الثلاثاء 27 كانون الأول (ديسمبر) 2016
الانتفاضة -Alintifada

الاستيطان الصهيوني واستنزاف الدم العربي

سلطان حميد الجسمي
الثلاثاء 27 كانون الأول (ديسمبر) 2016

استنزف الصهاينة الدم العربي في فلسطين، منذ أكثر من 70 عاماً. بدأوا بالحروب والمجازر وقتل الأطفال والنساء وتجويعهم وتشريدهم وتهجيرهم، وكان التاريخ بدوره يسجل جرائمهم واحدة تلو الأخرى. وبمجرد دخول ثورة الإعلام في العالم المعاصر فإن التقارير حول الاعتداءات الصهيونية باتت متاحة للجميع، وأصبحت جرائم الكيان الصهيوني تحت المجهر، ترصدها عيون العالم من شرقه إلى غربه، ويسجلها التاريخ الإنساني.
مثل الآلاف من الشباب الفلسطيني استشهد الشاب الفلسطيني أحمد نشأت عثمان الخروبي (19 عاماً) من مدينة البيرة في الضفة الغربية، أعدم برصاص الجيش الصهيوني، بعد أن وقف بصدره العاري أمام جلاوزة الكيان الصهيوني أثناء اقتحامهم عدداً من المنازل الفلسطينية في قرية كفر عقب والاعتداء على بعضها بالهدم. فلم يكن مصير هذا الشاب الذي صرخ أمام هذا العدوان إلا الموت بالرصاص الغادر، وهكذا أصبحت الأسر الفلسطينية تتجرع مرارة المآسي كل يوم، وتزف شهداءها على مرأى ومَسْمَع من العالم، والكيان الصهيوني ينتشي بهذه الجرائم اللاإنسانية، ويستمر في مسلسل التنكيل بهذا الشعب العربي المقهور، والاعتداء على حقوقه المسلوبة، والاستحواذ على المنازل والأراضي للهيمنة على مقدرات الشعب الفلسطيني.
وخلال سنوات الاحتلال السوداء قام الكيان الصهيوني بعمليات مصادرة للأراضي الفلسطينية لإقامة المستوطنات عليها، فيما عمد إلى هدم مئات المنازل العربية والامتناع عن إعطاء تصاريح لبناء منازل للعرب أصحاب الأرض رغم التزايد السكاني للشعب الفلسطيني، كما عمد الاحتلال إلى السيطرة على المفاصل الحيوية للحياة في الأراضي المحتلة من ماء وكهرباء ومنتجات زراعية ووسائل نقل وصحة وغير ذلك، وتعمل «إسرائيل» حاليا على تسريع وتيرة العمليات الاستيطانية، فقد أعلنت مؤخراً عن مخططات لبناء 336 وحدة استيطانية جديدة في القدس الشرقية وبيت حنينا.
هذه الممارسات «الإسرائيلة» منبثقة من العقلية العنصرية الاستعمارية المتطرفة للكيان الصهيوني، والرغبة المجنونة للساسة «الإسرائيليين» في تحقيق حلم ما يسمى «إسرائيل» الكبرى، على حساب الشعوب العربية، والمصبوغة بنزعات الاستعمار وانتهاك حقوق الإنسان. ففي خطاب لبن غوريون مؤسس الكيان قال فيه: «إن خريطة فلسطين الحالية إنما هي خريطة الانتداب، ولليهود خريطة أخرى يجب تحقيقها، وهي ما بين دجلة والنيل»، وقال مناحيم بيغن رئيس وزراء «إسرائيل» الأسبق: «يتوقف بقاء «إسرائيل» على إزالة الحضارة العربية من المنطقة، وإقامة حضارة يهودية على أنقاضها»، وبمثل هذه العقلية الإرهابية العنصرية يمضي الكيان الصهيوني في ممارسات الظلم والاضطهاد والترهيب والاستيطان غير المشروع.
وتتجاهل «إسرائيل» في هذا الصدد كل القوانين والمواثيق الدولية التي تندد بممارساتها الاحتلالية، التي تناقض المبادئ والاتفاقيات الدولية، والتي منها لائحة لاهاي 1907 واتفاقيات جنيف الرابعة لعام 1949، وميثاق الأمم المتحدة، وميثاق حقوق الإنسان الصادر عام 1948، وقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن عدم شرعية المستوطنات. وعلى الرغم من المساعي الدولية لإحلال السلام في المنطقة فإن «إسرائيل» تقف في كل مرة حجر عثرة في طريق السلام المنشود، وتضرب عرض الحائط بالقوانين والمواثيق الدولية. وكانت المفاوضات الفلسطينية «الإسرائيلية» قد انهارت في إبريل/نيسان 2014، بعد أن رفضت حكومة الاحتلال التخلي عن وقف النشاط الاستيطاني، وعزمت فرنسا على عقد مؤتمر لبحث إمكانية إعادة إطلاق المفاوضات؛ إلا أن نتنياهو رفض مراراً اقتراح عقد المؤتمر، في مسلسل «إسرائيلي» مستمر لعرقلة أي جهود لإحلال السلام والاستقرار في المنطقة.
وفي أحدث تطور ضد السياسات «الإسرائيلية» تبنّى مجلس الأمن الدولي قبل أيام قراراً يدعو إلى وقف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو قرار تاريخي يدين الاعتداءات «الإسرائيلية» دوليا، وأكدت الأطراف الفلسطينية أهمية هذا القرار، واعتبرته صفعة قوية للسياسة «الإسرائيلية»، وهذه ليست الإدانة الدولية الأولى للكيان الصهيوني، فهناك إدانات عديدة لممارسات «إسرائيل» الاستيطانية من قبل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وغيرها، باعتبارها عائقاً كبيراً أمام تحقيق السلام الشامل والعادل في الشرق الأوسط، فيما رفض رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو الانصياع لهذا القرار الدولي، وهو تصرف متوقع من هذا الكيان الغاشم الذي لا يحترم القوانين، ولا ينساق للقرارات الدولية، ولا يعترف إلا بشريعة الغاب.
لن ينسى التاريخ جرائم الكيان الصهيوني في حق الشعب الفلسطيني، ولن تنسى الأجيال الحاضرة تدوينها لهذه الانتهاكات لأجيال المستقبل، وفي خضم ذلك تبقى الحقيقة واحدة لا تتغير، بأنه مهما طال ليل الاحتلال فلا بد لشمس الحرية أن تشرق، ومهما اشتد ظلام القهر فلا بد يوماً أن ينجلي.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 0 / 10624

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة