الأحد 8 كانون الثاني (يناير) 2017
الانتفاضة -Alintifada

تحولات الفعالية العربية بعد عبد الناصر

عوني فرسخ
الأحد 8 كانون الثاني (يناير) 2017

على مدى تاريخ مصر، كانت جبهة سيناء مصدر الخطر الرئيسي على أمنها واستقرارها ورخائها، بدليل أن جميع معاركها الرئيسية وقعت في بلاد الشام: قادش، مجدو، حطين، عين جالوت، نصيبين، ومرج دابق. والثابت تاريخياً أن مصر كلما تنامت قدراتها الوطنية، عظمت فعاليتها القومية وسعت للتفاعل مع محيطها العربي، واستنهضت إرادة الصمود والتصدي المتجذرة في فكر ووجدان شعوب المنطقة في مواجهة الغزاة. في حين أنه كلما ضعفت انعزلت داخل حدودها القطرية، وتعطلت فعاليتها القومية، وتشرذم المشرق العربي، وتفاقمت حدة صراعات نخبه القائدة، وافتقد المنعة تجاه المداخلات الخارجية، ثم ارتد الوهن على مصر. بحيث كانت مصر على الدوام هي الأشد تأثيراً، إيجاباً وسلباً، في الحراك السياسي الاجتماعي للشعوب العربية. وعليه اعتبرت «الإقليم القاعدة» في الأدبيات القومية العربية، ويراها المؤرخ والأديب الفرنسي «بنواميشان» على أنها «مخ العرب، الذي يتلقى من كل أجزاء الجسد العربي ما تحسه وتعانيه فيدرك، ويوجه أجزاء الجسم فتستجيب».
ولم يفت منظرو الاستعمار واستراتيجييه إدراك دور مصر بالغ التأثير في مسار ومصير أمتها العربية. ويذكر الأب الدكتور جوزيف حجار في كتابه: «أوروبا ومصير المشرق العربي»، أنه بعد اضطرار محمد علي إلى سحب جيش مصر بقيادة إبراهيم باشا من بلاد الشام وتوقيع اتفاقية لندن سنة 1840 التي حصرت نفوذه وأسرته في مصر. اعتمد وزير الخارجية البريطاني بالمرستون العمل على إقامة الكيان الصهيوني في فلسطين لتعطيل فعالية مصر القومية.
ولقد تنامى إدراك الطلائع المصرية ارتباط أمن مصر بالأمن القومي العربي. ويذكر عبد الناصر أنه أثناء دراسته للمشكلات الاستراتيجية في كلية أركان الحرب، تبين له مدى التكامل بين أمن مصر الوطني والأمن القومي العربي. فيما يقول في كتاب «فلسفة الثورة»: «لما بدأت أزمة فلسطين كنت مقتنعاً في أعماقي بأن القتال في فلسطين ليس قتالاً في أرض غريبة، وهو ليس انسياقاً وراء عاطفة، وإنما هو واجب يحتمه الدفاع عن النفس».
ومنذ رحيله تزايد طردياً الشعور العام بافتقاد الأمة العربية دوره القيادي في استنهاض الفعالية العربية. كما تعاظم الشعور الشعبي بالفراغ من بعده، إلا أن قراءة الواقع العربي، المتحررة من ثقافة الهزيمة، توضح أن تراكمات الحراك السياسي العربي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وما شهدته معظم الأقطار العربية من تطور كيفي في الوعي الوطني والشعور القومي خلال المرحلة الناصرية، كل ذلك متفاعلاً، أحدث تغيراً كيفياً في الوعي والفكر السياسي العربي، وعزز إرادة الصمود والتصدي المتجذرة في الثقافة العربية.
والثابت أن العديد من مثقفي مصر، وبالذات الشباب منهم، تصدوا للردة الساداتية منذ أيامها الأولى. ونشطوا في مقاومة التطبيع الذي دعا له السادات، ووجد بين كبار المثقفين من يؤيده. وبالرفض الشعبي للتنكر لدم شهداء مصر في صراعها مع الكيان الدخيل، بقي السلام مع «إسرائيل» بارداً والتطبيع معها محدوداً. ثم إن آلاف الشباب والصبايا، لعبوا دوراً تاريخياً في حشد عشرات الآلاف في ميدان التحرير في انتفاضة 25 يناير/‏كانون الثاني 2011. ولقد بات جلياً أن شعب مصر بمبادرات شبابه وصباياه غدا قادراً على تقديم الاستجابة الفاعلة للتحديات من غير قيادة فردية، حتى وإن كانت كارزمية.
وفي فلسطين المحتلة من النهر إلى البحر، وبرغم اتفاق أوسلو، وما انطوى عليه من تفريط بالثوابت الوطنية، لم تستلب إرادة التصدي والممانعة لدى شباب وصبايا الأرض المحتلة سنة 1967. كما عبرت عن ذلك انتفاضة أطفال الحجارة سنة 1987 التي تواصلت سبع سنوات. ثم انتفاضة الأقصى في العام 2000، وليتواصل العطاء مع انتفاضة سكاكين مطابخ الأمهات. فضلاً عن حركة BDS ضد الاستثمار في مستوطنات الضفة الغربية المحتلة التي أبدعها الشباب العرب في المهجر الأمريكي والأوروبي.
ومما سبق يتضح أن الفعالية العربية التي بلغت ذروتها بقيادة عبد الناصر، شهدت تحولاً جسده الحراك الشبابي الذي برز في أكثر من قطر عربي دون قيادة فردية. -


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 0 / 10704

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة