السبت 12 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016
الانتفاضة

ترامب…اختارت أميركا من يُشبهها!

السبت 12 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016

- عبداللطيف مهنا

من سوء حظ عالمنا الذي نعيشه اليوم هو ما يبدو من أن قدره التاريخي السائد في راهنه قد جعله في منزلة من لو عطست عنزة في واشنطن لتردد صدى عطستها في جنباته الأربع، ولوجد نفسه من ثم في موقع المحكوم بأن تتواتر في أطنابه ردود أفعاله الرسمية وغير الرسمية على هذه العطسة، وحيث يكثر فيه المحللون لكنهها، والمتنبئون بما قد يكون الآتي من بعدها، وقد لا نعدم العائدون فيه بأثر رجعي لاستقراء تلكم المقدمات التي من شأنها أن أدت لحدوثها…
لا عجب، نحن هنا إزاء خريف الإمبراطورية الكونية الوحيدة في راهنه، أو حتى اللحظة، بل بليته الأخطر، التي يزيد من خطورتها إحساسها المتعاظم بتآكل آحاديتها القطبية الكونية المتزايد، وبدء تراجع سطوتها، فاهتزاز قدرتها على الإمساك بقرار العالم، وما يعنيه هذا من نذر أفول امبراطوري مقبل وبات يلوح، إلى سائر أعراض ما بعد بلوغ القمة التي ليس من بعدها، وفق قوانين السيرورة التاريخية لسائر الإمبراطوريات التي عرفها التاريخ، إلا الانحدار…خطورة وأعراض هذا الإحساس هو فيما يستدعيه من رعونة محاولاتها، إن لم يك الحؤول دون الأفول، فأقله تأخير استحقاقه المحتوم.
بعض ما سبق يتبادر للذهن ونحن نشهد هذا العالم من حولنا يعيش كل هذا الانشداه، أو ما يتراوح بين عوارض المفاجأة ومظاهر الصدمة وسيماء الرعب، وهو يسمع بخبر فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة الأميركية، بعد أن أقنعته وسائل الإعلام الأميركية واستفتاءاتها المتواترة بفوز مؤزر منتظر لا شك فيه لمنافسته هيلاري كلينتون.
لندع العالم كل فيه، ومن موقعه، يرمق الحدث الأميركي ليراه بعينه ومن زاويته، وسنسمع هنا الكثير الكثير الذي خلاصته أن أميركا، الشعبوية، العنصرية، بل الأنجلو سكسونية، يضاف إليه الرافضة للعولمة، قد اختارت من يشبهها فعثرت على ترامب، أو هو عثر عليها، ولا فرق…لندع كل هذا، ومعها أيضًا معهود القول بأن المؤسسة في هذه الشركة العظمى المسماة بالولايات المتحدة هي التي تحكم، أو هي الممسكة فعلًا بالخيوط التي تدير من خلف الستارة مسرح عرائس الرئاسة في المكتب البيضاوي… لندعه لأن كثرا من سوانا سوف يتكفلون به، ولنقصر حديثنا على أنفسنا كعرب، فهمنا للحدث الأميركي، وتداعياته علينا، وموقفنا منه…ولنأخذ الأمر على هدي مقولة ترامبوية جاءت في خطاب الفوز لخَّص فيها ترامب ترامب، واعدًا أميركانه بما سوف ينتظرونه منه وما سوف يكرِّس نفسه له وهو “المصلحة الأميركية أولًا”، ومن بعدها “قواسم مشتركة مع الأمم”، وغني عن القول إن هذه الأخيرة لن تكون عنده قواسم ولا مشتركة إن لم تك في خدمة المصلحة الأميركية.
…وعليه، وكعرب، ومن زاوية مصلحتنا نحن، التي لم ولن تلتقي يومًا مع المصلحة الأميركية، ونعني بالعرب هنا الأمة وليس أنظمتها، لأن مصلحة هذه القوة الإمبريالية الكبرى، والتي لم تلقَ منها أمتنا غير ما يؤكد كونها عدوها الأول، كانت دومًا نقيضًا موضوعيًّا لمصالحنا، لأنها تعني أولًا الوقوف إلى جانب أعدائنا، وثانيًا نهب ثرواتنا، وقبله وبعده إخضاعنا واستتباعنا، وبالتالي السعي الدائم لتجزئة المجزأ منا وتفيت المتماسك فينا…علينا طرح السؤال التالي، وخصوصًا على أولئك العرب المتفجعين بفوز ترامب والمتباكين على خسارة هيلاري كلينتون:
ترى، وما هو الفارق بين الأميركي الفائز والأميركية الخاسرة إزاء أولوية المصلحة الأميركية وعدائية كليهما للعرب والمسلمين ومعهم مستضعفو العالم؟! ما هو سوى الفارق بين الوضوح الفج مقابل الخبث المخاتل والمراوغة المخادعة؟!
…ما الفارق بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب؟!
الأولى من مؤيدي الحرب على العراق، والمتآمرين لتدمير ليبيا، والداعين للتدخل في سوريا، والمتعهدة في رسالة وجهتها للمليونير الصهيوني حاييم صبَّان بأنها في حال تولت رئاسة الولايات المتحدة “ستسمح لإسرائيل بقتل 200 ألف طفل فلسطيني في غزة وليس ألفين”، في إشارة منها لمن قتلهم الصهاينة من أطفال في غزة إبان حربهم الأخيرة عليها.
والثاني، لعل ما يتميز به عن الأولى أنه قبل ترشحه للرئاسة لم يك سوى رجل أعمال. لم يك في موقع سياسي، ولا بذي خدمة عسكرية، ولم يُعرف بانتماء حزبي، ولا بصاحب موقف أيديولوجي، بل وكان الأقرب للديمقراطيين منه إلى الجمهوريين…قبل أن يأتي محمولًا على أجنحة الشعبوية والعنصرية، أو داعشية الواسب الأميركان، كان وسيظل لا يرى العالم إلا من خلال الدولار…أضف إليه تعهده بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، وقوله إنه يرى في نتنياهو استثمارًا أميركيًّا مجزيًا.
في مقال سابق لي إبان احتدام الحملات الرئاسية الأميركية أواخر الصيف، وإزاء حمأة هذا الكرنفال الهجائي الضاج بالبذاءات والابتذال، وحيث بدت فيه أميركا سادرة في عملية فضح نفسها بنفسها على ألسنة مرشحيها، قلت إنه لو كان لي أن أدلي بصوتي في انتخاباتهم لما ترددت في منح صوتي لدونالد ترامب، ولسبب واحد وهو أن فوزه يعني المزيد من انكشاف أكثر لوجه أميركا القبيح، كما أنه لو كان فلن يغير أو يبدِّل في تليد ثابت المواقف العدائية الأميركية تجاه قضايانا، أضف إليه أن مزيدا من هذا الانكشاف قد يشفي، وهو في منتهى سفور قبحه متأمركينا العرب من أوهامهم العضال المراهنة على تغيير هذا الثابت الأميركي، أو ما عساه قد يدفع باتجاه تخليصهم من استلابهم المقيم ودونيتهم المزمنة إزاء عدوة أمتنا الأولى.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 31 / 16136

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة