الجمعة 20 نيسان (أبريل) 2018
الانتفاضة

مسيرة عودة من عفرين إلى طيرة حيفا

احمد جميل عزم
الجمعة 20 نيسان (أبريل) 2018

بحسب مصادر الإحصاء الإسرائيلية، فإنّ 99.6 بالمائة، من سكان طيرة حيفا، ليسوا عرباً، هم "يهود وغير عرب". وطريقة التعريف هذه تشي بالرعب والتحسب الإسرائيلي من السكان العرب؛ إذ أين يجري تعريف السكان بأنهم ليسوا من فئة معينة؟ من هم الأقل من نصف بالمائة هؤلاء؟.
عائلة عربية واحدة (باتت ممتدة تسكن بيتاً من ثلاث طبقات)، وسط البلدة التي يسكنها الآن نحو عشرة آلاف يهودي. وللعائلة قصتان تميزانها. الأولى أنّها عادت وسكنت بلادها بعد أن هُجّرت العام 1948، مخترقةً الحدود. والثانية، أنها صامدة، عائلة عربية وحيدة، في محيط الغزاة.
في فلسطين، مواقع كثيرة تسمى "طيرة" ولم أجد (للآن) أصل التسمية، وسبب تكرارها. ولكن طيرة حيفا، أو طيرة اللوز، كما كانت تسمى أحياناً، هي جنوب حيفا، قبالة البحر، وعلى سفح الجبل. كان عدد سكانها قريبا من الستة آلاف في عام النكبة.
على موقع مركز "بديل"، قصة طريفة تقول إنّ أهالي طيرة حيفا سُميوا تندراً، "اللي طخوا البحر"، والقصة المتداولة أن عريساً مشى وعروسه على شط البحر، فمس ماؤه قدميها، فغضب وصرخ مهددا البحر أنّه سيطخه إن مس عروسه مجدداً. وفي تفسير آخر، أن الأهالي استخدموا الديناميت لصيد السمك.
توقفت سيارتنا، فجاء طفل وطفلة يسألان من أنتم؟. سألنا عن الحاجة "هيجر الأبطح" وأبنائها. وبالفعل يأتي ابنها، حسين الباش، ويرحب بضيوفه، الذين يعرفونه على أنفسهم. يُعد فتى يافع، في نحو الرابعة عشرة، ستة فناجين قهوة.
التجأ أهلها، أو جزء منهم، هرباً من القصف، وبناء على طلب من الجيوش العربية التي دخلت فلسطين، إلى جبل يعرف بالعراق، فيه مغارة كبيرة، يعلو القرية. وبقوا هناك حتى جاءهم من يطمئنهم لإمكانية العودة للمنازل، ليجدوا الصهاينة بالانتظار. يحملونهم تحت قوة السلاح بالباصات والشاحنات، بعد اعتقال عدد من الرجال، منهم أبو حسين (زوج هيجر)، وقد سُخّر المعتقلون لخدمة الجيش. ويُلقى "المُهجّرون" قسراً، وبحسب حسين، الذي كان في الثامنة من عمره، إلى أرضٍ فيها بقايا حصاد قمحٍ جاف، (غرب جنين) ثم أشعل مسلحون صهاينة النار بالأرض، ليموت عشرون شخصا، ويهرب الباقون. ويهز حسين رأسه ساخراً، عندما نخبره أنّ الإسرائيليين ينفون القصة، يقول "رأيتها بنفسي".
وصلوا إلى إربد في الأردن؛ حيث طوفان اللاجئين، والوضع الصعب للغاية، ويسمعون عن أقارب وصلوا دمشق، فيلحقونهم هناك. ويستذكر حسين البقاء في مسجد "الشاغور" في دمشق، وأنّ مساعدات كانت تأتي من تجار وأهال، خصوصاً في شهر رمضان. ولكن محاولة العثور على وضع أفضل جعلت العائلة تتجه إلى منطقة "عفرين"؛ إحدى محافظات حلب، على الحدود التركية. وفي مقابلة منشورة مع الحجة هيجر، تذكر استمرار صعوبة الأوضاع، واتهام البعض لها بأنّهم "باعوا بلادهم". وأخيراً تصلهم رسالة من الأب، أنه قد أطلق سراحه من الأسر، ورتّب عودتهم.
رافق الحاجة هيجر وأولادها وشقيقها، بالباص، إلى الأردن ثم تسللوا عبر الحدود، على حمير، بدون الشقيق، ووصلوا حيفا، حيث كان الأب، ولديه إقامة "قانونية"، ما سمح أن يضم عائلته له. كانت المدينة شبه فارغة، وبيوت كثيرة بدون أهلها، وسكنوا "وادي النسناس" أحد أحياء المدينة، بينما الأب يواصل المساعي للعودة إلى قريتهم. ويعود فعلا، ويحصل على أرض يستأجرها من الإسرائيليين (رغم وجود أراض لهم أصلا) ليزرعها. وينتقلون ليسكنوا "براكية" في القرية. حتى العام 1962، عندما قرر الإسرائيليون، بناء عيادة طبية قرب البراكية، وتدور مفاوضات لإخراجهم، فيوافق الأب مقابل السماح له ببناء بيت، فيسمح له في موقع آخر من القرية، بيت من طابق واحد.
كبرت عائلة الباش-الأبطح، وبنوا طابقين، يدفعون غرامات لبنائهما منذ ثلاثين عاماً، ويرفض الإسرائيليون ترخيصهما، ويرفضون الخضوع للمضايقات والضغط.
ما يزال مبنى مدرسة كبيرة عربية فاخرة موجودا، يستخدمه الإسرائيليون اليوم لتدريس أبنائهم، وما يزال بيت المختار الكبير الفاخر موجوداً، يُستخدم مبنى للشرطة، والمقبرة موجودة، وشجر الصبار ينمو محل البيوت المهدمة، ولكنّ مباني حديثة بنيت كإسكانات للمستوطنين.
لم يكن "لجوءا" بقدر ما كان "تهجيراً".
بقي الفتى الذي أعد القهوة يستمع طوال اللقاء صامتاً، وعندما سألتهم، هل يسمح لي بنشر التفاصيل؟ كان أول من قال مسرعاً: "طبعاً".


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 1 / 16817

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة