الجمعة 25 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016
الانتفاضة -Alintifada

الثوّار وأثر الفراشة

احمد جميل عزم
الجمعة 25 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016

استمعت في طريقي صباحاً إلى جامعة بيرزيت، قبل نحو أسبوعين، لتقرير بثه راديو "أجيال"، الفلسطيني، أعدته فانتينا شولي؛ التقت خلاله، في الشارع، عددا من الأطفال، وسألتهم "من هو ياسر عرفات؟". ولم تعرفه غالبيتهم.
وصلتُ الجامعة، وكانت محاضرتي لطلبة السنة الثانية في العلوم السياسية. وسألتهم سؤالا محدداً: من يعرف نايف حواتمة، أمين عام الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين؟ فعرفه واحد من الطلبة التسعة عشر. وسألت: من يعرف جورج حبش، الأمين العام السابق للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين؟ فأجاب 11 منهم أنهم يعرفونه. وسألت عن أحد أهم مؤسسي وقادة حركة "فتح"، الشهيد خليل الوزير (أبو جهاد). ورغم نبرتي إشادة واستحسانا للقائد، إلا أنّ 11 طالباً أيضاً قالوا إنّهم يعرفونه.
وبثت محطة تلفزيون فلسطينية (القدس التعليمية)، تقريراً حملت فيه المذيعة صورة خليل الوزير، وسألت الناس في الشارع إن كانوا يعرفون صاحب الصورة. وكانت النتيجة أنّه من بين 34 شخصا سألتهم المذيعة، عرف 9 أشخاص الشهيد، بينما لم يعرفه 25 شخصا، أو عرفوه بطريقة مشوشة. وكان 3 أشخاص ممن عرفوا الشهيد كبارا في السن، لكن 80 % من الشباب لم يعرفوه.
يدفع هذا الواقع للحيرة والتساؤل بشأن ظاهرة انقطاع الأجيال؛ وللبحث إن كانت هناك تفسيرات موضوعية لهذا الأمر.
جاء بث هذه التقارير، وجاءت هذه الملاحظات، وأنا أعد مداخلة لندوة عن حنا ميخائيل، وكنت قد اطلعت بداية العام 2012 على بعض سيرته. يومها كنتُ أقيم في كيمبريدج، ضمن برنامج للزمالة في الجامعة هناك، وكتبتُ مقالاً بعنوان "حنا ميخائيل وآخرون.. "لا هناك إلا هناك"".
أشرت آنذاك أنّ القصة تبدأ بخالد الحسن وهو يحضّه على البقاء في الولايات المتحدة ليكون صوتا قويا للمقاومة هناك، فيرفض؛ مُصرّاً أن يكون في الجبهة. ويغادر في العام 1969، بعد حصوله على الدكتوراه من جامعة هارفارد الشهيرة، وبعد أن درّس في جامعات أميركية مرموقة، ليحمل بندقيته ويرتدى ملابس متقشفة، مقاتلا ومناضلا ميدانياً وباحثاً في الثورة، ومحاضراً في الثوّار، عاكفاَ على إعدادهم ثقافياً، ويبدأ تياراً فكريا نضالياً محدداً، حتى اختفت آثاره ومن معه في مهمة نضالية بقارب في البحر العام 1976.
ثم تحدثت عن نماذج أخرى عديدة، غير فلسطينيين، بل عرب وعالميين كثر، ممن عاشوا التجربة فقط، وتركوا الحياة الواعدة (خصوصا التعليمية)، وقرروا الثورة.
كتب صديق أكاديمي، ناشط سياسي بارز، على صفحته على "فيسبوك" حينها: "لا هناك إلا هناك"، لأتفاجأ لاحقاً أنّه يسرّع ويسهل عودتي وعودة آخرين لفلسطين.
بعد وصولي إلى فلسطين، بأشهر، كنت أجلس في مقهى، عندما جاءت زميلة عرفتها في الاغتراب. وبعد بعض الحديث سألتني: هل تذكر مقالك "لا هناك إلا هناك"؟ أجبتها: بالطبع، عن حنا ميخائيل. قالت يومها قررت أنّه آن الأوان لبدء ترتيبات العودة لفلسطين. وعادت، تاركةً فرصة عمل يحلم بها كثيرون.
والأمر لا ينتهي هنا.
في العام 2013، تحرك شباب في كل فلسطين احتجاجاً على مخطط إسرائيلي لتهجير بدو النقب من أراضيهم وقراهم، (مخطط برافر). وكان أحد هؤلاء ممثلا مسرحيا يسمى وسيم خير من حيفا؛ بدأ حياته الفنية في كوميديا هدفها الإضحاك، من دون رسالة اجتماعية أو وطنية عميقة، إلى أن قادته أحاديث مع الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم، لإعادة التفكير فيما يقدم.
اعتقل وسيم أثناء الاحتجاجات. وفي المحكمة، أدى مشاهد ساخرة من الاحتلال، أضحكت الحضور، وأغضبت الإسرائيليين وشرطتهم. واتصلتُ به هاتفيا بعد إطلاقه، ليخبرني أنّ الفنان المسرحي فرانسوا أبو سالم، أحد رواد المسرح الفلسطيني، أستاذه ومثله الأعلى. وأبو سالم، كان جزءاً من فرقة مسرحية تسمى "بلالين"، في القدس، احتضنها ميخائيل ووفّر لها فرص التدريب والدّعم.
هذه النماذج المتواضعة أمثلة على الأثر المتداعي المنتشر، بشكل غير مباشر، لأولئك الثوار المؤسسين. وهو ما قد يسمى الحجر الذي يُرمى في الماء الراكد، فتندلع الأنهار؛ أو أثر الفراشة، كما تقول "نظرية الفوضى"، وهي من فروع علم الرياضيات، عن كيفية حدوث ظواهر كونية كبرى، بداياتها صغيرة جدا، حيث أصغر حركة قد تؤدي لتداعيات متتالية عديدة، قد تندلع الأنهار معها لاحقاً. أو كما قال محمود درويش "أثر الفراشة لا يُرى، أثر الفراشة لا يزول".


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 23 / 10704

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة