الجمعة 12 كانون الثاني (يناير) 2018
الانتفاضة

صفقة القرن.. لماذا ستر المكشوف؟

نواف التميمي
الجمعة 12 كانون الثاني (يناير) 2018

لم تعد خبايا "صفقة القرن" سراً، ولم يعد خافياً على أعمى أو أبله ما يُحاك في الظلام من تفاصيل هذه الصفقة التي لا يصح وصفها بأقل ما قاله عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، أحمد مجدلاني، عندما قال، الأربعاء الماضي، بالصوت الواضح، والصورة الملوّنة، إن الصفقة التي عُرضت على القيادة الفلسطينية "مشروع تصفوي"، يرمي إلى تصفية القضية الفلسطينية. ويزيد مجدلاني، المقرّب جدا من الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، في مقابلة مع تلفزيون فلسطين الرسمي أن "المقترحات الأميركية نقلت إلى الفلسطينيين عن طريق الجانب السعودي"، وأن "الصفقة تقوم على تصفية القضية الفلسطينية وإنشاء حلف إقليمي ضد النفوذ الإيراني في المنطقة، تكون إسرائيل جزءا منه".
لا يحتاج عاقل إلى البحث طويلاً عن المقصود بـ"تصفية"، إذ تكفي العودة إلى عبارات واضحة في كتاب "نار وغضب"، فقد نقل مؤلفه، مايكل وولف، عن كبير مستشاري ترامب الاستراتيجيين السابق، ستيف بانون، تفاصيل خطته للشرق الأوسط، قائلا "نعطي للأردن الضفة الغربية، ويأخذ المصريون قطاع غزة. كشف المستور عن صفقة القرن المشبوهة". جاء جليا كذلك في تسريبات "نيويورك تايمز" التي رصدت مكالمات ضابط مخابرات مصري مع إعلاميين وفنانين مصريين لإعطائهم توجيهات من أجل إقناع الشعب المصري بقرار الرئيس الأميركي، ترامب، نقل سفارة بلاده في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس. وفي المقابل، إقناع الرأي العام بقبول فكرة "لا فرق بين القدس ورام الله"، و"لتكن رام الله عاصمة الدولة الفلسطينية". وبالتاكيد، لا ينطق هذا الضابط عن الهوى، وإنما هو يحمل رسائل رؤسائه. وتكشف عن جوانب أخرى من الصفقة تصريحات المسؤولين الأردنيين، وهم يشيرون غمزا إلى مساعي صنَّاع الصفقة لإنهاء الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس، وحل القضية الفلسطينية على حساب الأردن، جغرافياً وديمغرافياً.
إذن، لم يعد المستور إلا مكشوفاً، ومع ذلك يحاول بعضهم ستر المفضوح، ولو بورقة توت بالية. فبعد تصريحات أحمد مجدلاني بلحظات، سارعت وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية (وفا) إلى نشر بيان عن اتصال هاتفي جرى بين ملك السعودية، سلمان بن عبد العزيز والرئيس محمود عباس، أكد فيه الأول للثاني على مواقف المملكة الثابتة تجاه القضية الفلسطينية والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، في قيام دولته المستقلة وعاصمتها القدس، ومواصلة الجهود لإيجاد حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية، وفقاً للقرارات الدولية ذات الصلة، وفي المقابل، "عبر الرئيس الفلسطيني عن بالغ الشكر والتقدير لخادم الحرمين الشريفين على دعم المملكة التاريخي والدائم لفلسطين وشعبها، ونصرة قضاياهم العادلة". ومن المفهوم أن يقول الملك سلمان ما قاله، لكن غير المفهوم إصرار القيادة الفلسطينية على ستر المفضوح، فكيف نفهم "دعم المملكة التاريخي والدائم لفلسطين وشعبها، ونصرة قضاياهم العادلة"، ولم يمض سوى أيام على الاجتماع الوزاري العربي في عمّان، عندما تحفظت الرياض والقاهرة على طلب فلسطيني أردني لعقد قمة عربية طارئة لمناقشة التطورات الخطيرة في موضوع القدس.
من غير المقبول هذا التستر الفلسطيني الرسمي على ما صار مفضوحا من مؤامرة تُحاك ضد الشعب الفلسطيني، وقضيته ومستقبل عاصمته المقدسة. ومن غير المقبول اختزال ما يجري من "تصفية" للحقوق الفلسطينية في جزئية أن ما يجري مؤامرة للتخلص من الرئيس محمود عباس. فما قيمة بقاء أبو مازن أو غيره، بعد أن يسقط المشروع الوطني الفلسطيني برمته. من غير المقبول التبرّم بضرورة الـتأني والصبر، وترك الأمور إلى "ما شاء الله"، وإلى أن "يتغير الحال بأحسن منه"، فالجرّافات الإسرائيلية لا تنتظر، وهي تترجم بنود صفقة القرن على الأرض، مستوطنات ومستوطنين، واليمين الإسرائيلي ينتهز كل يوم "ترامبي" للمضي في التهويد وضم القدس، وما تبقى من أراضي الضفة الغربية. قطار "صفقة القرن" انطلق، لكنه لن يدهس إلا من اعتادوا على الانحناء ، حتى صاروا عاجزين عن الوقوف.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 15 / 16136

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة