الأحد 8 كانون الثاني (يناير) 2017
الانتفاضة -Alintifada

دولة أزاريا

برهوم جرايسي
الأحد 8 كانون الثاني (يناير) 2017

أسدل الصهاينة الأسبوع الماضي، الستار على واحدة من المسرحيات السخيفة التي يصرون على عرضها من حين لآخر، حول ما يسمى "واحة الديمقراطية الشرق أوسطية". وتلخصت هذه المرّة بمحاكمة جندي الاحتلال الإرهابي الذي اغتال الشهيد عبدالفتاح الشريف حينما كان جريحا؛ إذ دانته المحكمة بالقتل غير المتعمد. وقبل أن تنطق المحكمة بالعقوبة التي من المؤكد أنها ستكون سخيفة، انطلق ساسة إسرائيل من الائتلاف الحاكم والمعارضة، مطالبين بالعفو عن الجندي. وهذا أمر نتفهمه كليا، لأن ذلك الارهابي المسمى إليئور أزاريا، هو الوجه الحقيقي للصهيونية ومشروعها المسمى "إسرائيل".
وقعت الجريمة قبل 10 أشهر، حينما أطلق أزاريا النار على الشهيد الشريف الذي كان مصابا برصاص الجنود وملقى على الأرض في البلدة القديمة في مدينة الخليل، فأصابه برأسه عن بُعد بضعة أمتار؛ زاعما أن الشريف كاد يشكل خطرا عليه وعلى باقي الجنود. لكن كل هذه مزاعم كذب، رفضتها حتى المحكمة العسكرية التي دانته.
كما قيل طيلة الوقت، فإن جيش الاحتلال كان سيتستر على هذه الجريمة لولا أن أحد الناشطين الفلسطينيين صوّر المشهد بشريط فيديو، وتم بثه في جميع وسائل الإعلام وشبكات التواصل؛ حينها اضطر الجيش إلى تقديم ذلك الجندي الى المحاكمة. لكن أزاريا حصل على دعم كامل من ساسة إسرائيل، بدءا من رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وتقريبا الوزراء ونواب الائتلاف الحاكم كافة.
وهذا الأمر تحوّل إلى موضوع جدل بين المستوى السياسي وجيش الاحتلال؛ إذ كما يبدو، رأى الجيش بتقديم الجندي للمحاكمة ما يمكن أن يُجمّل صورته الإجرامية أمام العالم. لكن هذه لعبة مكشوفة، ولا يمكن أن تنطلي على أحد، إذ إن عدة مراكز حقوقية تعرض بشكل دائم تقارير عن تواطؤ الجيش مع جنوده المجرمين، حتى حينما يخرقون التعليمات، ومئات الشكاوى ضد الجنود لا يتم الالتفات إليها.
الوجه الحقيقي لإسرائيل انعكس في اليوم التالي لصدور قرار الإدانة، حينما خصصت الصحف ووسائل الإعلام المركزية مساحات واسعة لتحويل المجرم إلى ضحية، رغم أنه في بدايات القضية كان واضحا أنه مقرّب جدا من حركة "كاخ" الإرهابية المحظورة في الكثير من دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة الأميركية. وهذا نوع من تعبئة الرأي العام، رغم يمينيته، ليتقبل قرار العفو حينما يصدر قريبا.
وقد نستثني من هذا المشهد صحيفة "هآرتس" ذات التوجهات اليسارية الصهيونية، التي كانت فيها مساحة الانتقاد والرفض للموقف الإسرائيلي بارزة. وما من شك أن هناك العديد من الأصوات بين الإسرائيليين تتوافق مع توجهات "هآرتس"، لكنها تبقى أصواتا خافتة، إضافة إلى أنها منبوذة، كي تبقى الأجواء المسيطرة هي عربدة عصابات اليمين المتطرفة المنفلتة في الشارع. وقد أدى هذا الانفلات إلى فرض حراسة مشددة على القضاة العسكريين الثلاثة الذين دانوا المجرم أزاريا. وبالإمكان القول إن هؤلاء القضاة قد يتحولون حقيقة الى ضحية هذه المسرحية التي عرفنا نتيجتها مسبقا.
حتى لو كانت نهاية هذه المحاكمة مختلفة عما رأيناه، من حيث رد فعل المؤسسة الحاكمة، وتم بالفعل سجن الجندي لسنوات، فإن هذا لا يمكنه أن يساهم في تنظيف جيش الاحتلال من الجرائم التي يرتكبها على مر السنين. إلا أن إسرائيل تصر على الادعاء أنها "واحة الديمقراطية". لكن لا يمكن للصهيونية التي ترتكز على عقلية عنصرية شرسة، ونظام حكم يطبق هذه العقلية بأحكام وكتاب قوانين، ويحرم شعبا بأكمله من حق الحياة الطبيعية، ويسلب أرضه وموارده، ويقتل أبناءه، أن تكون ديمقراطية.
اعتمادا على هذه الحقيقة، يجب أن لا ينبهر بعض العرب بأن نتنياهو يخضع حاليا للتحقيق بشبهات فساد. فالفساد ينخر نظام الحكم الصهيوني، لأنه لا يمكن لنظام عنصري أن يتمتع "بالنزاهة والشفافية". وتؤكد حقائق السنوات الأخيرة أن تعامل أجهزة التحقيق والنيابة انتقائي؛ وفتح الملفات والمحاكمة، وشكل الأحكام على المتورطين، مرتبطان بقرار جهات عليا خفيّة، لإبعاد أي شخص عن الحكم. ومن السابق لأوانه الاعتقاد أن نتنياهو سيسقط عن الحكم بسبب هذه الشبهات، فهذه القضية على الأغلب إما أنها ستتلاشى، أو ستشهد مماطلة لسنوات عديدة، ليبقى نتنياهو خلالها حاكما.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 0 / 10601

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة