الجمعة 27 أيار (مايو) 2016
الانتفاضة -Alintifada

سمك وبطيخ وباليه.. وطنطورة

احمد جميل عزم
الجمعة 27 أيار (مايو) 2016

تقع الطنطورة جنوب حيفا، أي شمال يافا.
في تقرير لزينة صندوقة، لقناة رؤيا، العام الماضي، ختمت تقريرها بالقول: "يقسم الطنطوري بالرصاص الذي قُتل به أنّه عائد".
كيف يقسم الإنسان بما قُتل به؟! كأنّ الدم يلاحق القاتل.
وثقت مجزرة الطنطورة التي وقعت يوم 23 أيار (مايو) 1948، جزئياً في كتاب "التطهير العرقي لفلسطين"، لآلين بابيه. وأعادت "جمعية فلسطينيات"، بعائلاتها وأصدقائها في فلسطين الساحلية، ومعهم أهالي الطنطورة، وأهالي قرية الفريديس القريبة، قرية الطنطورة لنا، هذا الأسبوع.
ذهبوا العام الماضي أيضا، ولكن لم يكن هذا الأسبوع عادياً، بل حدثاً تاريخيّاً.
جُمع الشبان والرجال، وطُلب إليهم تحت قوة السلاح، حفر أخدود في الأرض. وما إن انتهى الحفر، حتى أُطلق الرصاص، فكان ما حفروه قبرهم.
ترفض الحاجة رشيدة الذهاب للطنطورة، خشية ألا يحتمل قلبها. تخبرك بنبرةٍ ساهمة، كأنها تنطق شعراً: "كنا نشرب الماء من بئر (تُسمى) الشفا. وقمنا (الأهالي) بتركيب حنفيات لتصل المياه البيوت.. كنا بعد العشاء "نتسبّح"، ونسهر، مقابل البحر، ثم نستحم بالماء البارد من الحنفية، نرتدي ملابس النوم لننام فوق أسطح البيوت، فلا نستطيع بسبب أضواء "الشخاتير" الآتية للصيد، وفجرا نرى السمك "أشكال ألوان". وتضيف: "الغلة، القمح، الذرة، العدس، خيرات ربنا".
تخبرك أيضاً (لقناة رؤيا): "كنت امرأة" عمرها ثمانية عشر عاماً. وتضيف بصوت خفيض: أتذكر كل المشهد: "حمّلونا. أخذونا عند الشهدا.. رأيتهم مكوّمين"، "كان أمامي 13 شخصا أدخلوهم ساحة وقتلوهم". ثم تصرخ: "قتلوا زوجي". وتعود للهدوء الحالم: "كان عمره 28 سنة، كان إنساناً.. شب، سبحان اللي خلقه".
يخبر الحاج أبو جميل "رؤيا" كيف كان طفلا. صرخ به الجندي قائلاً: لا تصرخ! وضربه على رأسه، فأغمي عليه. وعندما أفاق، رأى كومة، ظنّها ملابس، سأل الجندي "هذه أواعي؟".. كانت جثتي أبيه وشقيقه.
تخبرك التغطيات الإعلامية المرافقة للذكرى، أنّ أنيس ذيب العلي جربان، فتى انضم للمقاومة. وعندما جُمع أهالي الطنطورة ومن فيها، وطُلب إليهم حفر قبورهم بأيديهم من دون أن يعلموا، كان منهم. ووقف الجندي فوق رأسه ليطلق الرصاصة، دارت مشاهد حياته وأهله أمامه، ولكن الطلقة لم تنطلق. وصرخ والده الموجود هناك، بالجندي، فاستغل أنيس الفرصة وهرب، ولكنهم أسروه، واحتجزوه، ومنذ ذلك الحين شاب شعره مبكراً جداً، حتى موته العام 2009.
تخبرك "فلسطينيات" أنّ الطفل رزق كان عمره 11 عاما. سمح له الجنود الصهاينة، يوم المجزرة، بدخول بيوت الطنطورة ليفتش عن خبز لإطعام الأطفال المحتجزين مع أمهاتهم. في طريقه يرى رزق عشرات الجثث. يصل النساء والأطفال حاملا كيسا مليئا بالخبز، وببراءة الأطفال يقول لتلك إنه رأى زوجها يُعدم، ولتلك إنه رأى أباها ميتا، ولأخرى إنه رأى ابنها والدماء تسيل من رأسه. فيعلو صوت النسوة بالنواح، ويتجمعن حوله، تريد كل واحدة معرفة إن كان قد رأى قريبها. لم يفهم رزق ماهية المهمة التي ألقيت على عاتقه من دون قصد، كان طفلاً!
الحاجة، فاطمة (77 عاماً) تعود مع "فلسطينيات"، وتقول: كنا نلعب "حتى جاء الغول".
تحولت المقبرة الجماعية إلى موقف سيارات الآن.
يوم العودة للطنطورة هذا الأسبوع، أخرج الشباب والصبايا، السمك من البحر وحملوه، ووضعوا البطيخ في الماء، وجاء عرض مسرح "الطنطورة" من الخليل، والفنانون ريم تلحمي ولبيب بدارنة ومحمد بكري، و75 صورة لطنطورة ما قبل النكبة. كان موعد اللقاء الرابعة، لكن الناس وصلوا قبل ذلك، واستمر الأمر حتى الساعة التي كان أهالي الطنطورة يذهبون فيها للنوم.
فرقة الباليه والرقص المعاصر، تأتي من الناصرة، وترقص على شاطئ الطنطورة، عرضاً بعنوان "منذ أن أخبرتني جدتي". تحركت الفتيات "النصراويات" إيمائياً، والبحر خلفهن، والمستوطنون ينظرون، لمن يخرج من هناك.
يضحك أبو حسن الطنطوري، وهو عكاوي اسمه عبدالرحمن البهنيني، سماه معارفه "الطنطوري" لكثرة زياراته للطنطورة وحبه لها، فقد كان أقاربه يسكنونها، وهُجِّر مع عائلته من عكا إلى لبنان، ولكنه قرر مع أخيه وجاره العودة سرا. وفي عكا استقبلته جارتهم، آمنة أبو حمام، وعاملته بمثابة ابنها. بعد أيام من عودته اعتقلته وأخوه الشرطة الإسرائيلية، لكنها لم تطرده، واكتفت بأسره، واستخدموه للعمل في إعداد السمك لهم.. عاش بعيداً عن عائلته. وبعد سنوات تزوج من فاطمة، ابنة المرحومة آمنة.. حبّه الوحيد والأبدي.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 9 / 10624

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة