الأحد 22 كانون الثاني (يناير) 2017
انتفاضة التحرير

أقدارنا في يد ترامب..!

د. احمد جميل عزام
الأحد 22 كانون الثاني (يناير) 2017

يقف العالم كله على رؤوس أصابعه الآن، في ترقب حذِر لما سيفعله رجل واحد: دونالد ترامب، الذي تولى رئاسة الولايات المتحدة –والعالم- قبل يومين. ونحن نتحدث هنا عن دول كبرى مثل روسيا والصين؛ واتحادات هائلة مثل الاتحاد الأوروبي؛ وتكتلات إقليمية وعالمية كبيرة، مثل اتفاقيات التجارة المختلفة؛ وتوازنات راسخة وقلقة أصبحت الآن تخشى الاختلال.
ليس جديداً أن تكون أقدار الكثير من الناس في مختلف أنحاء العالم مرهونة لإرادة الولايات المتحدة. ولكن الجديد هو أن تفرز الديمقراطية التي تريد أميركا تصديرها إلى العالم، زعيماً مثيراً للجدل مثل ترامب، قطب العقارات وتلفزيون الواقع الذي لا يقرأ في السياسة ولا يهتم بأساسيات اللباقة والدبلوماسية. ويتساءل المرء: كيف لم تستطع أمة مثل الولايات المتحدة بتقاليدها السياسية العريقة ومؤسساتها وأحزابها أن تقدم لنفسها وللعالَم شخصاً أكثر اتزاناً من ترامب؟ وإذا كان هذا هو الحال في الديمقراطية التي تدعي المثالية، فكيف نستغرب ما تنتجه الأوتوقراطية الذميمة في مناطقنا من القادة الذين لا يفكون الحرف، ليقودوا مسيرة الشعوب.!
سوف نراقب في هذه المنطقة ما سيفعله ترامب لجلب الاستقرار إليها أو ما سيضيفه إلى فوضاها. وسوف يحدد هو وفريقه الذي يشبهه، ما ستؤول إليه الصراعات الدموية في العراق، وسورية، واليمن، وليبيا وفلسطين. وإلى حد كبير، سوف تؤثر سياساته على كل فرد منا في نهاية المطاف، وتتدخل في اختياراته ونوعية الحياة التي يعيشها. ومثل غيرنا في بقية العالم، يشكل تنصيب ترامب "قفزة في المجهول"، على حد وصف البعض، وتعميق حالة انعدام اليقين الحاضرة بكثافة في المناخات الراهنة.
في الأردن، سوف تحدد نوعية التزام الولايات المتحدة تجاه البلد في عصر ترامب على الاقتصاد والاستقرار بشكل عام، وهي العناصر التي تؤثر مباشرة في كل بيت أردني. وقد رصد المتابعون مؤشرات إيجابية في تصريحات الرئيس الأميركي الجديد عن البلد، وتطلعه إلى العمل معه في مجال مكافحة الإرهاب. وسوف يعول الأردن على أهميته الاستراتيجية في المنطقة لضمان استمرار الدعم الأميركي، لكن الاتجاهات التي ستذهب إليها دول الجوار القريب باختيارات السياسة الأميركية القادمة، سوف تنعكس محلياً على كل الصعد أيضاً.
وعد ترامب في خطاب تنصيبه بالقضاء على ما أسماه "التطرف الإسلامي". وحسب تصريحاته السابقة، فإنه لم يكن يميز بين التطرف الإسلامي وبين الإسلام والمسلمين جملة وتفصيلاً. وقد وعد سابقاً بحظر دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة وبوضع الآخرين تحت المراقبة. ولكن، حتى إذا نفذ ترامب وعده بتشديد الضغط على المنظمات المتطرفة وعلى رأسها تنظيم "داعش" في سورية والعراق، فيمكن أن تزداد المخاطر على الأردن بسبب الهاربين والعائدين من الجهاديين. وسوف يحتاج البلد إلى مزيد من الدعم العسكري والاقتصادي الأميركيين لتدعيم جبهتيه، الداخلية والخارجية.
في الشأن الفلسطيني الملتحم تماماً بالشأن الأردني، شاهدنا ترامب وهو ينتقل من الحديث عن إبرام "صفقة نهائية" لحل الصراع في فلسطين بنزاهة، إلى ما وصفه البعض بأنه صناعة "إسرائيل النهائية" طليقة اليد في توسيع استيطانها وضمها للأراضي الفلسطينية. وفي خطوة لفتت كل المراقبين، عيّن ترامب شخصاً متعصباً لكيان الاحتلال، كان محامي إفلاس، ليكون سفيراً لبلاده في دولة الكيان. وقد قرأ المعلقون هذه الخطوة على أنها لا تساعد حل المشكلة الفلسطينية. وكتب باحث شؤون الكيان عيران عتسيون، عن انطباعات جمهور الكيان بعد انتخاب ترامب: "تم تصوير ترامب على أنه مسيح القرن الحادي والعشرين، الذي جاء ليمنح الضوء الأخضر لإحداث تحول تاريخي عن حل الدولتين. أصبح نقل السفارة الأميركية إلى القدس والتغاضي عن ضم محدود (للأراضي الفلسطينية) فجأة في متناول اليد".
إذا نفذ ترامب وعيده بنقل السفارة وغض الطرف عن تأبيد الاحتلال وأعدم نهائياً خيار الدولتين، فإن أقدار الملايين من الفلسطينيين ستشهد انعطافة حادة تمحو آخر أمل في تحقيق أي نوع من الاستقلال الوطني. كما أن ضم القدس إلى دولة الكيان سيمس مباشرة بأدوار الأردن كوصي على المقدسات في القدس الشرقية وأدواره التنسيقية مع الفلسطينيين في إطار النضال لإقامة دولة.
يبقى الأمل أن تكون للمؤسسة الأميركية، ولو أنها لم تكن عادلة معنا، كلمة في ضبط جموح ترامب، وأن يكون القادم خيراً.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 1 / 10704

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة