الخميس 19 كانون الثاني (يناير) 2017
الانتفاضة -Alintifada

حين يكون العدوان... وساماً

عادل سمارة
الخميس 19 كانون الثاني (يناير) 2017

كتبت لي صديقة عروبية هذا الصباح بأنها تشعر بالإهانة بسبب الغزوة الصهيونية على مطار المزة في سورية. نعم وأنا أشعر كذلك، ولكن لديّ شعور آخر هو أنّ ذلك العدوان وسام لسورية. لماذا؟ سورية اليوم أشبه بمناضل في التحقيق؟ أليس خضوعه للتعذيب بطولة؟ وهل كونه اعتقل هو إدانة له، أم وسام؟ ذلك لأنّ سياق المرحلة هو عدوان معولم على سورية. هذه هي الحقيقة.

واللافت أنّ الأعداء يعلنون بأنهم يقومون بالعدوان، سواء بالإرهابيين أو التسليح او التمويل أو الإعلام أو حتى الجنس. بينما كثيرون منا يرون أنّ الموقف من غزوة الكيان يجب أن يكون بالردّ العسكري المباشر كأنّ الأمر ملاكمة فردية.

ما سأقوله قد يبدو تكراراً لما هو معروف، ولكنني دائماً أميل إلى التأصيل مخافة عامل النسيان وانشغال الناس في اليومي بينما الأعداء ينشغلون في اليومي والاستراتيجي.

مشروع الثورة المضادة هو سحق المشروع العروبي وليس إضعافه. ومن هنا يصبح اشتراك الكيان في العدوان على سورية حتمياً بعد ان تمّ الإجهاز على مصر وليبيا والعراق واستمرار العدوان على اليمن والتحضير ضدّ حزب الله. وفي هذا السياق علينا جميعاً أن نتذكّر بأنّ كثيرين منا ولأسباب جانبية سقطوا في مباركة احتلال العراق وليبيا. آهٍ لضيق الأفق الذي يقارب الخيانة بلا وعي وقصد. ثم الآن نجد من يدفعون سورية إلى حرب جديدة!

دائماً، علينا وضع ايّ عدوان ولو رصاصة واحدة في سياق طبيعة الصراع، وإلا سنشعر بالإهانة، ومن ثمّ ربما بتهالك العزيمة، وهذا لا يخدم إعادة بناء المشروع العروبي واستعادة الشارع العربي.

لنضع الأمر في سياقه الصحيح، بل لنرى سياقه الصحيح وهو معروض أمامنا حتى على شاشات التخدير التي للأسف غدت افيون العرب.

لا يمكننا قراءة هذا العدوان بعيداً عن السياق الاستراتيجي والتاريخي لوجوده واستمراره.

ففي الصراع مع الكيان الصهيوني، أو في قيامه بعدوان، لا بدّ من وضع الأمر في السياق التالي، وهو ليس تبريراً لسورية ولكن، كما أعتقد قراءة واقعية تقوم مسألتان: تاريخية ولحظية.

في المستوى التاريخي، علينا الأخذ الجدي باعتبار ما يلي:

1 – الكيان هو كلّ الغرب والحرب معه هي مع الغرب، وإلا كيف لدويلة قميئة كالدنمارك ان تشارك في قصف الجيش العربي السوري في دير الزور؟

2 – بل اليوم العدوان أوسع من الغرب، وإلا فما معنى اشتراك 93 دولة وضخ 360 ألف إرهابي ضدّ سورية.

3- الحدّ الأدنى للحرب مع هذا العدو المعولم/ الثورة المضادة يتطلب دور كلّ العرب… وكلّ العرب غائبون أو أعداء.

4 – أية أرض عربية تسقط أو تُحتلّ يجب ان تقاوم ولكن وحدها لا تستطيع هزيمة العدو المعولم.

5 – حاولت سورية الوصول الى توازن استراتيجي مع الكيان ولذا تعرّضت لما تتعرّض له اليوم.

لهذه الأسباب سورية لا يمكنها الردّ وحدها لا سيما وهي في حرب معولمة. وكلّ مزايدات في هذا السياق، كالحديث عن استعادة الجولان ليس سوى ثرثرة حمقاء بحقنة من الأعداء.

وفي المستوى اللحظي، فإنّ هذا العدوان الصهيوني مرتبط بأكثر من أمر:

1 – تحرير حلب مما أكد أننا أخذنا نرى نور ما بعد الانتصار.

2 – هذا العدوان تبهير لمؤتمر العملاء من السوريين في معهد ترومان في القدس المحتلة. وللإسم معناه، فترومان هو الرئيس الأميركي الذي اعترف بالكيان 1948.

3 – في نفس الفترة اكتشفت الجزائر شبكة تجسّس مما يؤكد أنّ العدوان المعولم، حتى لو رأس حربته الصهيونية، فهو يشمل العالم العربي بأسره. ولنتذكر أنّ «ابطال ثورة الناتو» في ليبيا أعطوا الكيان قاعدة عسكرية فوراً عام 2011. ولا أعتقد انها لضرب قصور آل سعود.

4 – كما ترافق مع التأكيد من العدو الأميركي على نقل سفارة أميركا إلى القدس. هذا مع أنني أعتقد أنّ القدس ليست أغلى من حيفا. ذلك لأنّ المبالغة في القدس تعني تقزيم الوطن لصالح مدينة ومن ثم المدينة لصالح الأقصى والأقصى ربما لمحراب صلاح الدين. وكلّ ذلك لحصر الصراع كأنه ديني.

5 – يأتي العدوان في وقت تتكثف غيوم العدوان العربي التركي الغربي المعولم على جنوب سورية.

6 – ويأتي العدوان ووفد من المغرب يزور الكيان مكوناً من ساسة ومثقفين إلخ… وبالمناسبة، وحتى قبل العدوان على سورية نحن في صراع مباشر مع ثلاثة كيانات معادية بنفس المستوى: الكيان الصهيوني في الوسط، تركيا في الشرق، والنظام المغربي في غرب العالم العربي.

7 – وقد تكون خاتمة هذه العوامل ما قاله أوباما في خطاب الوداع: لن تكون دولة فلسطينية. وهذا حقيقة هو موقف اميركا. وهو يكشف بأنّ كل رئيس أميركي سواء بقي دورة او اثنتين، فهو كذب على مدار رئاسته.

8 – ويأتي العدوان وروسيا على مشارف مؤتمر أستانة، إلى جانب إعلان تقليص قواتها كمقدّمة لتلطيف مناخ المؤتمر الذي يتأرجح بين الانعقاد والتعقيد.

ربما أختم بملاحظة تؤكد مجمل القول أعلاه، بأنّ المعسكر العدو/ الثورة المضادة لن تتردّد في حال هزيمة الكيان بأن تلجا إلى الخيار النووي، وهناك شاهدان على هذا:

الأول: ما قامت به الولايات المتحدة في حرب تشرين الأول/ اكتوبر 1973 حيث جهّزت في الطائرات أحد عشر قنبلة

والثانية ما قاله ثعلب الليبرالية الصهيوني نعوم تشومسكي منذ زمن بانّ الكيان في حال أشرف على الهزيمة سوف يلجأ للنووي، وهو هنا ليس بناء على تحليل، بل أعتقد نتيجة تواصل وارتباط.

من هنا، فالحرب طويلة، وخطوة الانتصار الأولى بقاء سورية، وبعدها لكلّ حادث حديث ولكلّ حرب حرب…


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 3 / 10704

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة