الخميس 12 كانون الثاني (يناير) 2017
الانتفاضة -Alintifada

أوباما في الميزان

د. موسى شتيوي
الخميس 12 كانون الثاني (يناير) 2017

يغادر الرئيس باراك أوباما البيت الأبيض عقب أسبوع تقريباً، بعد ثماني سنوات في قيادة أقوى دولة في العالم. ولا شك أن فترة رئاسة أوباما ستخضع للتقييم المستفيض من قبل المتخصصين، لكن لا بأس من نظرة سريعة على إخفاقات الرجل ونجاحاته.
قبل الشروع في تقييم رئاسة أوباما، لا بد من الإشارة إلى الظروف التي تسلّم فيها الحكم. إذ جاء ذلك مباشرة بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية التي عصفت بأميركا والعالم في العام 2008؛ وكان هذا الأهم داخلياً. أما خارجياً، فقد جاء أوباما بعد خوض أميركا حربين متزامنتين على أفغانستان ثم على العراق. وعليه، جاء أوباما في مرحلة اقتصادية صعبة جداً شهدت احتمالية انهيار بنوك وشركات كبرى، وتنامي مشكلتي البطالة والفقر، وتهديد انهيار الطبقة الوسطى، وفي الوقت نفسه تورط أميركا في حربين كانت كلفتهما البشرية والمالية عالية جداً على الولايات المتحدة. وتعهد أوباما خلال حملته الانتخابية الأولى بسحب الجيش الأميركي من العراق وأفغانستان، وإصلاح الاقتصاد الأميركي، وتقديم برنامج تأمين صحي سُمي فيما بعد "أوباما كير".
الإنجازات الداخلية لأوباما تمثلت في إنقاذ البنوك والشركات الأميركية المهددة بالانهيار، من خلال الدعم المالي المباشر وبشروط معينة. وهو يترك الحكم الآن والاقتصاد الأميركي أكثر عافية وديناميكية، والبطالة في أدنى مستوياتها. كذلك، حقق وعده باستحداث التأمين الصحي الذي يشمل عشرين مليون مواطن، والذي أصبح مهدداً بعد وعود دونالد ترامب بإلغاء البرنامج.
أما على الصعيد الخارجي، فقد يكون أهم ثلاثة إنجازات له هي: سحب الجيش الأميركي من أفغانستان (ليس كلياً) ومن العراق؛ وإنجاز الاتفاق النووي مع إيران الذي سيوقف برنامجها العسكري ويُبقي على البرنامج النووي السلمي. وبالطبع هذا الإنجاز يراه البعض في المنطقة العربية خطراً على الإقليم، لا بل إنه كارثي.
والإنجاز الثالث هو إعادة العلاقات مع كوبا التي بقيت تحت الحصار الأميركي لأكثر من أربعين عاماً، وكان ممنوعاً التعامل معها اقتصادياً أو زيارتها من قبل الأميركيين، والعكس أيضاً صحيح.
هذه الإنجازات تقابلها إخفاقات أيضا. فبالرغم من أن أوباما هو أول رئيس أميركي أسود أو من أصول أفريقية، إلا أن فترة رئاسته شهدت تصاعد التوتر العرقي بين البيض والسود. كما إن الجريمة والعنف ارتفعا إلى معدلات غير مسبوقة في أميركا.
أما على الصعيد الخارجي، فإن إخفاقه الأكبر هو في منطقة الشرق الأوسط؛ إذ إنه لم يستطع أن يحرز تقدماً في حل المشكلة الأهم، وهي القضية الفلسطينية، بل إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وجّه له صفعات متكررة خلال فترة رئاسته؛ باستمراره في بناء المستوطنات وإفشال عملية السلام، وبخاصة مبادرة كيري. صحيح أن أوباما رد ذلك لنتنياهو من خلال عدم استخدام حق النقض (الفيتو) في مواجهة إدانة الاستيطان الإسرائيليّ في مجلس الأمن الدولي، لكنها كانت خطة متأخرة. كذلك لم توفر الإدارة الأميركية القيادة في مرحلة "الربيع العربي" بشكل عام، وفي الأزمة السورية بشكل خاص. ويغادر الرئيس أوباما موقعه والشرق الأوسط يعاني من حروب أهلية، وانهيار دول، وعنف وتطرف غير مسبوقين. وأخيراً، شهدت العلاقة مع روسيا تأزماً وتصعيداً أقرب إلى أجواء الحرب الباردة بسبب الأزمة الأوكرانية والدعم الذي قدمته روسيا للنظام السوري، والذي أدى إلى قلب موازين القوى الداخلية.
بعد ثماني سنوات من رئاسة أوباما، يغادر وله سجل مختلط؛ توجد فيه نجاحات مهمة وإخفاقات أيضاً. لكنه -من دون شك- كان رئيساً مميزاً، عمل في ظل أجواء معادية غير مسبوقة لأي رئيس من قبله، إلا أنه تعامل معها بمنتهى الحضارية، وأدخل نكهة جديدة للبيت الأبيض. أما الرئيس المقبل دونالد ترامب، فقد وعد بالانقضاض على أغلب إنجازات أوباما، والكل يحبس أنفاسه ليرى ما سيفعله هذا الرئيس الجديد للبيت الأبيض.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 0 / 10704

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة