السبت 14 كانون الثاني (يناير) 2017
الانتفاضة -Alintifada

رسائل فتى المُكَبِّر

عبداللطيف مهنا
السبت 14 كانون الثاني (يناير) 2017

تتفرَّد عملية فتى المُكبِّر المقدسي الشهيد فادي نائل القنبر الفدائية بسمة نوعية وترهص بأن لها ما بعدها. وجَّهت رسائلها الكثر ولعديد الجهات. في المقدمة منهم المحتل الصهيوني، مرورًا بالفلسطينيين، فالعرب، ومن ثم العالم.
…إن قلنا الفلسطينيين، فأول ما نعني منهم الأوسلويون الانهزاميون التسوويون، وتاليًا، يأتي الفلسطينيون الفلسطينيون، ونعني الصامدين المقاومين، وهم مجموع الشعب الفلسطيني، وطنًا وشتاتًا. وإن قلنا العرب، نستثني جل مهترئ ما كان يدعى النظام العربي الرسمي، من عاجزيه إلى سماسرته ومتواطئيه وحتى متآمريه، فهؤلاء باتوا في وادٍ آخر وسقطوا، أو أسقطوا أنفسهم، من أي حساب، وإذ نستثنيهم، نعني هنا كتلة الأمة الكبيرة المغيَّبة، هذه التي تلعق الآن جراحاتها النازفة المتكاثرة، والتي تضاعف من وبالات نزفها غوائل الفتن وبلوى التمذهب ودواهي التطييف، وتمر في راهن تتكالب عليها فيه حتى بغاث الأمم. وإن قلنا العالم، نعني ما دأب الأوسلويون على إطلاق صفة “المجتمع الدولي” عليه، أي الغرب الاستعماري، مُصطنع الكيان الصهيوني الغاصب في فلسطين المغتصبة، وراعيه الداعم، وحاميه الدائم، أو المتكفِّل بأمنه، أي الضامن لاستمرارية وجوده العدواني.
أولى هذه الرسائل، هو تأكيدها على ما ظللنا نردده، وهي أن الانتفاضة الراهنة، انتفاضة الفدائيين، مستمرة ولا يمكن لها أن تتوقف، لأنها المحكومة موضوعيًّا بمعادلة ما دام هناك احتلال فلا بد من مقاومته. كما وإذ هي، كما قلنا مرارًا، لا تعدو كونها محطة من المحطات النضالية الفلسطينية المتوالية على امتداد صراع مديد وحتى حسمه باستعادة الوطن، أي بدحر الغزاة وتحرير كامل فلسطين والعودة لكاملها، فهي معنية، بل محكومة، بأن تطوِّر ابتكاراتها النضالية المتوائمة مع الظروف الذاتية والموضوعية لشعب اعزل في منزلة من خذله الجميع وبات ظهره إلى الحائط. لذا جاءت هذه العملية البطولية بما يشي بتطور نوعي لشكل نضالي لم يبدأ مع انتفاضة الفدائيين، وبداياته كانت إبان الانتفاضة الأولى، وبعملية مخيم عسكر قرب مدينة نابلس، بيد أن الانتفاضة الراهنة قد اتسمت فيما اتسمت به، وها هو ينبئ بأن له ما بعده، وأقله، أنه لسوف يقتدى به، وسيتم تطويره، وسيرفد بمستجد.
ثانيها، هتكت العملية البطولية أكذوبة الجيش الذي لا يقهر، هذا المدجج حتى الثمالة بكل مستحدث توصلت إليه مبتكرات التقانة المتطورة التي تمتلكها ترسانة آلة الموت الاستعمارية الغربية، وذلكم بعد أن شهد العالم كله على شاشات التلفزة كيف كان يفر ضباط وجنود النخبة في هذا الجيش، أو لواء “جولاني”، بسلاحهم تطاردهم شاحنة خلت إلا من إرادة أسطورية لفلسطيني أعزل هم لم ولن يفهموها…
فضحت شاحنة فتى جبل المُكبِّر هشاشة كيان مفتعل. قالت لهم لن تجديكم قوتكم المعربدة الباطشة والمتوحِّشة، ولن تحميكم كل توسلتموه من إجراءات أمنية واسعة النطاق وغير مسبوقة الإمكانات، ولا تعاون الأوسلويين الأمني المخزي والمشين معكم، ولا التصفوية الانهزامية العربية الرسمية المتخلية عن قضية الأمة المركزية…هنا شعب يريد استعادة حريته ووطنه كاملًا منكم، وطنه من نهره إلى بحره، مهما طال أمد الصراع، وهو إن بدا الآن أعزل ووحيدًا فهو غدًا لن يكون، ستكون معه أمته من محيطها إلى خليجها، أمته التي وإن بدت في هذه المرحلة المنحدرة منشغلة عنه بجراحها ومكابدة مؤامرات جبهة أعدائها الكثر داخلًا وخارجًا، لكنما ذلكم هو إلى حين، وقيامتها هي دومًا قدرها الآتي لا ريب.
ثالثها، ردت فدائية فتى جبل المُكِّبر، أو إبداعات الفعل المقاوم، على الانهزامية الأوسلوستانية والدونية العربية الرسمية المتفشية، أدانت نهج التفريط والتنازل وازرت بمسيرة استجداء الحلول التصفوية واستعطاف “المجتمع الدولي”المتصهين في غالبه، وحقَّرت المراهنة المتهاتفة على دولنة القضية… فضحت “مجتمعهم الدولي”، الغرب، الذي يزعم قولًا إنه ضد “الاستيطان”، لكنه فعلًا مع التهويد وأمن المستعمرين وجنود الاحتلال، لأن إسرائيلهم هي بالنسبة لهم جزء عضوي منهم وقاعدة متقدمة لهم… عرَّت نفاقهم وفضحتهم عندما استهدفت جندًا محتلين في مستعمرة في أرض هم يصفونها محتلة ونفذها مواطن أُحتلت أرضه ويعطيه القانون الدولي حق مقاومة محتليه فأدانوها… أدانوا فدائية فادي المُقاومة وصمتوا على إعدام الصهاينة ميدانيًّا للشهيد محمد صوالحة بست رصاصات أمام أمه في مخيم الفارعة بالقرب من طوباس!
رابعها، كشفت العملية النوعية مدى عجز أغلب الفصائل وانعدام قدرتها على القطيعة المستحقة مع نهج تصفوي تقول إنها ترفضه، ها هي تسارع لحضور مسرحية تحضيرية المرحوم المجلس الوطني، التي دعت إليها سلطة تعتبر التعاون الأمني مع المحتلين مقدسًا، ويكيل لها موقع “والا” الصهيوني الثناء عليه ويصفه بـ”الناجح مشيدًا باعتقالها “المعتدين” وتفريق أجهزتها للمظاهرات ضد المحتلين… وفي هذا يشهد لها فرنسيو “انتلجنس أون لاين”، المتخصص في الشؤون الاستخبارية، بتعاونها “الوثيق للغاية” مع جهاز “الشاباك” الصهيوني، وإلى حد أن “ممثلي الطرفين عقدوا ثمانين لقاءً سريًّا خلال العام الماضي، وإن أجهزة هذه السلطة قد “أحبطت ما لا يقل عن 58 عملية فدائية، وضبطت كميات كبيرة من الأسلحة والمتفجرات”، وإن الكثير من اعتقالات المقاومين التي تقوم بها هذه الأجهزة “تجري على ضوء المعلومات الاستخبارية” الصهيونية، وكانت صحيفة “هآرتس” الصهيونية قد أشارت إلى “عمليات مشتركة” بين الطرفين.
…هيلمان تحضيرية بيروت انتهى إلى توافق تكاذبي اسمعونا مثله في مكة وصنعاء والقاهرة والدوحة. لا مجلس وطني بدون مصالحة، ولا مصالحة، لأنها لن تكون إلا على قاعدة برنامج أبو مازن…أما المنتهى فليس بأكثر من ورقة يستخدمها الأخير في مواجهة ضغوط الرباعية العربية لدحلنة أوسلوستان.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 2 / 10704

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة