الخميس 12 تشرين الثاني (نوفمبر) 2015
الانتفاضة -Alintifada

الهبّة الشعبية واللغة المراوغة

بقلم: عوني صادق
الخميس 12 تشرين الثاني (نوفمبر) 2015

في إطار السجال الذي لم يختفِ بعد في الساحة الفلسطينية حول التسمية المناسبة لما يجري في فلسطين المحتلة من أحداث ومواجهات مع المستوطنين وقوات الاحتلال «الإسرائيلي»، ما إذا كانت «هبّة» أو «انتفاضة»، انحازت الفصائل المسلحة، تحديداً، إلى تسميتها «انتفاضة»، وطالبت بدعمها وإسنادها وحذرت من محاولات إجهاضها، وهو ما يفرض إلقاء نظرة على مواقف هذه «الفصائل» على الأرض من أجل ضمان ديمومتها واستمرارها، و«إبقاء حالة الاشتباك» قائمة مع العدو، كما جاء على لسان أحد القياديين.
فبعد أربعة وثلاثين يوماً على بدء الهبّة الشعبية، أو الانتفاضة، جددت القوى والفصائل الفلسطينية في قطاع غزة دعمها لاستمرار «انتفاضة القدس»، وأكدت أن المؤامرات الدولية التي تستهدف إحباطها لن تنجح، وفي الوقت نفسه حذرت من محاولات «الإجهاض السياسي» لها، ودعت من أجل هذا الهدف إلى «المشاركة في مسيرة جماهيرية»! وبينما تستمر التوغلات «الإسرائيلية» في غلاف غزة، وتستمر غارات الطائرات «الإسرائيلية» وإطلاق النار على من يقترب من السياج ما أوقع أكثر من (17) شهيداً، وبينما تكاد القيادات «الإسرائيلية» تهنئ نفسها لأنها استطاعت أن «تحيّد» غزة وتمنعها من الالتحاق بالمنتفضين، تحذر قيادات الفصائل، كما يحذر رئيس السلطة، من الانجرار إلى الانتفاضة، لكنها تدعمها بالكلام المعسول وباللغة المراوغة التي لا تسمن، مع الاعتراف ضمناً بالتقصير بعد أن أحالته على الآخرين!
فمثلاً، سامي أبو زهري، المتحدث باسم حركة (حماس)، دعا السلطة في رام الله إلى «اتخاذ موقف حازم وحاسم مما يجري في الضفة، وتحويل التصريحات المساندة للانتفاضة إلى قرارات تترجم على أرض الواقع»! لكن خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي للحركة، أكد على «أولوية العمل الشعبي» في دعم الانتفاضة، معارضاً انسياق المقاومة في قطاع غزة إلى «حرب جديدة»! كذلك أعلن خالد البطش، عضو المكتب السياسي لحركة «الجهاد الإسلامي»، أن المقاومة الفلسطينية «سوف تعطي الأولوية للعمل الشعبي»، لكنها لن تسمح أبداً بأن «يبقى نزيف الدم من جانب واحد».
القيادات الفلسطينية على جانبي الخندق، في الفصائل المسلحة وفي السلطة على حد سواء، لا تريد «انتفاضة مسلحة» والأسباب والمبررات معروفة، أهمها ألا تعطى الفرصة للجيش «الإسرائيلي» لأن ينفذ خطة (السور الواقي 2)، إضافة إلى ظروف قطاع غزة المعروفة. ولكن ماذا تركت قوات الاحتلال من منافذ وممارسات لم تستعملها حتى لا تقوم الحاجة إلى تسليح الانتفاضة؟ ومنذ متى تحتاج القيادة «الإسرائيلية» لمبررات لتنفيذ ما تراه لصالحها؟ وبمراجعة لانتفاضتي 1987، 2000، وكذلك لما جرى من الشهر الأول من الهبّة الحالية، نحصل على الجواب: آلاف الشهداء سقطوا في الانتفاضة الأولى ولم يستعمل فيها إلا الحجر، ومئات الشهداء سقطوا في الانتفاضة الثانية قبل أن يتم اللجوء إلى السلاح! وفي الشهر الأول من الهبّة الحالية سقط (73) شهيداً والسلاح لم يزد عن السكين!
أحد المبررات التي تحدث عنها خالد مشعل لتبرير «عدم الانسياق إلى حرب جديدة» كان لافتاً، وهو «لأنه لا يحق لحركة حماس أن تنفرد بقرار الحرب، ولا للآخرين بالقرار السياسي»!! أليست هذه لغة أبو مازن؟! وفي الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، أعلنت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، في اجتماعها الذي عقدته برئاسة الرئيس محمود عباس، أنها «اعتمدت توصيات اللجنة السياسية المتعلقة بتحديد العلاقات الأمنية والسياسية والاقتصادية مع سلطات الاحتلال، وأكدت عدم إمكانية استمرار الأوضاع على ما هي عليه»! لكن شيئاً من ذلك على الأرض لم يحدث، واستمرت الأوضاع على ما هي عليه بشهادة الجهات «الإسرائيلية» المعنية، وخصوصاً الأمنية منها!
وفي لقاء عبر (سكايب)، تحدث خالد مشعل للصحفيين في الدوحة، فأكد أن ما يجري في الضفة الغربية هو «انتفاضة ثالثة»، وطالب بدعمها رافضاً تحولها إلى «انتفاضة مسلحة»، محدداً رسائلها بثلاث: الرسالة الأولى، أكد فيها أن «الانقسام الفلسطيني لم يمنع ولم يؤثر على اندلاع الانتفاضة»! ماذا نفهم من هذه الرسالة؟ هل نفهم أن كل شيء يمكن أن يسير عادياً مع بقاء الانقسام، وأن الانقسام باق رغم كل شيء؟ وكيف يدعون إلى «الوحدة الوطنية» لدعم الانتفاضة ولا يرون له تأثيراً على الأحداث الجارية؟!
أما الرسالة الثانية، كما يرى مشعل، فهي أن الهبّة أظهرت «خطأ حسابات الإدارة الأمريكية»، عندما ظنت أنها يمكن أن تدير ظهرها وتبقى المنطقة مستقرة! وماذا يعني أهل الانتفاضة من حسابات الإدارة الأمريكية الخاطئة، وما علاقة هذا بدعم «الانتفاضة»؟ هل هي دعوة لتعيد الإدارة الأمريكية النظر في حساباتها من أجل استئناف جهود «عملية السلام» مثلا؟!
وأما الرسالة الثالثة، فقال مشعل عنها إنها للقيادة الفلسطينية، حيث أظهرت الانتفاضة أن التحرك على الساحة الدولية جيد غير أنه «لا يكفي»، وأنه لا بد من استراتيجية وطنية حقيقية قادرة فاعلة ميدانياً وسياسياً، ولا بد من المزاوجة بين العمل الميداني المقاوم وبين السياسة والتحرك الإقليمي والدولي»، مشدداً على الوحدة الوطنية لإنجاح الانتفاضة! هل هذا تذكير بحصة (حماس) في الكعكة السياسية؟ والأهم كيف وكل منهم يمنع الوحدة بطريقته؟!
«دعم الانتفاضة» يحتاج إلى الانخراط فيها عملياً وليس باللغة المراوغة والدعم اللفظي!!


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 25 / 10704

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة