الأحد 26 حزيران (يونيو) 2016
الانتفاضة -Alintifada

اعتقال الجثث سياسة جديدة للاحتلال

محمد خليفة
الأحد 26 حزيران (يونيو) 2016

لم يجد الشعب الفلسطيني في الضفة سوى خيار المقاومة من جديد ضد بطش وعدوانية الاحتلال، فبعد أكثر من عشرين عاماً على مفاوضات السلام، تبين أن «إسرائيل» لا تريد رؤية دولة فلسطينية إلى جوارها، وأن هدفها هو تهويد الضفة بشكل كامل عبر تعزيز الاستيطان، والاستمرار بسياسة مصادرة الأراضي.
ورغم أن السلطة الفلسطينية لا تزال تعول على إمكانية تحقيق مكاسب من عملية التفاوض، لكن الواقع يؤكد أن «إسرائيل» قد وأدت عملية السلام، وأنها لم تكن تريد سوى التنسيق الأمني، وبما يضمن ملاحقة الناشطين الفلسطينيين واعتقالهم أو تصفيتهم.

ويعاني الفلسطيني، في مدن وقرى الضفة كثيراً، في حياته اليومية، بسبب الحواجز والتفتيش وتصاريح العبور، والتضييق عليه في أسباب رزقه وعيشه لدفعه إلى الهجرة، وترك وطنه حتى ضاق الكثير منهم ذرعاً بالأمر، ولم يعد الوضع قابلاً للاحتمال. فانفجر الغضب على نطاق واسع عبر قيام فلسطينيين بعمليات دهس، أو طعن لمستوطنين، أو لجنود الاحتلال في الضفة، وحتى داخل «إسرائيل»، وقلما ينجح الفلسطيني الذي يدهس أو يطعن مستوطناً أو جندياً في الفرار، بل يقتل بنيران الجيش والشرطة، عدا عن القتلى الفلسطينيين لمجرد الاشتباه، وقد استشهد عشرات الشباب الفلسطينيين بعد تنفيذ عمليات طعن ودهس.
ورغم بساطة أدوات الشعب الفلسطيني أمام أضخم قوة عسكرية في الشرق، لكن هذه الأدوات أفقدت المستعمرين عقولهم، فهم باتوا يخافون ركوب السيارات أو السير بالشوارع، وهم لا يدرون من أين تأتيهم الطعنة، ولا يأمنون طريقاً قد يقيهم مرارة الدهس. أما على مستوى حكومة «إسرائيل»، فقد تمت إعادة العمل بسياسة هدم البيوت بعد الادعاء بإيقافها، حيث تقوم سلطات الاحتلال بهدم بيت من ينفذ عملية ضد المحتلين، وتحرم أهله وذويه نعمة السكن في بيت، فيجد هؤلاء أنفسهم في العراء. ورغم فظاعة هذه الجريمة، لكن ثمة ما هو أفظع منها؛ ألا وهو حجز جثث الشهداء ومنع دفنها، ذلك أن «إسرائيل» قررت منذ أكتوبر/‏ تشرين الأول 2015 احتجاز جثامين منفذي الهجمات من الفلسطينيين الذين يقتلون برصاص الجيش أو الشرطة كإجراء عقابي، حيث يقوم المستعمرون بوضع هؤلاء الشهداء في أكياس سوداء، ثم يتم إلقاؤهم في ثلاجة قد تكون فيها جثث أخرى دون ترتيب، ودون أي مراعاة لحرمة الموتى. والواقع أن وضع الجثامين في الثلاجات يجعل من الصعب على العائلات تشريحها، لمعرفة كيفية وفاتها، كما أن العائلة التي تتسلم جثة أحد أفرادها، لا تستطيع دفنها مباشرة، بل تضطر إلى الانتظار حتى يذوب عنها الثلج، حتى تتمكن من دفنها في القبر، وتشترط ««إسرائيل»» لتسليم الجثامين، أن يتم دفنها ليلاً، وعدم تشريحها، ودفع كفالة مالية لقاء تسلمها. وفي يوم الخميس 9 يونيو/‏ حزيران أمر وزير الحرب ««الإسرائيلي»» الجديد أفيغدور ليبرمان بعدم تسليم جثث الفلسطينيين الذين يهاجمون «الإسرائيليين» إلى عائلاتهم أو أقاربهم. وقرار ليبرمان هذا مخالف لذلك الذي اتخذه سلفه موشيه يعلون المؤيد لإعادة الجثث.

ويشكل حجز الجثامين جريمة تضاف إلى سجل جرائم الاحتلال. وتدعي «إسرائيل» أن احتجاز الجثامين هو إجراء لمنع تحوّل موكب التشييع إلى ساحة تحريض على مزيد من الهجمات ضدها. لكن لا شك أن ذلك مجرد أباطيل، بل هو نوع من الابتزاز لذوي الشهداء من أجل الضغط عليهم. كما أنه شكل من أشكال العقاب الجماعي، والإمعان في تعذيب الأهالي.

وتشكل سياسة حجز الجثامين انتهاكاً صارخاً للمواثيق الدولية التي تمنع أسر جثث المحاربين والتمثيل بها، وكالعادة يضرب الاحتلال بالمواثيق والمعاهدات الدولية عرض الحائط. لكن مهما فعلت «إسرائيل» ومهما ابتكرت من وسائل عقاب، فإنها لن تنجح في القضاء على مقاومة الشعب الفلسطيني، بل عليها أن تعود إلى الحق، وترضخ لشروط السلام حتى يمكن لها أن تعيش بأمن واستقرار، فمهما امتلكت من القوة العسكرية، فهي لا تستطيع أن تحمي كل مستوطن يعيش داخلها أو في الضفة، كما أن التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية لم يعد يفيدها، لأن من يقوم بعمليات الطعن والدهس هم مواطنون عاديون، ليس لديهم سوابق، وهم غير مؤطرين في منظمات، وبالتالي لا يمكن التعرف إليهم مسبقاً لمنعهم من القيام بعمليات فدائية. وتحاول السلطة الفلسطينية أن تنأى بنفسها عما يجري، بل تدعو الشعب الفلسطيني إلى الهدوء والسكينة، ما أوحى بوجود شرخ بين هذه السلطة وبين شعبها، وفي الحقيقة أن السلطة لا تستطيع أن تبقى تراقب ما يجري دون أن يكون لها يد فيه، كما أنها لا تستطيع أن تنخرط مع المنتفضين لئلا تدخل في نزاع مع سلطات الاحتلال، كما حدث للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 20 / 10704

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة