياسية أخرى تضاف إلى سلسلة الجرائم الأمريكية المتمثلة باستمرار الدعم الأمريكي للكيان، إلا أنها يجب ألا تدفعنا لنسيان حقيقة أن الكيان «الإسرائيلي» كله هو كيان غير شرعي.
وأخيراً لا بد من القول: إن التركيز على مدينة القدس برمزيتها، رغم أهميته في الصراع مع الكيان «الإسرائيلي»، إلا أنه يجب ألا ينسينا حقيقة أن فلسطين كلها تحت الاحتلال، وأن أي جريمة ترتكب بحق حيفا، أو صفد أو عكا أو النقب أو الجليل، وأي جريمة بحق أي فلسطيني في أرضه لا تقل أهمية عن جرائم الكيان بحق مدينة القدس المحتلة، بما تمثله من رمزية إسلامية ومسيحية، خاصة وأن مدينة القدس كانت عبر التاريخ محط القداسة بالنسبة للديانات السماوية الثلاث، قبل أن يشوهها الاستعمار الاستيطاني الإجلائي العنصري الصهيوني!


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 7 / 16146

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة