الخميس 19 كانون الثاني (يناير) 2017
الانتفاضة -Alintifada

الفلسطينيون إلى "الأبارتهايد"..؟!

علاء الدين أبو زينة
الخميس 19 كانون الثاني (يناير) 2017

قدَّر معظم المعلقين أن قيمة مؤتمر سلام باريس الأخير لإنقاذ "حل الدولتين" هي رمزية فقط. فمثل معظم الأنشطة والقرارات المتعلقة بالقضية الفلسطينية، لم يضع المؤتمر آليات للمتابعة أو لإجبار كيان الاحتلال على تفكيك مستوطناته والخروج من الأراضي الفلسطينية المحتلة. وكان البعض قد قرأوا سماح إدارة باراك أوباما بمرور قرار إدانة المستوطنات في الأمم المتحدة، على أنه إشارة إلى تخلي الولايات المتحدة عن احتكارها لعملية صنع السلام في فلسطين والسماح بتدويلها. لكن اتجاهات الرئيس الأميركي الجديد والكونغرس المؤيدة بشدة لكيان الاحتلال تشير إلى عكس ذلك بالضبط، إذا تحققت فعلياً.
قرأ معلقون خطوة الدول الأوروبية في مؤتمر باريس في سياق محاولة أوروبا الإعلان عن وجودها في مقابل إعلانات دونالد ترامب المتكررة المثيرة لحفيظة الأوروبيين. لكن من الإفراط في الأمل تصور أن تقف أوروبا بحزم في وجه ترامب باستخدام الورقة الفلسطينية، على أساس فرض حل الدولتين بمقاطعة الكيان اقتصادياً وعسكرياً وثقافياً وخنقه دبلوماسياً. وتقول التجربة إن الأوروبيين سيبيعون الفلسطينيين بأرخص سعر عند أي بادرة ود أميركية. وكما هو معروف، كانت الولايات المتحدة وما تزال هي المتحكمة بمصير الفلسطينيين وإدامة مشروع الاحتلال. وعلى سبيل المثال، لم يتوقف الاستيطان لحظة –بل ازداد- حتى في عهد إدارة أوباما التي بدأت بوعد حل الصراع في فلسطين، كما لم تتوقف المساعدات للكيان بكل أنواعها.
الآن، مع ذهاب مقومات إقامة دولة فلسطينية، وميل الإدارة الأميركية الجديدة إلى التخلي عن هذا الخيار، يبدو أن الوجهات تشير إلى وضع يفرض نفسه عملياً في فلسطين: دولة واحدة –دولة فصل عنصري (أبارتهايد). وقد عبّر مستشار الرئيس الفلسطيني محمود عباس، محمد اشتية، عن ذلك في مؤتمر صحفي بباريس قبيل الاجتماع الأخير، حين قال: "اليوم، حل دولتين ممكن؛ وغداً، سيكون متأخراً جداً، لأن إسرائيل تنزلق إلى وضع ستكون فيه دولة فصل عنصري بحكم القانون والأمر الواقع".
في واقع الأمر، وعلى الرغم من "أوسلو" و"السلطة الفلسطينية" وطباعة أوراق مروسة بشعار "دولة فلسطين"، فإن الضفة الغربية تخضع للسيطرة العسكرية المطلقة لكيان الاحتلال. وبكل المقاييس، ما تزال الضفة وغزة محتلتين فعلياً –أي جزءاً من دولة الكيان. وإذا نقل ترامب سفارته إلى القدس ونفذ وعده بمباركة الاستيطان وشرعنة الاحتلال، وواصل التجاهل الأميركي المعهود للأمم المتحدة والإرادة الدولية، فإن الحديث عن "دولتين" سيكون ضرباً من الخرف والتجني المطلق على الواقع. وسيكون سيناريو دولة الأبارتهايد الواحدة متحققاً عملياً، بغض النظر عن التفاصيل التقنية.
لعل من الملفت ما ذكره تقرير حديث لصحيفة "كريستيان ساينس مونيتور"، من أن 36 % من الفلسطينيين أصبحوا يؤيدون حل الدولة الواحدة، بعد فشل المفاوضات. وتنقل الصحيفة عن فلسطينيين قولهم إنهم كانوا يعيشون بشكل أفضل قبل مجيء السلطة الفسطينية، وتشير إلى تعمق إحباطهم من السلطة "التي تعاني بعد أكثر من 22 عاماً من الحكم من الانقسامات الداخلية، واقتصاد فلسطيني محتضر، ومزاعم واسعة النطاق بالفساد". وإذا أضفنا إلى ذلك استمرار انعدام الأمن بالنسبة للفلسطينيين وسوء أوضاعهم الاقتصادية، وسيطرة الاحتلال المطلقة على تنقلهم وتجارتهم وحياتهم، فإن تحولهم إلى "مواطنين" في دولة الكيان قد لا يُحدث الكثير من الفرق.
مع ذلك، تقول التقديرات إن حكومة الكيان لن توافق مطلقاً على دولة واحدة ثنائية القومية، باعتبار أن ذلك يهدد يهوديتها وأمنها. وفي الوقت نفسه، تعدم سياسات حكومات الكيان المتعاقبة احتمال فصل الفلسطينيين بإعطائهم دولة. ولا يخفى التعارض المنطقي في هذه المعادلة. لكن أنصار الكيان الغيورين على فكرة "يهودية الدولة" يصرخون بأن المسارات الحالية تفضي حتماً إلى دولة فصل عنصري واحدة ثنائية القومية بالتحديد.
بالشروط المعروفة عن عقلية الاحتلال، فإن هذه الدولة لن تكون ديمقراطية، وسيكون المواطنون العرب الأصليون فيها مثل السود في جنوب أفريقيا العنصرية. وإذا حدث ذلك، فإن الفلسطينيين تحت الاحتلال سيستبدلون مظهر "الحرية" الحالي الكاذب بحقيقة كونهم مواطنين تحت احتلال، بلا "رئيس" و"قوات أمن" ومخابرات. وإذا كان الحديث يجري كثيراً عن "المقاومة الشعبية السلمية" كسبيل أخير للنضال الفلسطيني، فسوف تكون لدى الفسطينيين تجربة نيلسون مانديلا وشعبه للبناء عليها، باستغلال الصفة التي ستصبح واضحة جداً لدولة الكيان الاحتلالية العنصرية.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 3 / 10624

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة