السبت 12 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016
الانتفاضة -Alintifada

«مبعدو كنيسة المهد» بعد 14 عاماً: ماذا جرى؟!

السبت 12 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016

- محمد النعامي

«قالوا لنا: عامان وتعودون بعدهما لاستكمال بناء بيوتكم. عامان، ويتزوج العزّابية منكم، وتكملون تعليمكم وحياتكم، حتى تنفعوا مدينتكم. ولكن هذين العامين لم ينتهيا وبقينا مبعدين في وطننا وفي الشتات». هكذا يوجز مبعدو كنيسة المهد قصّة انتظارهم التي بدأت مع انطلاق عملية «السور الواقي» في نيسان /أبريل 2002، أوسع عمليات الاحتلال في الضفّة الغربيّة.
تصدّى الشباب والمقاومون لقوات الاحتلال التي اقتحمت مدينة «بيت لحم»، حتى حاصرت 250 منهم داخل كنيسة «المهد». أمضوا في الحصار 40 يوماً، انتهت بالتفاوض القاضي بإطلاق سراح معظمهم بعد الاستجواب، وإبعاد 39 منهم لسنتين خارج بيت لحم، 26 منهم إلى قطاع غزّة والبقية تم توزيعهم على الدول الأوروبيّة: اليونان، إسبانيا، إيطاليا، بلجيكا، البرتغال، وإيرلندا. مرّت السنتان منذ 12 عاماً، والمبعدون ما زالوا مبعدين منذ 14 عاماً. أما الرواتب التي صرفتها لهم السلطة الفلسطينية آنذاك فكانت أساساً متواضعة، لكنها أيضاً لم تخضع لأيّ إضافة أو تعديل على مرّ 14 عاماً.

ماذا جرى في كنيسة المهد؟
يروي فهمي كنعان لـ «السفير» ، وهو أحد المبعدين، ما جرى معه ومع زملائه في أولى ليالي الحصار. يستذكر: «بعد سبع ساعات من الاشتباكات وفي ظل عدم توازن القوى والعتاد، تمكّنت قوات الاحتلال من السيطرة على جميع شوارع بيت لحم، ولم يكن أمامنا إلا كنيسة المهد نلجأ إليها. كانت المكان الوحيد الذي من الممكن الانسحاب إليه». بعد دخول المقاومين إلى الكنيسة، طالبهم الاحتلال بالاستسلام وعدم دفعه لإخراجهم بالقوة منها والمخاطرة بحياة من في الكنيسة من مدنيين ورهبان. يكمل: «ما لجم الاحتلال وردّه عن تدمير الكنيسة فوق رؤوسنا هو كونها كنيسة المهد، وموقعها في إيمان المسيحيين في أرجاء العالم. ففيها مهد السيد المسيح. خشي الاحتلال من استثارة العالم المسيحي».
بعد رفض المحاصرين تسليم أنفسهم، لجأ الاحتلال إلى سياسة الضغط عليهم من خلال منع الطعام والعلاج عنهم، ثم دخول الطواقم الطبية لإنقاذ المصابين ضمن مساومة تقتضي من المحاصرين تسليم أنفسهم مقابل إسعاف المصابين منهم. ما رفضه المحاصرون.
وشهد الأسبوع الاول من حصار الكنيسة المحاولة العسكرية الأولى لاقتحام الكنيسة، ولكنها فشلت. فقد تمكّن المحاصرون من صدّ قوات الاحتلال. وبحسب رواية المحاصرين الأربعة الذين التقتهم «السفير»، فقد تمكنوا من قتل 4 من جنود الاحتلال، فيما تمكن جيش الاحتلال من قنص أحد المقاومين المحاصرين داخل الكنيسة وقتله.
وفي ظل عجز الاحتلال عن إجبار المحاصرين على الاستسلام، لجأ إلى التفاوض. بدأ بالاتصال مع المحاصرين داخل الكنيسة عبر هواتفهم النقالة وعبر مكبرات الصوت ولكنهم رفضوا التفاوض. في أعقاب ذلك، توجّهت سلطات الاحتلال إلى السلطة الفلسطينية، فشكّل الراحل ياسر عرفات لجنة برئاسة النائب صلاح التعمري تضمّ رئيس بلدية بيت لحم محمود المدني وعددا من الشخصيات الاعتبارية في المدينة، وبدأت المفاوضات في «مركز السلام» القريب من كنيسة المهد. استمرت المفاوضات لعشرين يوماً بلا جدوى. تفاجأ رئيس اللجنة صلاح التعمري باكتشاف أن هذه المفاوضات كانت شكلية، إذ دارت مفاوضات سريّة بين السلطة الفلسطينة وإسرائيل بإشراف القيادي في «فتح» محمد دحلان والمستشار الاقتصادي لعرفات محمد رشيد، فقدّم استقالة لجنته على الفور.
وتوصل محمد دحلان ومحمد رشيد لاتفاقٍ ينصّ على إبعاد 39 من أصل 250 محاصراً، 26 إلى غزة و13 إلى دولٍ أوروبية لمدة عامين، على أن يسمح بعودتهم بعدها إلى بيت لحم. ما رفضه المحاصرون في البداية.
لكن الضغوط التي مارسها الرئيس عرفات، إلى جانب الحالة النفسية والصحية السيئة جداً وظروف الحصار والجوع، أدّت إلى قبول الصفقة وإبعاد المطلوبين إلى غزة والدول الأوروبية.
بعد مرور عامين على إبرام الاتفاق، حان وقت العودة إلى بيت لحم. حينها، اكتشف المبعدون أن الاتفاق الذي ينصّ على عودتهم بعد عامين من الإبعاد لم يكن مكتوباً. ليس هناك ما يلزم الاحتلال بالموافقة على عودة مبعدي المهد إلى بيت لحم.
يروي المبعد مجدي دعنا لـ «السفير»: «كنا ننتظر بفارغ الصبر انتهاء عامي الإبعاد، ولكنا صدمنا عند عرفنا إنه لا يوجد ما ينص على عودتنا». ويكمل محمد رشيد: «لم يوثق الاتفاق كتابياً، وقيل إن هذا الواقع لم يصل الرئيس عرفات الذي كان يرفض الإبعاد بالمطلق، ولكنه وافق عليه عندما حدّد بعامين».

لا عباس ولا مقاومة
الصدمة التي عاشها المبعدون لم تكن سوى مقدمة لخيبات أمل كثيرة ترافقت مع الكثير من الوعود التي تلقوها في معركتهم من أجل العودة إلى بيوتهم. أول تلك الوعود أتى من الرئيس محمود عباس في بداية فترته الرئاسية. أكّد لهم أنهم «خلال أيامٍ» سيعودون إلى بيت لحم، على اعتبار أنه توصّل مع الاحتلال لاتفاقٍ ينصّ على عودتهم. يقول المبعد فهمي كنعان: «أخبرنا الرئيس، حاسمين، أن قضيتنا انتهت، وأننا سنعود إلى بيت لحم. وطلب منا أن نستعد للعودة، حتى أن عدداً من المبعدين شرع، بعد الاجتماع مع عباس، ببيع مقتنيات بيوتهم وعرض بيوتهم للبيع. خرجنا متأكدين تماماً من عودتنا». حتى أن وسائل الإعلام «نشرت خبراً حول قرب عودتنا، وأجرى الصحافيون معنا مقابلات عن شعورنا بعد انتهاء إبعادنا. وصل الأمر حدّ احتفال الأهل وإطلاقهم الالعاب النارية ابتهاجاً بانتهاء مأساتنا ولمّ شملنا. ولكن، بعد ذلك كله، لم ينفذ الرئيس ما قاله».
وكان الاتفاق الثاني بين الرئيس عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود أولمرت حول قضية «مبعدي المهد». نصّ الاتفاق على عودة المبعدين. وقبل أيام من موعد تنفيذه، وقعت عملية استشهادية في الخليل، وتوترت الأجواء فأوقف العمل بهذا الاتفاق. وتحت الضغط الكبير الذي مارسه المبعدون وأهاليهم، توجّه عباس إلى الولايات المتحدة لحل هذه القضية، ولكنه عاد بلا نتيجة تذكر. وكانت آخر المحاولات مع إبرام عباس اتفاقاً بين السلطة واسرائيل يقضي بالإفراج عن أربع دفعات من الأسرى في سجون الاحتلال ثم إعادة مبعدي المهد، ولكن تنفيذ هذا الاتفاق توقف بعد الإفراج عن ثلاث دفعات من الأسرى.
وبعد عجز السلطة عن إنهاء قضيتهم بالمفاوضات، توجّه المبعدون إلى المقاومة الفلسطينية بعد أسر الجندي شاليط. فطالبوا المقاومة بإدراج قضيتهم ضمن الصفقة، ما لم يحصل على الرغم من وجود الكثير من التعديلات في بنود الصفقة. وعاد المبعدون لمطالبة المقاومة بحلّ لقضيتهم بعد إعلان «كتائب القسام»، الجناح العسكري لحركة «حماس»، أسرها عددا من جنود الاحتلال خلال الحرب الأخيرة على غزة.

الحياة في الإبعاد
«حياة خالية من الاستقرار» هو التوصيف الدقيق لحياة المبعدين في قطاع غزّة، إذ يبقون مترقبين فصل النهاية الذي يختم قضيتهم يوميّا، على الأقل نفسياً. ما منعهم من اتخاذ خطوات كثيرة تؤسس حياتهم في القطاع.
تأثر زواج جميع المبعدين «العازبين» على أمل العودة والزواج في بيت لحم بين أهاليهم. ولكن مع استمرار إبعادهم، قرروا الارتباط بفتيات من غزة. ويقول الأسير مجدي لـ «السفير»: «تزوجت عندما بلغت 31 عاماً من العمر، وكنت قبلها أنتظر العودة لأتزوج هناك وتفرح أمي وأهلي بي. ولكن، بعد سبع سنين من الإبعاد تزوجت من غزة». ويذكر هنا أنه يُمنع على زوجات المبعدين «الغزيّات» السفر إلى بيت لحم في حال عودة أزواجهن المبعدين إليها، ما يشكّل عاملاً جديداً في تأخير زواج المبعدين كما في استمرار انعدام الاستقرار من تزوجوا.
كذلك، عرقلت حالة عدم الاستقرار التي يعيشها المبعدون مسيرتهم التعليمية. ويقول المبعد كنعان عبيد: «عشنا صراعاً داخلياً، هل نكمل تعليمنا أم لا؟ هل نكمله هنا أو ستقاطعنا العودة فلننتظر؟». ويؤكد كنعان أن الأسئلة هي سياق حياة المبعد، يضع العراقيل في الحياة الاجتماعية والدراسية والاقتصادية والشخصية.. فحالة عدم الاستقرار التي يعيشها المبعدون تمنعهم من الاستثمار في أي مشروع من شأنه أن يساعدهم على متطلباتهم المالية المتزايدة في ظل مرتباتهم المحدودة.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 15 / 10673

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة