السبت 24 آذار (مارس) 2018
الانتفاضة

الصراع على المنطقة العربية

ناجي صادق شراب
السبت 24 آذار (مارس) 2018

عندما قامت بريطانيا وفرنسا في اتفاقات «سايكس- بيكو» برسم الخريطة السياسية للمنطقه العربية بما يتفق ومصالحهما الاستراتيجية، لم يكن وقتها من قوى دولية وإقليمية مؤثرة ومتحكمة في القرار السياسي الدولي غيرهما، على اعتبار أن العلاقات الدولية وحتى الحرب العالمية الثانية كانت أوروبية المركز، حتى عصبة الأمم كانت أوروبية الصنع والتكوين، ووقتها لم تكن هناك دول عربية مستقلة؛ بل كانت محتلة وتحت الانتداب البريطاني الفرنسي.
وتكشف القراءة التاريخية السياسية لهذه الاتفاقات أمرين مهمين نرى تداعياتهما الآن: الأول، خلق «إسرائيل» كمكون لإنجاح الاتفاق، وثانياً، تأصيل وتجذر مشكلة الأقليات والإثنيات الطائفية والعرقية، التي قويت وحافظت على هويتها في ظل سياسات الانتداب الطويلة، واليوم نرى كيف لهذين العاملين تأثيرهما فيما تشهده المنطقة من تحولات سياسية معقدة ستنعكس على الصورة السياسية للمنطقة. والسؤال لماذا هذه المنطقة؟ ببساطة نظراً لأهميتها الاستراتيجية لكافة القوى الإقليمية والدولية، وبعبارة أخرى إن موازين القوى تتحكم فيها المنطقة، والصراع مستمر بين الدول الإقليمية والدولية، وقوتها تتوقف على قدرتها في السيطرة عليها؛ لذلك يبقى الهدف الإستراتيجي لها جميعاً أو القاسم المشترك هو إعادة تقسيمها؛ لكن الخلاف بينها يكمن حول تحديد مناطق النفوذ والسيطرة، والسبب تعدد هذه القوى وتعارض مصالحها.
هناك اليوم متغيران رئيسيان يحكمان عملية الصراع في رسم الخريطة السياسية الجديدة للمنطقة: المتغير الرئيسي، هو الدور العربي، وهذا الدور يعد ضعيفاً، ويعاني تراجعاً واضحاً؛ وذلك في أعقاب التحولات السياسية، التي أدخلت المنطقة والدول العربية في موجة من التحولات والتحديات، وباتت هدفاً لكل أشكال الصراع ببعديه الإقليمي والدولي، فهي هنا المستهدفة. والمتغير الثاني هو المتغير الخارجي، وتعدد صوره من منظور الفواعل، فلم يعد قاصراً على الدول الإقليمية والدولية؛ بل ظهر وبقوة دور الفواعل من غير ذات الدول مثل «حزب الله» والجماعات الإسلامية ك«الأخوان» والتنظيمات الإرهابية؛ مثل: «داعش» وغيرها، ما زاد الأمور تعقيداً.
لم يعد مفهوم الشرق الأوسط التقليدي صالحاً للمعطيات السياسية الجديدة، ولعل أخطر ما في الخريطة الجديدة، التي يتصارع الكل عليها أن درجة التشرذم والانقسام والتفكك السياسي قد تكون أكبر، ففي خريطة «سايكس- بيكو» تم اعتماد عامل الدولة القطرية القومية، أما اليوم فالعامل الذي يحكم هو الدولة القُطرية المذهبية أو العرقية. ولو نظرنا لهذا الصراع فقد يأخذ شكل الدوائر المتدرجة: الولايات المتحدة مصالحها الاستراتيجية تغطي المنطقة بالكامل، روسيا تتسع دائرة مصالحها؛ لتشمل نفس المناطق التي تحاول الولايات المتحدة فرضها. والخطورة في هذه الدوائر التداخل مع دوائر النفوذ، التي تسعى الدول الإقليمية المجاورة للسيطرة عليها: إيران من جانبها لم تعد منطقة الخليج العربي مجالها الحيوي الوحيد، فتعدت مصالحها الحدود شرقاً وغرباً، ولها تطلعاتها حتى البحر المتوسط؛ من خلال تثبيت وجودها في سوريا ولبنان، وشمالاً العراق؛ من خلال الحركات الموالية لها، وجنوباً اليمن من خلال الحوثيين. وأما تركيا فأطماعها واضحة في شمال العراق وشمال سوريا، وعيونها على منطقة الخليج الاستراتيجية، التي تعد المنطقة أو الإقليم الأساسي في الخريطة الجديدة من خلال قطر.
هذا الاستهداف الإقليمي والدولي للمنطقة العربية يحتاج إلى تحرك عربي قوي وفاعل لمواجهته، ويحتاج إلى إعادة صياغة المنظومة الأمنية العربية، التي لم تعد صالحة، التي تمثلها جامعة الدول العربية. وهذا الحراك يمكن أن تقوده مصر والسعودية، وبدور داعم ومساند تقوم به دولة الإمارات كدولة مؤثرة، وهذه المنظومة الثلاثية يمكن أن تتسع لتشكل محوراً أمنياً عربياً قوياً وفاعلاً قادراً على احتواء ومواجهة التدخلات الإقليمية؛ التي تقوم بها عدد من الدول مثل «إسرائيل» وتركيا وإيران، ودولياً من قبل الولايات المتحدة وروسيا وغيرهما؛ وذلك يقتضي تشكيل نواة قوة عربية مشتركة فاعلة، إضافة إلى تفعيل دور المؤسسات المشتركة في الجامعة العربية؛ مثل: مجلس الدفاع العربي ومكاتب المقاطعة العربية لـ «إسرائيل». ثم تفعيل الدور العربي في حل الأزمات العربية.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 15 / 16105

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة