السبت 3 آذار (مارس) 2018
الانتفاضة

سوريا، أروِقَة الحرب

الطاهر المعز
السبت 3 آذار (مارس) 2018

لم يجتمع مجلس الأمن للتنديد بالإحتلال الأمريكي لشمال شرقي سوريا، ولا لوقف الإحتلال التركي لمناطق حدودية، ولا للتنديد بعمليات القتل اليومي وهدم المباني واعتقال الفلسطينيين التي ينفذها جيش الإحتلال الصهيوني لفلسطين (كل فلسطين)، وإنما اجتمع المجلس لِفَرْضِ وقف هجوم الجيش النِّظَامِي السوري على الجزء الشرقي من منطقة الغوطة (وهي أرض سُورية)، مَصْدَر القَصْف اليومي على العاصمة دمشق القريبة وعلى الطريق الدولية الرابطة بين دمشق وحمص... تُعْتَبَر منطقة الغوطة مُزَوِّدًا رئيسيا لدمشق بالإنتاج الفلاحي، وهي منطقة ريفية قريبة من العاصمة دمشق وتضم مساحات واسعة من الأراضي الزراعية خصوصا في الغوطة الشرقية، أما الجزء الغربي فيضم إلى جانب الأراضي الزراعية مناطق مأهولة... جاء اجتماع مجلس الأمن بعد حوالي شهر من خطاب وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون أمام معهد "هدسون" (18/01/2018) حيث أعلن "إن أولويات أمريكا تتمثل في مواجهة النفوذ المتنامي لإيران وروسيا في سوريا "، وترجمت أمريكا هذه "الأولويات" عبر تعزيز مواقع الجيش الأمريكي الذي يحتل شرق سوريا، وارتكاب مجازر (لا يُدِينُها مجلس الأمن ولا تذكرها صحف أمريكا وفرنسا وبريطانيا) بهدف إطالة أمد الحرب وتكْرِيس تقسيم سوريا، بالإعتماد في مرحلة أولى على مليشيات عشائر الأكراد (المُدَرَّبَة والمُسَلَّحَة أمريكيًّا)، ومُساعدتها على احتلال منطقة "الجزيرة" (السّورية) الغنية بموارد الطاقة (النفط والغاز) والإنتاج الزراعي، والسيطرة على أكثر من خمسين ألف كيلومتر مربع (دير الزور والحسكة والرقة)، لكن أمريكا قوة امبريالية عُظْمَى تستخدم وُكلاء مَحَلِّيِّين لتنفيذ مُخطّطاتها وقادرة على التضحية بهم حالما تنتهي وظيفتهم أو تتغيّر الظروف، وتعمل أمريكا منذ بضعة أشهر على التوفيق بين العلاقات مع نظام تركيا (عضو الحلف الأطلسي وحليف الكيان الصهيوني) من جهة، ومخططات برنامج الشرق الأوسط الكبير من جهة ثانية، وتعمل على تثبيت سيطرة أمريكا في الشمال الشرقي لسوريا وتحويل "حزب الإتحاد الديمقراطي" (حزب الأكراد) إلى حزب "سُوري" يجمع فئات "عربية" من عُملاء أمريكا تحت إسم "حزب سوريا المستقبل" الذي يضم عناصر جاءت من المجموعات الإرهابية، ومنها "داعش" وبقايا "الجيش الحُر"، وطَرْح مشروع "فيدرالي" لسوريا، بالتوازي مع تكثيف الحادثات لعودة العلاقات الحميمة مع تركيا، وبدأت أمريكا بتطبيق هذه المرحلة الجديدة من المُخطط العام (الذي لم يتغير جوْهَرُهُ)، وباعت الزعيم الكُرْدِي السُّوري "صالح مُسْلم محمّد" الذي تَزعّم "حزب الاتحاد الديمقراطي" (الفرع السّوري لحزب العمال الكردستاني التّركي) لفترة سبعة سنوات (2010 – 2017)، وكرّس فترة رئاسته لربط مصير الحزب بالمُخطّطات الإمبريالية الأمريكية في سوريا والعراق، مقابل وعدٍ أمريكي بتأسيس مشروع كردي في شمال سوريا...

بين لُغة "التحرر الإثني" وممارسة العمالة للإمبريالية:

أصْدرت تركيا -عبر الشرطة الدّولية "إنتربول"- مذكرة اعتقال ضد "صالح مسلم محمد" بتهمة الإرهاب، منذ 2016، ولكن الزعيم السوري الكُرْدِي كان يتجول في أرجاء العالم، دون أي إزعاج، بل استقبلَه الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند في قصر الرئاسة سنة 2016، وفجأة اعتلقته الشرطة التشيكية في العاصمة "براغ" فَجْرَ يوم 25/02/2018 بغرض تسليمه إلى السلطات التركية (حال إتمام الإجراءات الإدارية والقضائية) دون احتداج أو إدانة من أمريكا أو أوروبا (السّند الرئيسي لحزب انفصالِيي أكراد سوريا)، ما يُشِير إلى صفقة عقدَها وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون خلال مُحادثاته مع أردوغان، وكان "صالح مسلم" مَدْعُوًّا إلى "براغ" للمشاركة في منتدى قسم "دراسات تطوير الشرق الأوسط" الذي أسسته وتُشْرِفُ عليه جامعة كاليفورنيا الأمريكية، وتُعْتَبَر عاصمة "تشيكيا" مركزا لعدد من أنشطة التّجَسُّس الأمريكية والأوروبية منذ ما قبل انتهاء الحرب الباردة، وقبل انتماء جمهورية التشيك إلى حلف شمال الأطلسي، وهي أحد أكبر مراكز التَّنَصّت الأمريكي، مما يُشِير إلى كَمِين وقع التّحضير له بعناية بين الأجهزة المحلية (التشيكية) والمخابرات الأمريكية والسلطات التّركية، في نطاق تقديم تنازلات أمريكية لتركيا التي بدأت حكومتها تُناور وتُظْهِرُ تقارُبًا مع روسيا وإيران (اللتين يمكنهما التضحية أيضًا ببعض مصالح النظام السوري، إذا اقتضَتْ مصالحُهما ذلك)، وبذلك يُحَقِّقُ الطّرفان الحليفان (تركيا وأمريكا) وفاقًا على أرض سوريا التي تحتلّها قوات كل منهما، وكلاهما عضو في الحلف الأطلسي، وإذا كان الشعب السوري هو الضحية الأولى لأي تواجد عسكري أجنبي، فإن بعض القيادات الكُرْدِية السورية -التي عملت على تقسيم البلاد- أصبحت بدورها ضحية الخطة الأمريكية الجديدة، والتي تتمثل في استبدال القوات الكردية من "منبج" بقوات "عربية"، وهي في الواقع قوات كانت ضمن داعش لأو النصر ة وأشباههما، وتعمل القوات الأمريكية على تدريب حوالي ألف مُرْتَزَق لتشكيل "مجلس منبج العسكري" الجديد، تحت إشراف مِائتَيْ جُنْدي من القوات الخاصة الأميركية، من قاعدة "عين العرب" (كوباني) ، مع تعزيز الحضور الأمريكي في دير الزور والرقة، وخَصَّصَتْ أمريكا موازنة عسكرية بقيمة 400 مليون دولارا لإرشاء بعض زعماء العشائر ولتدريب حوالي 30 ألف شاب من هذه العشائر، بإشراف ألف جندي من القوات الخاصة الأمريكية بهدف تعزيز الوجود العسكري الأمريكي شرق الفرات، ومنْع الجيش السّوري من التّقدم، وهو ما تَجَسّم في القصف والمجازر، باستخدام القواعد العسكرية الأمريكية العديدة في المنطقة (14 قاعدة مُعْلَنَة) ومنها مطار "الطبقة" و"قاعدة الرميلان" القريبين من الحدود العراقية السورية...

صعوبات الإعلام "ضد التّيّار"

تَتَحَكّمُ وكالات الأخبار ووسائل الإعلام (وهي مملوكة لشركات قَوِيّة ومتعددة الجنسية) في نشر وترويج الأخبار التي تتحكم في طريقة تقديمها للجمهور بشكل يجعل معظم هذا الجمهور (في العالم) جاهِلاً بحقيقة ما يَجْرِي، ويُشَكِّل التركيز خلال الاسابيع الماضية على "عفرين" أو "الغوطة الشرقية" من وجهة نظر مُعادِية تمامًا للشعب السوري ولضحايا الحرب، التفافًا على القصف اليومي للإرهابيين لدمشق، بأسلحة أمريكية متطورة وبإشراف خُبَراء من أمريكا ودول الحلف الأطلسي والكيان الصهيوني، كما تُهْمِلُ وسائل الإعلام عمليات الإغتيال والإعتقالات في فلسطين المحتلة، ومُعاناة الشعب اليمني في مواجهة القصف الوحشي السعودي والإماراتي... لهذه الأسباب مُجْتَمِعَةً أصْبَحَ من الصّعْب معرفة ما يَحْصُل والحصول على أخبار "موضوعية"، ومن الصعب كذلك تفنيد الأكاذيب التي تُرَوِّجُها طوال أيام السنة مختلف وكالات الإعلام والقنوات الإخبارية، ومنها القنوات الناطقة بالعربية، وهي أمريكية وصهيونية في اتجاهاتها، مثل العربية أو الجزيرة، حيث أصبح الناطقون باسم العدو الصهيوني مُقِيمين دائمين على شاشاتها...


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 37 / 16105

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة