الجمعة 29 كانون الأول (ديسمبر) 2017
الانتفاضة -Alintifada

القدس إسلامية الهوية عاصمة فلسطين الأبدية 7-17

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي
الجمعة 29 كانون الأول (ديسمبر) 2017

- المصالحة الحقيقية هي الرد ورفع الحصار هو المنتظر

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

إذا كان العرب والمسلمون عاجزون عن مواجهة قرار ترامب الغاشم، ويرون فيه عنجهيةً وتكبراً، وتحدياً وعناداً، وتجنياً واعتداءً، ولا يعتقدون أن لديهم القدرة على إبطاله أو الجرأة على مواجهته، ولكنهم يرون أن هذا القرار قد ظلم الشعب الفلسطيني واعتدى على حقوقهم، وأهان الأمة العربية والإسلامية وانتهك حرمة مقدساتها، وتطاول على قيمها ومعتقداتها، ويريدون بصدقٍ أن يقفوا مع الشعب الفلسطيني ويناصروه، وأن يؤيدوه في حقه ويساندوه في موقفه، ولا يريدون أن يتخلوا عنه، أو يتركوه وحيداً في مواجهة العدو الصهيوني والتصدي للإجراءات الأمريكية الجائرة في حقه، والسياسات البغيضة التي تنال منه وتمس أرضه ووطنه.

المجال أمامهم إن هم صدقوا وما كذبوا، رحبٌ وفسيح، وأبوابه مفتوحةٌ غير موصدة، وسبل الدعم كثيرة، ووسائل الإسناد عديدة، وخيارات المساعدة متعددة ومتنوعة، وهي لا تقتصر على لونٍ واحدٍ بعينه فتجد الحكومات العربية والإسلامية نفسها أمامه محتارة قلقة، ومقيدة عاجزة، فتبرر لنفسها القعود، وتجيز لها الانكفاء، لكن عليها أن تكون جادةً وصادقةً في مواقفها، وحازمة في قراراتها وتوجهاتها، وتقصد الهدف الذي نتطلع إليه ونعمل من أجله، وألا تتردد في فعله خوفاً، أو تمتنع عن تنفيذه أملاً ورجاءً.

على الدول التي تعترف بالكيان الصهيوني أن تسحب اعترافها به، وأن تنهي علاقتها السياسية والأمنية معه، وأن تسحب دبلوماسييها منه، بعد أن تغلق سفارتهم في بلادها، وسفاراتها في كيانهم، وتنكس أعلامه المرفوعة في بلادنا، وتجمد أي تعاملٍ مادي معه، فلا تجارة مشتركة، ولا صفقات ثنائية، ولا علاقاتٍ سرية معه، ولا زياراتٍ خفيةٍ، ولا رحلاتٍ جويةٍ، ولا محادثاتٍ غير معلنةٍ معه، ولعل هذه الخطوات هي أقل ما ينتظره الفلسطينيون من الحكومات العربية والإسلامية، إذ لا يتطلعون منهم دعماً عسكرياً أو مساندةً ميدانية، إذ أن الفلسطينيين يكفونهم هذه المؤونة، وينوبون عن الأمة كلها في المقاومة والجهاد، وفي التصدي والثبات، ولكنهم يتمنون خلال تصدرهم للمقاومة ألا يخذلهم أحد، وألا تتآمر على مقاومتهم حكومةٌ أو بلدٌ.

لكن حريٌ بنا وجديرٌ بشعبنا نحن الفلسطينيين، قبل أن نطالب أمتنا العربية والإسلامية بالقيام بواجبها، ونصرتنا والوقوف معنا، وتأييدنا والعمل إلى جانبنا انتصاراً لقضيتنا وحمايةً لمقدساتنا، أن نقوم نحن بالواجب الملقى على عاتقنا، فعلى السلطة الفلسطينية أن تبادر قبل الجميع بسحب اعترافها بالكيان الصهيوني، ووقف كافة أشكال التعاون أو التعامل معه، فلا لقاءاتٍ ولا اجتماعات، ولا تنسيق أمني ولا تبادل للمعلومات، ولا خوف من مواجهته أو التردد في رفع شكاوى ضده، أو عرض جرائمه على المحاكم الدولية والمنظمات الأممية، إذ لا يجوز أن نطالب الحكومات العربية والإسلامية بما لا نلتزم نحن به، وبما لا نقوى على فعله أو القيام به، وإلا فلن نكون محل احترامٍ أو تقدير.

كما ينبغي على الفلسطينيين جميعاً، قوى وتنظيمات، وحكومة وفصائل، وسلطة ومنظمة التحرير، أن تنهي حالة الانقسام التي أضرت بنا وأفسدت حياتنا وشوهت صورتنا وحرفت نضالنا، وجعلت منا مدرسةً للخراب الذاتي والتدمير التلقائي، وصورةً مسخةً عن شعبٍ غير مسؤولٍ، وعن قيادةٍ غير رشيدة، فإنهاء الانقسام من شأنه أن يحسن صورتنا، وأن يعيد الألق والبريق إلى قضيتنا، وأن يستعيد الاحترام والتقدير والفخر والإعجاب الذي كان الفلسطينيون يتباهون به، إذ أننا بإنهاء الانقسام والمباشرة في المصالحة الجادة، نحقق الوحدة العامة، ونجلو الصدور من الأحقاد، ونصفي النفوس من الكراهية، ونجمع القلوب على المحبة، ونجعل من أنفسنا صفاً واحداً عصياً على التمزق أو الانهيار، فضلاً عن أننا نكفر عن السنوات الأحد عشر السوداء الماضية، ونسترجع مكانتنا الراقية التي كانت لنا، ومنزلتنا المقدسة التي ميزتنا وحفظتنا.

كما ينبغي على السلطة الفلسطينية أن تقوم فوراً برفع العقوبات المفروضة على قطاع غزة، وأن تكف عن حصار وتجويع أهله، وأن تنهي معاناته اليومية وشكواه الدائمة، وأن تقوم بمده بما يحتاج إليه من وقودٍ وكهرباء، وطبابةٍ وعلاجٍ، وأن تساوي بين المواطنين جميعاً في فرص العمل، وأن تباشر في صرف رواتب الموظفين، وأن تعيد الموظفين المسرحين إلى لخدمة من جديد، وأن تقوم بالإفراج الفوري عن المعتقلين لديها، وأن تكف عن ملاحقتهم وحبس حريتهم، إذ كيف يستقيم الأمر ويستوي الحال، حينما تقوم الأجهزة الأمنية للسلطة باعتقال العشرات من المواطنين في ظل عمليات المواجهة اليومية مع سلطات الاحتلال، الذي قتل حتى اليوم أكثر من عشرة شهداء، وأصاب بجراحٍ مئاتٍ آخرين.

عندما تقوم السلطة الفلسطينية بالمهام الموكولة إليها تجاه شعبها، بصفتها المسؤولة عنه كسلطةٍ ومرجعية، ووفاءً منها له وتقديراً لعطائه، فإنه يسهل علينا بعد ذلك مطالبة القيادة المصرية برفع الحصار المفروض على قطاع غزة من طرفهم، وفتح معبر رفح الحدودي فتحاً تاماً ودائماً، وتسهيل حركة المسافرين على جانبي الحدود، والتيسير عليهم خلال مدة رحلتهم من وإلى القاهرة عبر صحراء سيناء، حيث بات سفر أهل غزة قطعة من العذاب مضنية، ورحلة من المعانة تبقى في الذاكرة وصمةَ عار وصفحاتٍ سوداء من المهانة والإذلال، فإذا شعر الغزيون بأن جانبهم من جهة مصر محمي، وأن حقوقهم فيها وإليها محفوظة، وأنها باتت لهم سكناً وملجأً، وعمقاً وأهلاً، فإن مقاومتهم ستزداد، ومشاركتهم ستتعاظم، ودورهم سيقوى وسيشتد.

لم يعد هنالك أي مبررٍ لاستمرار الانقسام، أو لتأخر المصالحة، أو لتعذر تنفيذها أو تعطيل تمريرها، ولا مبرر أو تفسير عاقلٍ لاستمرار الحصار وبقاء العقوبات، اللهم إلا إذا كان القائمون على الأمر يفتقدون إلى الإخلاص، ويفتقرون إلى الحكمة والعقلانية، وتعوزهم الوطنية، وتنقصهم المسؤولية، ولا يعنيهم الشعب ولا تهمهم مصالحه الحيوية ولا معاناته اليومية، ما يعني أن داءنا فينا والعيب منا والخلل بيننا، وبذا نستحق ما نزل بنا، ونسـتأهل الهوان الذي حل فينا، ولا نستغرب الحمأة التي وقعنا فيها، والوبيئة التي نالت منا.

- وحشية القمع الإسرائيلي وعنف الرد الحكومي

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

المتابع ليوميات الغضب الفلسطيني والحراك الشعبي العام، الذي عمَّ المناطق الفلسطينية كلها، وانطلق في مدن الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، وشمل فلسطين التاريخية بأسرها كنارٍ دبت في هشيمٍ فاشتعلت، وكبركانٍ انفجر من جوف الأرض وارتفعت حممه وألسنة لهبه عالياً صوب السماء، وكزلزالٍ حرك جنبات الوطن، وزلزل الأرض تحت أقدام العدو، كذلك كانت هبته التي شملت أركان الوطن كله، وفئات الشعب ومكوناته جميعهم، استنكاراً لقرار ترامب الأرعن بإعلان القدس عاصمةً للكيان الصهيوني، سيدرك المتابع يقيناً الطريقة القاسية التي يعتمدها جيش الاحتلال في مواجهته للمتظاهرين، والمنهج الذي يسلكه في قمع تظاهراتهم، والتصدي لحراكهم، ومواجهة غضبتهم الشعبية الكبرى.

سيشاهد المتابعون مستوى القمع الذي يتعرض له المتظاهرون الفلسطينيون، ودرجة القسوة التي يتعامل بها جنود الاحتلال معهم، وحجم العنف الذي يلاقونه، وذلك بالاستناد إلى عدد الشهداء الذين سقطوا خلال الأيام العشرة الماضية التي تلت القرار المشؤوم، والطريقة التي قتلوا فيها، والحالة التي كانوا عليها عندما استهدفهم جنود الاحتلال، وأعداد المصابين والجرحى الذين يزدادون بصورةٍ مهولةٍ ومقلقةٍ، فيما يبدو أنه تنفيسٌ عن حقدٍ دفينٍ، وتعبيرٌ عن رغبةٍ مريضةٍ تسكن نفوسهم، وتنفيذٌ دقيقٌ لقرارٍ قديمٍ متخذٍ.

إذ لم يكن بعض الشهداء يشكل خطراً على جنود الاحتلال، أو يحمل بيديه سكيناً تهددهم، بينما كان آخرون بعيدين عنهم خلف الأسلاك الشائكة التي تفصلهم عن قطاع غزة، وما كان لأحدهم أن يصل إليهم، أو أن يلحق بهم ضرر، اللهم إلا التظاهر وإبداء الغضب، وإطلاق الصوت ورفع الشعارات، وإلقاء الحجارة التي لا تصل إليهم لبعدهم عنهم، وتحصنهم في مكانهم.

ورغم ذلك يمطرهم جنود الاحتلال بعشرات قنابل الدخان المسيلة للدموع، التي تخنق الأنفاس وتكاد تقتلهم، كما يتعمدون إطلاق وابلٍ من الرصاص على جموع المتظاهرين المتفرقة، ويقصدون إصابتهم أو قتلهم، ولا يأبهون بالعدد الذي قد يسقط منهم، إلى الدرجة التي ناهز فيها عدد المصابين في يومٍ واحدٍ أكثر من تسعمائة مصاب، إصابة العديد منهم حرجة.

يبدو أن التعليمات الصادرة لجنودِ جيش الاحتلال صريحةٌ وواضحةٌ، ومباشرةٌ ودقيقةٌ، بوجوب فض المظاهرات الشعبية، وتفريق المسيرات الغاضبة، وقمع التظاهرات بالقوة، وجواز استخدام القوة المفرطة، وإطلاق النار بغزارةٍ، حتى ولم يكن هنالك خطرٌ يتهدد حياتهم، أو مبررٌ يجبرهم على إطلاق النار بقصد القتل أو الإصابة المباشرة، ولعل وسائل الإعلام ولجان حقوق الإنسان قد رصدت جرائم جنود الاحتلال، التي قتلت أمام عدسات المصورين شاباً مقعداً مبتور الساقين يتحرك على عربةٍ، سبق أن استهدفته في عدوانها على قطاع غزة عام 2008، وشاباً أعزلاً آخر إلا من لسانه ويقينه، كان يقف بعيداً عنهم، بالإضافة إلى الصور التي وثقت تعذيب الشبان الفلسطينيين وركلهم، وحجزهم في أماكن خفيةٍ وصفعهم وتوجيه اللكمات لهم بصورةٍ عنيفةٍ جداً وقاسيةٍ.

يبدو أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تخشى أن تتحول حالة الغضب الفلسطينية المتصاعدة إلى انتفاضةٍ شعبيةٍ عارمةٍ، تشبه الانتفاضتين السابقتين، تستمر فعالياتها وتنتظم، وتتوحد قيادتها وتتنسق جهودها وتتفق، وتعود القضية الفلسطينية إلى واجهة الأحداث كما كانت قديماً، تجمع حولها المؤيدين والأنصار، وتجذب إليها الدعم والإسناد، وتعود بالأوضاع إلى ما كانت عليه نهاية الثمانينيات، حيث تشوهت صورة الكيان الصهيوني، وتضررت سمعة جيشه، واستنكر العالم سياسته وجرائمه، وتمكن الفلسطينيون من تحقيق الكثير من الأهداف من انتفاضتهم، انتفاضة الحجارة الأولى، التي شغلت الحكومات الإسرائيلية وجيشها ومؤسساتها الأمنية لسنواتٍ عديدةٍ قبل أن تخمدها الاتفاقيات السياسية والجهود الخبيثة.

تخطئ سلطات الاحتلال الإسرائيلي ومعها أجهزتها الأمنية ومؤسساتها العسكرية، عندما تعتقد أن عنفها سينهي مقاومة الشعب الفلسطيني، وأن سياستها القمعية ستخيفهم وستجبرهم على التراجع والانكفاء، وعدم المضي بعيداً في سيناريوهات الانتفاضة أو الهبة الجماهيرية طويلة المدى، ولهذا فهي تمعن في القتل، وتتمادى في استخدام القوة، ولا تحاسب جنودها على ما يرتكبون، ولا تردعهم عما يفعلون، ولا تخاف إن انتشرت صور القمع، أو نقلت مشاهد التعذيب والقتل، إذ تريد من الشعب الفلسطيني أن يدرك جديتها، وأن يقتنع بإرادتها تجاه الحسم، خاصةً أن هذه الانتفاضة إن قدر لها الصمود والاستمرار، والتنظيم وحسن الإدارة، فإنها قد تفشل مخططاتهم المعدة لعملية السلام، فيما يطلق عليه اسم "صفقة القرن"، التي لن يستطيع الكيان الصهيوني فرضها أو تمريرها هي أو غيرها في ظل يوميات الانتفاضة الملتهبة.

الشعب الفلسطيني قد وطَّن نفسه على هذه السياسة، وخبر أساليب العدو كلها، وذاق مرها واكتوى بنارها، وناله الكثير من الأذى بسببها، وهو يدرك أهدافه وغاياته، ويعرف سياسته ومنهجه، ولا يجهل طبيعته وفطرته، وقد عرف أنه يواجه عدواً ماكراً خبيثاً، قوياً لئيماً، يستعذب قتلهم، ويهوى تعذيبهم، ويتطلع إلى طردهم، ويعمل على التضييق عليهم وحرمانهم، ولكنه دوماً كان يبوء بالخيبة ويرجع بالخسارة، ولا يحقق أهدافه ولا يصل إلى مراده، إذ ما استكان الفلسطينيون يوماً لهم، وما ضعفوا أمامهم، ولا خضعوا لقهرهم، ولا استسلموا لعدوانهم، بل بقوا دوماً يقاومونه بصدقٍ، ويتحدون إرادته بيقين، ويواجهون مخططاته بأملٍ، وهم على يقينٍ بالغدِ، وعلى موعدٍ مع النصر، وحينها سيفرحون بنصر الله عليهم يتنزل.

- أمريكا تفقد الرعاية وتتخلى عن الوساطة

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

واهمٌ من يظن أن الولايات المتحدة الأمريكية وسيطٌ نزيهٌ للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وأنها ترعى المفاوضات الثنائية بموضوعيةٍ ومهنيةٍ، وبمصداقيةٍ وعدالةٍ وأمانةٍ، وأنها تقف على الحياد بين الطرفين في العملية السلمية، فلا تؤيد فريقاً على حساب آخر، ولا تضغط على طرفٍ وترضي الآخر، وأنها جادةٌ في سعيها ومخلصةٌ في دورها، وحريصةٌ على نجاح مهمتها، لذا فهي تهيئ الأجواء بين الطرفين، وتذلل العقبات بينهما، وتسوي المشاكل وتساهم في خلق الحلول الممكنة، وتدفع من خزينتها ما يكفي لتسهيل قبول الطرفين بالحلول المقترحة، وتبني التسويات الممكنة، وتسمي ممثليها في المفاوضات من شخصياتها المعتدلة، ودبلوماسييها المشهود لهم بالوسطية والمهنية، ممن يؤمن بالسلام العادل بين الطرفين ويعملون له.

الحقيقة أن الإدارة الأمريكية قد فرضت نفسها وصيةً على المفاوضات، وجعلت من نفسها طرفاً لا وسيطاً فيها، وخصماً مريداً لا حكماً عادلاً، وفرضت وسطاء من جانبها هم أقرب في ولائهم وإيمانهم إلى الإسرائيليين من العرب عموماً ومن الفلسطينيين خصوصاً، واختارت من كبار موظفيها مبعوثين يهوداً أو من اليمين المسيحي المتطرف الذين هم أكثر صهيونيةً من الإسرائيليين أنفسهم، وأكثر حرصاً على كيانهم وأمنهم، وسلامتهم ومستقبلهم، وبذا فهي أبعد ما تكون عن العدالة والوسطية والمهنية والموضوعية والنزاهة، وآخر من تصلح أن تلعب دور الوسيط أو الراعي، إنها طرفٌ أكثر تطرفاً من الإسرائيليين أنفسهم، وأشد حقداً على العرب والفلسطينيين من الحركة الصهيونية نفسها.

تثبت وقائع المفاوضات السابقة ومحاضر اللقاءات العديدة أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة كلها كانت تخدم الكيان الصهيوني، وتسخر قدراتها السياسية والعسكرية والأمنية والعلمية وغيرها لمساندته وتأييده، وهي لا تمارس عليه أي ضغطٍ، ولا تطالبه بما يرفض ولا يرغب، بل تتبنى وجهة نظره، وتقاتل وفق خطته، وتشارك في وضع التصورات معه، وتمول مشاريعه وتساهم في أفكاره، وتضغط على الجانب الفلسطيني ليقبل بشروطه، ويخضع لرؤيته وتصوره، وغالباً تكون مقترحاتهم على حساب الشعب الفلسطيني، وضد مصالحه وأمنه ومستقبله وحقوقه ومقدساته، وتمس كرامته وحياة مواطنيه ووحدة أرضه ومستقبل وجوده.

ربما ران على قلوب بعض العرب والمسلمين سرابُ السياسة الأمريكية، فاعتقدوا عكس ما قدمتُ وبينتُ، وآمنوا بالولايات المتحدة الأمريكية راعيةً للمفاوضات وضامنةً للسلام، وبرروا لها مواقفها وتفهموا بعض سياساتها، حتى جاء قرار كبيرهم المشؤوم، وموقفه المشين باعتبار القدس عاصمةً للكيان الصهيوني، حيث منحهم من جديدٍ حقاً ليس لهم، والتزم أمامهم بما وعدهم به، وفاخر بأنه كان معهم أفضل من سابقيه، وأكثر صدقاً من أسلافه، الذين وعدوا ولم ينفذوا، وأعلنوا ولم يطبقوا، وهددوا ولم يصدقوا، ولكنه ينفذ ما وعد به، ويتبجح بأن ما قام به سيخدم السلام، وسيعجل في الوصول إلى اتفاقيةٍ ترضي كل الأطراف، وتحقق العدل المنشود والاستقرار المأمول.

كشفت الإدارة الأمريكية بقرارها الطائش عن وجهها الحقيقي، وبينت سوء نيتها وانحياز موقفها، ونأت بنفسها عن الحق والعدالة، وارتضت أن تصطف مع الاحتلال وأن تكون جزءاً منه، وأن تشرع له الاغتصاب والانتهاك والسرقة والاحتلال، وتنكبت للأمة العربية والإسلامية لها وأنكرت حقها وجحدت دورها، ونكصت على عقبيها إذ وعدت أن تكون على الحياد، وأن ترسي قواعد الحق والعدل في المنطقة، فإذا بها تضع للشر قواعد، وللفتنة أساساً، وترسي أسس صراعٍ ديني لن ينتهي، وتمهد لحروبٍ عقائديةٍ ستطال بنيرانها المنطقة كلها، وستزرع في الأرض ألغاماً ستنفجر بالجميع، ولن ينجوَ منها أحدٌ.

على الأمة العربية والإسلامية أن تدرك يقيناً أنها تخطئ كثيراً إذا عادت لتثق في الإدارة الأمريكية من جديد، ولعله سيكون من السفه والجنون أن تعيد تسليم الأوراق والملفات إليها، والخضوع لمندوبيها ومبعوثيها، وستكون جاهلةً إذا كررت مقولتها السابقة أن أغلب أوراق القضية بيد الولايات المتحدة الأمريكية، بل حريٌ بها أن تكون واعيةً وعاقلةً، وأن تكون مدركةً ويقظةً، فلا تلدغ من ذات الجحر للمرة الألف، فالولايات المتحدة الأمريكية قد اعتادت على لذغ العرب والمسلمين غدرهم، بل لا يعينها أمرهم، ولا تهتم لشؤونهم اللهم إلا بالقدر الذي تستفيده منهم، ويخدم مصالحها في بلادهم.

لا تشعر الإدارة الأمريكية بأي ندمٍ أو تأنيبِ ضميرٍ على ما فعلت وارتكبت، ولا تحاول التراجع أو تغيير موقفها، أو البحث عن محاولةٍ للتفسير أو التأويل، بل قد لا ترى نفسها قد أخطأت وتجنت، أو أنها اعتدت وظلمت، أو طغت وبغت، فهي تشعر أنها قامت بعملٍ عظيمٍ، وأتت فعلاً يبعث على الفخر، ويدفع على التيه والإعجاب، فهي لا تدس رأسها تحت التراب خجلاً وخزياً، ولعلها لا تصغي للناقدين، ولا تسمع ثورة الغاضبين، ولا تتابع انتفاضة المسلمين، ولا يعنيها اعتراض الكثيرين، فقد نفذت ما تريد وأوفت بما وعدت، وباتت تمني نفسها أن صبر العرب سينفذ وتضامن المسلمين سيتراجع، وإرادة الفلسطينيين ستضعف، وسيصبح القرار حدثاً من الماضي، وواقعاً مع الأيام حقيقة.

ينبغي على القيادة الفلسطينية كلها، سلطةً وفصائل وتنظيماتٍ وقوى، أن تحترم نفسها وأن تحافظ على كرامتها، وأن تحفظ أهلها وشعبها فلا تهينه ولا تسيئ إليه، وألا تظهره بمظهر الضعف والهوان أو الذل والصغار، وألا تعود إلى الأوهام الأمريكية ولا إلى سراب وعودهم وكذب عهودهم، وألا تقبل بوساطتهم أو رعايتهم، وعليها أن تكون قويةً وجريئةً، وصريحةً وواضحةً، وأن تكون على قدر المرحلة وبموازاة الرجال الذين يقاومون ويضحون، ويقدمون أغلى ما يملكون دفاعاً عن قضيتهم، فنحن قومٌ لا نستجدي حقوقنا، ولا نتوسل عدونا، ولا نطلب الوساطة من خصمنا، ولا نقبل المهانة على أنفسنا أو في ديننا، بل نغار على حقنا، ونثور في سبيل وطننا، ونضحي دفاعاً عن مقدساتنا.

- الفيتو الأمريكي صوتُ معزولٌ وقرارٌ مرذولٌ

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

سقوط مشروع القرار العربي الذي صاغته مصر في مجلس الأمن الدولي لا يعني الفشل أو الهزيمة في معركتنا من أجل القدس، وهو لا يعني أبداً اليأس والقنوط والاستسلام والخضوع، واستخدام الولايات المتحدة الأمريكية حق النقض "الفيتو" الممنوح لها دولياً لا يعني أنها انتصرت، كما لا يعني أنها على الحق وستنجح فيما ذهبت فيه أو تطلعت إليه، وانتهاء عملية التصويت داخل مبنى مجلس الأمن لا يعني انتهاء المعركة، أو طي صفحة المواجهة والقبول بالأمر الواقع الجديد، وأن نتيجة المعركة حاسمة وناجزة ولا يمكن تغييرها أو التأثير عليها، بل هي على العكس من ذلك تماماً، إذ فتحت الأبواب على معارك جديدة وخياراتٍ عديدة، فالمحاولات الدولية لإبطال القرار الأمريكي، وثني إدارتها عن المضي قدماً في تنفيذ إعلانها، ونقل سفارتها بالفعل إلى مدينة القدس المحتلة، لن تتوقف أو تتجمد، بل ستمضي قدماً، وستستمر بأشكال عدةٍ.

تدرك الولايات المتحدة الأمريكية التي أسقطت مشروع القرار في تحدٍ صارخٍ لمنظمة الأمن والسلم الدوليين، أنها ضعيفة في موقفها، ومهزوزة في سياستها، ومعزولة بقرارها، وأن أحداً لن يؤيدها أو يقف معها، وأن الأربعة عشر عضواً في مجلس الأمن الذين صوتوا ضدها، وأيدوا القرار الذي يدينها، ودعوها للتراجع عن قرارها والتزام الشرعية الدولية فيما يتعلق بمدينة القدس، ووجوب عدم اتخاذ أي قراراتٍ من شأنها المس بهذه المدينة أو التأثير على حالها، يتهمونها أنها التي تعطل القانون الدولي، وتتخذ قراراتٍ مخالفة لما يصدر عن مجلس الأمن الدولي، رغم أنها الدولة الأقوى في العالم، والتي يفترض أن تكون هي الحارسة على القوانين الدولية، والضامنة لتنفيذها والالتزام بها، وإلا فإنهم يعجلون في انهيار هذه المؤسسة الأممية الكبرى.

تعلم الولايات المتحدة الأمريكية أن حجتها التي أعلنت عنها مندوبتها في مجلس الأمن نيكي هايلي، حجةٌ ضعيفة أو هي كاذبة، وأنها ليست إلا لذر الرماد في العيون، والتأثير على المعارضين للقرار والمتظاهرين ضده، لثنيهم عن مواصلة المظاهرات والمسيرات، وحملهم على التريث والصبر، ومنحهم الفرصة الكافية للكشف عن صفقة القرن العامة، رغم أنها تعلم يقيناً أن هذا القرار الباطل الظالم لن يخدم أبداً عملية السلام، ولن يؤدي إلى استقرار الأوضاع في منطقة الشرق الوسط، ولن يكون مقدمةً لمشروع سلامٍ إقليمي يرضي الفلسطينيين، ويحقق لهم آمالهم والكثير مما يتطلعون إليه أو يتمنون الحصول عليه، وأنه لم يتخذ إلا خدمةً للمشروع الصهيوني، وتأييداً لأحلامهم وتنفيذاً لمخطاتهم.

لن يوقف الفشل في اتخاذ القرار المساعي الأممية والدولية، والفلسطينية والعربية والإسلامية خصوصاً، الساعية لإفشال القرار الأمريكي، والحيلولة دون قيام دولٍ أخرى بتقليدها واتباع سياستها، والاعتراف بالقدس عاصمةً للكيان الصهيوني، بل لعله يفتح الطريق أمام أفكارٍ جديدةٍ ومساعي مختلفة، تكون أدعى للنجاح والتوفيق، وأبعد عن الهيمنة والسيطرة الأمريكية، وبمنأى عن الفيتو المعطل، فالقدس كما القضية الفلسطينية قضيةٌ عادلةٌ، وجميع دول العالم تعلم مدى المظلومية التي يعيشها الفلسطينيون، وحجم المعاناة التي يلقونها من جانب سلطات الاحتلال الإسرائيلي، التي لا تنفك تقتل وتطرد، وتعتقل وتصادر، وتعتدي وتداهم وتعتقل.

الشارع الفلسطيني الذي كان يأمل أن تستغل الإدارة الأمريكية فرصة التصويت على مشروع القرار للتراجع عن اعترافها، والعودة إلى قيم الحق والعدالة، والنزول عن الشجرة التي صعد عليها رئيسهم المجنون، لم يفاجئ بما حدث في مجلس الأمن، ولم يصدم بنتيجة القرار، إذ هذه هي السياسة الأمريكية التي عهدها منذ العام 1948، حيث اعتادت الإدارة الأمريكية على حماية الكيان الصهيوني من أي إدانةٍ دولية أو استنكارٍ أممي، وقد لجأت عشرات المرات لاستخدام حقها في النقض "الفيتو"، فأبطلت قراراتٍ هامةٍ، وأجهضت مساعي إنسانية، وعطلت مشاريع كان من الممكن لها أن تنقذ المنطقة كلها وسكانها مما ألم بها من حروبٍ ومعارك، ولا فرق في هذه المسألة بين رئيسٍ أمريكي وآخر، فكلهم كان يهرب من المواجهة واستحقاقات الإدانة بعيداً عن الحق والعدل والإنصاف، إلى استخدام الفيتو ولو كان على حساب حياة السكان وأمنهم وسلامتهم، وأرضهم ووطنهم ومستقبل وجودهم.

يبدو أن الإدارة الأمريكية لا تشعر بحجم أخطائها، ولا تقر باعوجاجها، ولا ترى درجة انحرافها، ولا تقبل أن تصغي السمع لمن ينصحها ويصدقها، ولا يهمها كثيراً أن تكون وحيدة أو معزولة، وترى أن أعضاء مجلس المن الدولي قد أساؤوا لها وأخطأوا في حقها، إذ شككوا في نواياها، واعترضوا على مساعيها للسلام في المنطقة، وأساؤوا إلى رئيسها في أول خطواته الجادة في مسار السلام بين العرب والإسرائيليين، ولعل المندوبة الأمريكية في كلمتها أمام أعضاء مجلس الأمن كانت تهدد أكثر مما هي تهدئ أو تطمئن المجتمع الدولي.

يوماً بعد آخر تكشف الولايات المتحدة الأمريكية أنها طرفٌ في الصراع، وشريكٌ مع الاحتلال، وأساسٌ في الأزمة، وأنها أبعد ما تكون عن الوسطية والاعتدال، وآخر من يصلح للوساطة والرعاية وإدارة الحوار، وأنها تخدع العرب والمسلمين وتكذب على الفلسطينيين، ولا تفي بما تعهدهم به، ولا تنفذ ما التزمت به، وأنها فقط تنتظر الفرص المناسبة للانقضاض والتغيير، والعمل على تثبيت الكيان الصهيوني وضمان استمرار وجوده، وتخليصه من كل ما يهدد أمنه أو يعطل مشروعه، إذ هي الضامن لوجودهم والكفيل ببقائهم، وهي المتعهد بأمنهم والعامل الأساس في قوتهم وتفوقهم.

- أيقوناتُ المقاومة الخالدة ورموز الانتفاضة الباقية

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

كثيرون هم الفلسطينيون على مدار سنواتِ مقاومتهم الطويلة، وخلال مواجهاتهم الدائمة مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي وجيشه، وعناصر أمنه ورجال مخابراته، الذين حفروا أسماءهم في سجل الشعب المقاوم، وسطروا في سفره أعظم الملاحم، وحفروا بدمائهم وأرواحهم تاريخ شعبهم، وخلدوا بمواقفهم صفحاتِ عز وطنهم وصورَ مجدِ أبنائهم، ورسموا للأمة كلها بتضحياتهم العزيزة صورَ البطولة وأسطورة التحدي آياتٍ من العز والفخار، ما زالت باقية في الذاكرة، وخالدةً في التاريخ، يحفظها أبناؤهم ويورثها آباؤهم، ويعتز بها المقاومون، ويروي قصصهم الغيارى والمحبون، الذين يغبطونهم على ما صنعوا، ويتمنون أن ينالهم شرف ما قدموا، وأن يدركوا سنا الذين سبقوا، إذ علموا مكانتهم وخبروا فضلهم، وعرفوا أنهم بالنسبة لشعبهم وأمتهم مناراتُ هدى ونجومٌ في السماء.

حاتم السيسي ابن مخيم جباليا أول شهداء الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي خضبها بدمه، وشق طريقها باستشهاده، فحُفظَ اسمه وتخلد ذكره وذاع صيته، وسميت باسمه شوارع ومدارسٌ ومؤسساتٌ، وتسمى باسمه مئات المواليد، وما زال الفلسطينيون يربطون اسمه بالانتفاضة، ويعدونه نجمها الأول، وصاحب فضل السبق فيها، وإن تلاه شهداءٌ آخرون، وتبعه على ذات الدرب كثيرون، إلا أنه يبقى صاحب قصب السبق.

وكذا كان الفارس الصغير، الطفل البطل المغوار، العنيد الجريء، الصبي العملاق، فارس عودة الذي تحدى بحجرٍ دبابةً، وتصدى بصدره جيشاً، وعطل بعيونه آلياته، فأغضب العدو وأغاظه، وقزَّم بثباته جنوده وضباطه، وهز رتبهم ونجومهم، ومرغ بالتراب سمعتهم، إذ فضح تفوقهم، وكشف زيف قوتهم، وأخزاهم بصموده، وأربكهم بتقدمه، وما أوقفته الدبابة، ولا أرعبته فوهتها الضخمة، فما كان من العدو إلا أن أجهز عليه حنقاً، ونال منه حقداً، وقتله غيظاً وغضباً، ولكن فارس سيبقى في ذاكرة شعبه ووجدانه هو الفارس.

أما الطفلة إيمان حجو فلا يبدو أن فلسطينياً قادرٌ على نسيان صورتها أو تجاوز حادثها، وهي الرضيعة التي لا يحتمل جسدها شوكةً تشوكها، فكيف برصاصةٍ تخترق صدرها وتخمد أنفاسها، دون ذنبٍ اقترفته سوى أنها فلسطينية، وتنتمي إلى أمٍ فلسطينية، وترضع من صدرها حب فلسطين حليباً، وتنتسبٍ إلى شعبٍ مقاومٍ يناضل من أجل حقه، وعلى استعداد للتضحية بالكبير والصغير والطفل الرضيع من أجل وطنه ودفاعاً عن قدسه.

أما محمد الدرة فيكاد لا ينساه أحدٌ، ولا يقوى إنسانٌ على أن يغفل صورته، أو أن يصم آذانه عن ندائه أو استغاثات والده، فقد قتله جنود الاحتلال الإسرائيلي وهو بين يدي والده، وأمام عشرات وسائل الإعلام وكاميرات التصوير، التي سجلت آخر لحظاته، وصورت الرصاصات التي اخترقت جسده الصغير، وهو الطفل الصغير الذي لا يشكل خطراً على العدو سوى في وجوده وبقائه، وتجذره في الأرض وثباته في الوطن، قتلوه برصاهم ولكنه كما سيخلد في الجنة يوم القيامة، فقد خُلِّدَ في الدنيا، وأبقى الله على ذكره في الأرض، ورفع اسمه، ومجد شهادته حتى غدت للعالمين قصةً وحكايةً، وبات محمد الدرة اسماً علماً ونجماً سامياً لا يطويه الزمن ولا تتجاوزه الأحداث.

أما هدى غالية التي شهدت وهي طفلة لم تتجاوز العاشرة من عمرها استشهاد سبعةٍ من أفراد عائلتها أمام عيونها، منهم والدها الذي بكته وصرخت في وسائل الإعلام ليصوروا والدها المسجى أمامها وهي تناديه وتبكيه، إلى جانب خمسةٍ من أشقائها، اليوم تبقى غالية تواصل الحياة من بعدهم، وتحمل الراية وتصر على المضي على ذات الدرب، وإن كان فيها حتفها أسوةً بأهلها.

أما اليوم وخلال معركة الدفاع عن القدس، فإننا أمام رموزٍ جديدةٍ وأبطالٍ عظامٍ، لا يقلون عن السابقين، ولا يختلفون في بعضهم عن الشهداء الخالدين، فذاك مُقعَدٌ على كرسيه المتحرك يتنقل، شامخٌ من مكانه يقاوم، وعظيمٌ من موقعه يقاتل، لم تمنعه رجلاه المبتورتان عن الحركة، ولم تقعده حالته عن أخذ دوره بين المتظاهرين دفاعاً عن القدس، واستنكاراً لقرار ترامب المقيت، وقد كان يعلم أن قامته بلا رجلين قصيرة، وأنه قد لا يُسمعُ جنود الاحتلال صوته وهتافه، فاعتلى بقوةٍ تلةً عاليةً، ووقف فوق ربوةٍ مرتفعة، وبعالي الصوت صرخ في وجوه المحتلين، وبالحق الذي يسكنه نادى على العرب والمسلمين، وما كان يعلم أنه من مكانه فوق التلة شرق غزة سيسمع العالمين جميعاً صوته، وسيرفع بدمه وهو المقعد قضيته، وسيكون له دورٌ في الدفاع عن قدسه والمسجد الأقصى، إنه الشهيد إبراهيم أبو ثريا، الذي استهدفه جيش العدو في حرب عام 2008 على قطاع غزة بقذيفة دبابةٍ أدت إلى بتر ساقيه.

ولنا مع المقاومين الأحياء قصة ومعهم وقفة، فليست كل القصص تروى بالدم وتنسج بأنفاس الحياة، بل إن من المقاومين من يجعلون من أسمائهم علماً وهم أحياء، ويرسمون صوراً تفوق ما يرسمها الشهداء بدمائهم، كحكاية عهد البرغوثي، الطفلة التي لم تتجاوز السادسة عشر من عمرها، ولكنها استطاعت أن تجعل بجرأتها وثباتها وصمودها وعنادها، من نفسها رمزاً كبيراً وأمثولةً عظيمةً، وها هي اليوم أكبر من الجنود الذين داهموا بيتها، وأكثر شجاعةً من الضباط الذين اقتحموا بلدتها، ولعلها أشد ثباتاً من القضاة العسكريين الذين أرادوا استنطاقها، وحرصوا على إدانتها ومحاكمتها.

لكلِ مرحلةٍ نضاليةٍ رجالها وأبطالها، ولكل انتفاضةٍ فلسطينيةٍ رموزها وعناوينها، وعلاماتها ونجومها، وفي كل حربٍ وعدوانٍ تبرز أسماءٌ وتسمو عائلاتٌ، ويذهب آباءٌ ويبقى أبناءٌ أطفالٌ، يحفظون النسل، ويبقون على الذكر، ويحملون قصص المجد، ويصرون بعنادٍ على حمل الراية ومواصلة المسير، هؤلاء هم الذي يميزون المراحل بمقاومتهم، ويتركون أثراً بالغاً في نفوس شعبهم، ويغيظون العدو بعظيم فعلهم ورمزية مقاومتهم، ويثيرون نقمته بذيوع قصصهم وانتشار أعمالهم وتقليد أفعالهم، إذ يذكرهم الأهل ولا ينسونهم، ويذكرون مجدهم ويكررون قصصهم، ومنهم يتعلمون وبهم يقتدون وإلى مجدهم التليد يتطلعون، وهم جمعٌ كبيرٌ يصعب حصرهم، ولا يمكن لمتتبعٍ عدهم، لأنهم كثيرٌ على مدى الزمن وعلى طول المرحلة كلها، ولكن بعضهم قد طغى اسمه، وسما نجمه، وعلا ذكره، فبات نسيانه مستحيلاً مهما قُدُمت قصته ومضى زمنٌ على شهادته.

- الأمم المتحدة تنتصر لفلسطين وعاصمتها القدس

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

لم ينفع بلادها كعبها العالي ولا كلماتها الحادة، ولا لسانها السليط وألفاظها النابية، ولا تهديداتها المنافية للأدب والمخالفة لأصول الدبلوماسية، ولا خطاباتها العنجهية في مجلس الأمن والأمم المتحدة، ولا اطلالتها المستفزة ونظراتها العدائية، ولن ينفع الكيان الصهيوني زيارتها للقدس وساحة البراق، وولاءها المطلق له ودفاعها المستميت عنه، إذ لن تتحقق أمنية نيكي هايلي التي دستها بين جدران الحائط، ولا تلك التي تمتمت بها ورددتها، والأماني التي أسرتها، ولن تكون القدس عاصمةً للكيان الصهيوني، وإن وعدهم بها رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب، الذي ظن أن كلامه منزلاً، وأن حكمه مبرماً، وأن قراره لا يرد، وأنه سيد الكون الأوحد وحاكم العالم الأقوى، وأن كلمته هي الأولى والأخيرة، وهي التي تتمتع بالحصانة والسيادة فلا راد لها، ولا معارض لمفاعيلها.

ولن تنفعها ورئيسها الذي عينها في منصبها وأبدى إعجابه بخطاباتها، وأيدها في تصريحاتها وكررها نفسها بلسانه، أموالُ بلادهما وخزائن دولتهما، تلك التي يستخدمونها في استرقاق الدول واستعباد الحكومات والسيطرة على الشعوب، والهيمنة على المؤسسات واحتكار الشركات وإدارة الأعمال والاقتصاد والتجارات الخارجية، التي دمرت اقتصاد البلدان وأضرت بهياكلها الاقتصادية، وغيرت أنماط الحياة وسلوك المواطنين، لهذا فلن ترضخ لأموالهم الدولُ، ولن تصغي السمع لهم الشعوب والحكومات، حتى تلك الدول التي تتلقى منها الهبات والمساعدات، فإنها لم تقبل أن تكون عبداً عندها، ولا ترضى أن تكون عندها أجيرة بما تقدمه إليها من مساعدات أو بما تيسره لها من ديونٍ وقروضٍ وبرامج تنموية.

إنه يومٌ مشهود تلقت فيه الإدارة الأمريكية ورئيسها صفعةً قاسيةً، ولطمةً على الوجهين مهينة، ودرساً بليغاً لها من أغلب دول العالم، الفقيرة والغنية، الضعيفة والقوية، والبعيدة والقريبة، والمعادية والصديقة، والمسيحية والمسلمة، بأن سياستها مرفوضة وغير مقبولة، وأن دول العالم لا تقبل بما تمليه عليهم وتريده منهم، ولا ترضى أن تكون أداةً طيعة بيديها، تصوت تبعاً لتعليماتها وتؤيد مقترحات قراراتها، وتصمت عن تجاوزاتها وتسكت عن مخالفاتها، بل تريد من الإدارة الأمريكية أن تحترمهم وتقدرهم، وأن تأخذ برأيهم وتسمع لهم، فهم ليسوا قطيعاً يساق بالعصا وتحركه غريزة حب الطعام، بل هم دولٌ وشعوبٌ عريقة، لها كرامتها وتحرص على سيادتها، ولا تقبل أن تخضع للهيمنة أو أن تستعمر بالقوة.

لم تهزم الإدارة الأمريكية في الجمعية العامة للأمم المتحدة وحسب، بل سبقتها هزيمةٌ مدويةٌ أخرى في مجلس الأمن، لم يقلل من أثرها سقوط القرار بموجب قوانين مجلس الأمن المعمول بها، فقد صوتت معه ضد السياسة الأمريكية دولٌ حليفةٌ لها وتدور تاريخياً في فللكها ومنها بريطانيا، التي تؤيد الإدارة الأمريكية بصورة دائمة وتنسق معها، وتشترك معها في الكثير من السياسات والمشاريع والحملات العسكرية والتحالفات الدولية، ومع ذلك فقد أيدت بريطانيا ومعها ثلاث عشرة دولة أخرى القرار الذي يرفض أي تغيير أحادي في مدينة القدس، ويبطل مفاعيل القرار الأمريكي بالاعتراف بها عاصمةً للكيان الصهيوني.

لكن الإدارة الأمريكية التي نجحت في إسقاط القرار في مجلس الأمن، واستعرضت قوتها فيها وتباهت بالفيتو الذي تتمتع به، واطمأنت إلى أن القرار لن يمر، عجزت عن حماية سياستها في الجمعية العامة للأمم المتحدة عندما جردت من القوة والامتيازات، وأصبحت دولةً عادية كبقية دول العالم، ليس لها إلا صوتها الذي به تتساوى به مع جميع دول العالم الصغيرة والكبيرة، والضعيفة والقوية، ورغم توقعاتها أن تهديداتها ستغير النتيجة وستقلب التوقعات، إلا أنها الواقع عزلها، وأعداد المصوتين مع القرار فضحها، وأسماء الدول الصغيرة النكرة النائية التي لا يعرفها أحد قزَّمها، وأظهر عجزها وأبان انحيازها العنصري، ما يعني أن الزمن الأمريكي في انحسار، وأن التفرد واستعراض القوة وادعاء العظمة لن يفيدها كثيراً في بسط نفوذها وتعميم سياستها.

ستبقى الإدارة الأمريكية على موقفها السلبي، ولن تتراجع عن قرارها الخاطئ، خاصةً في ظل رئيسها الأهوج الغريب التصرفات، المسكون بالقوة والعظمة، والمتصرف في البيت الأبيض كرجل أعمالٍ يصف نفسه دائماً بأنه عنيد وقوي، وأنه يكره الفشل ولا يحب الخسارة، ولهذا فقد نسمع منه بعد هذه النتيجة المدوية المؤيدة لفلسطين والفاضحة للسياسة الأمريكية، قراراتٍ جديدةٍ قد تكون أكثر سوءاً وأشد قبحاً وأوسع انتشاراً، في محاولةٍ منه للانتقام من الفلسطينيين وممن أيدهم ووقف إلى جانبهم، وصوت لصالحهم ضد قراره، ولعله سيلجأ إلى خطواتٍ انتقامية عنصرية، ومنها تجميد التزامات الولايات المتحدة الأمريكية المالية تجاه الأمم المتحدة ومؤسساتها، وكذلك وقف المساعدات والمعونات لبعض الدول التي تتلقى دعماً مالياً مباشراً منها.

بعد قرار الأمم المتحدة وحالة العزلة النسبية التي دخلت فيها الولايات المتحدة الأمريكية، لن يكون من السهل على الإدارة الأمريكية أن تعود لرعاية المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وأن تكون طرفاً وسيطاً نزيهاً حكماً عدلاً بين الطرفين، ولن يصدق أحدٌ ما قالته نيكي هايلي على منصة الأمم المتحدة، من أن هذا القرار الذي اتخذه رئيسها إنما هو لخدمة العملية السلمية، والدفع بها إلى الأمام، وهذا القرار لا ينفي حل الدولتين، ولا يقف أمام مقترحات الطرفين خلال عملية التفاوض المباشرة.

دوماً تنتصر فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتقف دول العالم إلى جانبها، التي تعاني من الصلف الأمريكي وتشكو من سياستها العنصرية، لأنها تعلم أن فلسطين على حق، وأنها تواجه عدواً شرساً وتعاني من احتلالٍ مريرٍ، وشعبها مظلومٌ مضطهد، يعاني من الاحتلال ويقاسي من ممارساته، ومن حقه أن يكون له كبقية شعوب العالم دولته المستقلة، والقدس عاصمتها التاريخية.

- تباً لترامب على شنيعِ جرمِه وشكراً له على جميلِ صنعِه

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

هل يشكرُ أحدٌ عدوَه ويعترفُ له بالفضل والعرفان، ويدين له بالتقدير والامتنان، أم تشكر الضحيةُ جلادَها وأصحابُ الحق مغتصبيه وملاكُ الأرض محتليها، أم يشكر المظلومون ظالمهم الذي يتآمر عليهم ويعمل ضدهم، ويعفو أهلُ القتيلِ عن قاتلهم، ويسامحُ أصحابُ الحق ناهبيه وسارقيه منهم.

هذا لعمري أمرٌ عجيبٌ وفعلٌ غريبٌ ليس له في الزمان مثيلٌ، لا يقوم به عاقلٌ، ولا يلجأ إليه إلا غِرٌ جاهلٌ أو سفيهٌ أحمقُ ، أو أن يكون فاعله قد استمرأ الذل ورضي بالهوان، واستعذب الاستعباد واستعصى على الرفض والعناد، وأبى المقاومة والجهاد، فرضي أن يكون تبعاً أو أن يعيش عبداً، وقَبِلَ أن يستحسن لعدوه القبيح، ويرضى منه بالبشع الشنيع، ويصفق له ابتهاجاً صدقاً أو نفاقاً إذا قال أو فعل، ولو كان في قوله فاحشاً أو في فعله ظالماً، أو كان في سلوكه سفيهاً وفي عقله مريضاً.

لكن الشعب الفلسطيني العزيزُ القويُ، الشريفُ الأبيُ، الشجاعُ المقدامُ، الجريءُ الهمامُ، المنتمي إلى العروبة والإسلام، والمعتز بقطز وصلاح الدين والقسام، الذي سلك طريق المقاومة وخبر مسار القوة، وعرف معنى العزة وعاش في ظلال الكرامة، واستعصم بكبرياء المقاومة ونال شرف القتال، وتمسك بالانتصار وأبى الذل والصغارَ، وأصر أن يحيى حياة الأبطال وأن يعيش عيش الكبار، ولم يعط طيلة سنوات نضاله الطويلة الدنية في حقه ووطنه، وبقي صامداً حتى في سجنه ومعتقله، وثابتاً رغم ضعفه وحصاره.

هذا الشعب العظيم قد شكر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي استعداهم واعتدى على حقوقهم ومستقبلهم، وتطاول على حرماتهم ومقدساتهم، وتآمر مع عدوهم واتفق عليهم معه، ودعمه وسانده، وأيده وناصره، وسمى القدس عاصمته، ونقل إليها سفارته، وهو يعلم أنه بهذا الفعل إنما يعتدي على الشعب الفلسطيني كله، ويتطاول عليه وعلى حقوقه، ويمس قيمه ومبادئه وثوابته، ويرتكب بقراره الأهوج جريمةً جديدةً في حق الشعب الفلسطيني تضاف إلى سلسلة جرائمهم، وكأنه بلفورٌ مشؤومٌ آخرٌ، وكتابٌ أسودٌ جديدٌ.

بالتأكيد فإن الشعب الفلسطيني لم يشكره على جريمته، ولم يحمده على سوء فعلته، بل دانه واستنكر قراره، ووصفه بأبشع الصفات ونعته بأرذل النعوت، لكنه شكره إذ ميَّزَ بعجرفته وسفاهته وكبريائه وصفاقته بين الغث والسمين وفرز القمح عن الزوان، وغربل العالم كله بين صديقٍ وعدوٍ، وصادقٍ وكاذب، ووفيٍ ومنافق، وفضح أنظمةً ادعت وقوفها مع الشعب الفلسطيني ونصرتها لقضيته، وكشف زيف بلدانٍ تآمرت معه ونسقت وإياه، وكانت تعلم بفعلته يقيناً وطمأنته عليها لئلا يحاف من عواقبها، وضمنت له ضبط الشارع وردع المواطنين، ومنع التظاهر ووضع حدٍ للمسيرات والاحتجاجات المناهضة لسياسته والمعارضة لقراره.

يشكر الفلسطينيون ترامب على حمقه وجنونه لأنه كشف عن حقيقة مواقفه وأصل سياسته، وأسفر عن نواياه الرافضة منح الفلسطينيين حقوقهم، وتمكينهم في بلادهم وعلى أرضهم، وانقلابه على مسار التسوية وتراجعه عن حل الدولتين، وتخليه عن دور الوساطة والرعاية، إذ لم يعد بقراره وسيطاً نزيهاً وحكماً عدلاً بين الخصوم والأطراف، وبذا حكم على نفسه بالانحياز وعدم الأهلية، وأخرج نفسه من معادلة الصراع في منطقة الشرق الأوسط، وأخلى الطريق لقوى عظمى أخرى لتلعب أدواراً أفضل وأصدق، وأكثر نزاهةً وأحرص عدلاً.

ويشكر كثيرٌ من الفلسطينيين ترامب على قراره لأنه نعى إلى العالم كله العملية السلم وأعلن موتها، ومشى قبل الجميع في جنازتها قبل الإعلان رسمياً عن دفنها وإهالة التراب عليها، فأضعف بذلك فريقها وفض المؤيدين من حولها، وجعل من الصعب استئنافها أو بعث الحياة فيها من جديد، وبذا لم يعد هناك ثمة فرصة لنجاح عملية التسوية، كما لم يبق مؤيدون لها أو مؤمنون بها، وبهذا أحيا قرارُ ترامب الخائبُ الخيارَ العسكري، وأعاد إليه الحياة من جديد وجعل الرهان عليه ناجحاً، الأمر الذي من شأنه أن يعزز المقاومة وأن يعلي من قيمتها، ويزيد من عدد المؤيدين لها والمتمسكين بها.

ويشكرونه أنه عجل في عزل بلاده وإقصاء إدارته وتهميش دورها، فقد تسبب ترامب بقراره في عزل الولايات المتحدة الأمريكية وشل قدراتها الدبلوماسية والسياسية، وتخلي العديد من دول العالم عنها بما فيها دول الحلفاء الصديقة للولايات المتحدة الأمريكية، والمتعاونة معها في مشاريع الحرب والسلام، التي عارضت قراره، ودعته إلى التراجع عنه وعدم تنفيذه، وكما أظهر مشروع قرار مجلس الأمن الدولي وقوف الولايات المتحدة الأمريكية وحيدة أمام أعضاء مجلس الأمن الخمسة عشر، فإن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أهان الإدارة الأمريكية، وحشرها سياسياً في زاويةٍ ضيقةٍ مع سبعة دولٍ مجهريةٍ نكرة لا يعرفها أحد، وليس لها أي أدوار دولية أو إقليمية.

استطاع ترامب بكلماته وخطاباته المباشرة أو على لسان مساعديه ومندوبيه، أن يستفز دول العالم وأن يهينها، وأن يساومها ويضغط عليها، إذ هدد الدول الفقيرة وتوعد الدول الضعيفة، وأعلن الحرب على الأمم المتحدة وعلى المؤسسات الدولية التابعة لها، فأظهر عدوانية بلاده وعدم أخلاقية سياستها، إذ توعد المعارضين لقراره بعقوباتٍ قاسية وردودٍ موجعة، ووعد المؤيدين لقراره أو المتغيبين عن الجلسة والممتنعين عن التصويت بحوافز ومكافئات، وبهباتٍ ومساعداتٍ.

لهذا كله وغيره يشكر الفلسطينيون ترامب على غبائه، ويقدرونه على وضوحه وصراحته، ويرون أنه ساعدهم على إعادة الثقة بأنفسهم، والاعتبار إلى قضيتهم، واستعادة الوحدة بينهم، ولعله ما أراد هذه النتيجة وما كان يتمناها وقد صدمته مظاهرها وأقلقته تداعياتها، ولو علم أنه سيخدم بقراره العنصري الفلسطينيين وسيضر بالكيان الصهيوني ومعسكره ما أقدم عليه، لكن ما الذي يمنع أن يتسبب غبيٌ في هزيمة بلاده، أو مجنونٌ في خراب أوطانه، أو معتوهٌ في انهيار بنيانه، اللهم إلا الجهل والغباء والعناد الذي دفعه لارتكاب هذه الحماقة وخوض غمار هذه المواجهة.

- أفيخاي أدرعي يغضب للأطفال ويغار على بابا نويل

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

لا يترك أفيخاي أدرعي الناطق الرسمي باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي فرصةً إلا ويحاول أن يتسلل من خلالها، بانتهازيةٍ وخسةٍ ونذالةٍ، ووقاحةٍ وصفاقةٍ وقلة أدبٍ، ليطعن في الشعب الفلسطيني ويسيئ إليه، أو يوجه إليه النقد ويحرض المجتمع الدولي عليه، وهو المعروف بسلاطة لسانه وبذاءةِ ألفاظه وفحش كلماته، فتراه يعلق على كل الأحداث الفلسطينية والعربية جلها ودقيقها، وكبيرها وصغيرها، عامها وخاصها، ويساعده في ذلك إتقانه الجيد للغة العربية، ووفرة المعلومات لديه، وجاهزية منصات التواصل الاجتماعي المسخرة له، إذ يعمل عنده ومعه فريقٌ كبيرٌ من المهتمين والمتطوعين الإسرائيليين، الذين يزودونه بالمعلومات، ويمدونه بالمعطيات والبيانات، ويوفرون له ما يحتاج ليكون على اطلاعٍ تامٍ بالمواضيع المثارة، وبالقضايا محل التعليق والنقاش.

لم يغب أفيخاي أدرعي عن ساحات التواصل الاجتماعي منذ ما قبل إعلان الرئيس الأمريكي ترامب عن قراره حول القدس، إذ اعتاد أن يظهر ساخراً مستهزئاً، ومتهكماً ناقداً، دون مراعاةٍ لحرمة شهيدٍ أو مكانة قائدٍ أو رمزيةِ زعيمٍ، أو تقديرٍ لظرفٍ واحترامٍ لمناسبةٍ، في محاولةٍ منه للتأثير على الروح المعنوية لدى الفلسطينيين، والحط من قدراتهم والحد من اندفاعهم، والتقليل من حجم مشاركاتهم في المظاهرات والمسيرات، وفي الاشتباكات والمواجهات، إذ أغاظته تباشير الانتفاضة الفلسطينية، وأقلقته حالة التلاحم والتماسك الشعبية، وحجم الانتشار ودرجة التمدد الواسعة في الأحداث، واشتراك مختلف الفئات وأغلب الطاقات في الأحداث الجارية احتجاجاً ورفضاً لقرار ترامب، الذي يوشك أن يسقط أمام الهبة الجماهيرية العربية والإسلامية الشاملة، وأمام الإجماع الدولي المعارض لقراره والرافض لسياسته.

يبدو أن أفيخاي أدرعي الذي يقتل جيشه الأطفال ويغتال البسمة من على شفاههم، ويعتقلهم أمام وسائل الإعلام وينكل بهم، ويضربهم ويبطش بهم ويؤذيهم، ويقدمهم للمحاكمة ويصدر في حقهم أحكاماً بالسجن قاسية وبالغرامات المالية الباهظة، والشواهد على جرائمه بحق الأطفال الفلسطينيين كثيرةٌ وعديدة، وما حادثة اعتقال الطفلة عهد التميمي ببعيدة، فقد داهمت جحافلٌ من جنود جيش الاحتلال بيت عهد، وساقوها وأمها إلى مراكز الاعتقال، رغم أنها ما زالت بموجب كل القوانين الدولية طفلةً صغيرة، ينبغي عدم المساس بها أو الاعتداء عليها، ولا يحق اعتقالها كما لا تجوز محاكمتها.

غضب أفيخاي أدرعي غيرةً على الأطفال الفلسطينيين، وحرصاً على براءتهم المستباحة وحقهم في الاستمتاع بطفولتهم، وطالب بحمايتهم وعدم الدفع بهم الأماكن الخطرة، حيث المواجهات والاشتباكات، ودعا إلى محاسبة المسؤولين عنهم، الذين يدفعونهم ويحرضونهم ويعرضون حياتهم للخطر، كونهم يؤثرون على نفسية الأطفال ويحرفونها عن طبيعتها البريئة، ويحولونهم إلى إرهابيين يحبون العنف ويميلون نحو التطرف، فيدا في غضبته بريئاً صادقاً، وكأنه جيش كيانه لا يقتل أطفالنا، ولا يحرمهم من طفولتهم البريئة، ولا يصادر حقوقهم المنصوص عليها في مختلف الشرائع والنظم.

وها هو اليوم يستشيط غضباً أكثر، ويعلن عن انزعاجه الشديد، ويغرد غاضباً لأن فلسطينيين غاضبين للقدس وثائرين لأجلها، يحبون وطنهم ويعشقون أرضه ويضحون في سبيل مقدساته، قد لبسوا زي بابا نويل في أيام عيد الميلاد المجيد، ونزلوا إلى الساحات والميادين لمواجهة جنود جيش الاحتلال وقطعان مستوطنيه، فأبدى أدرعي غيرةً على رمز السلام وعنوان المحبة، المحب للأطفال والعاشق لبراءتهم، إذ كيف يتقمصون هيئة بابا نويل ويظهرون بصورته المعروفة وبثيابه البيضاء والحمراء المميزة، ويقومون بإلقاء الحجارة على جنود جيشه، ويشتبكون معه في المدن والبلدات، فيفسدون بذلك مهمته ويشوهون صورته، ويلحقون الضرر بنفوس الأطفال الفلسطينيين الذين ارتبطت ذاكرتهم ببابا نويل رمز السلام المحب للخير وحامل الهدايا، فإذا به يتحول إلى رمزٍ للإرهاب، يستهدف حياة جنود جيش كيانه ويعرضها للخطر، بدلاً من أن يحمل إلى تباشير السلام ورسائل المحبة وهدايا الأعياد.

مجرمٌ هذا الرجل وجيشه، وقاتلٌ هو وحكومته وشعبه، وباطلٌ ما يقول هو وأجهزته، وعجيبٌ أمره وأعوجٌ منطقه، إذ كيف يغار على الأطفال ويخاف على نفسيتهم، بينما يقوم جيشه بقتلهم أو اعتقالهم، ولا يتردد جنوده في ضربهم وتعذيبهم والتنكيل بهم، ولعل وسائل الإعلام تفضحهم وتكشف حقيقتهم، عندما تعرض صوراً لعشرات الجنود وهم يحيطون بطفلٍ صغيرٍ يقودونه إلى المعتقل، أو يتناوبون على ضربه وركله ورفسه ولكمه، ولعل معتقلاتهم تشهد على مئات الأسرى الأطفال القابعين فيها، وسجلات الشهداء تثبت أسماء مئات الشهداء من الصبية والأطفال والرضع، الذين قتل كثيرٌ منهم دهساً أو حرقاً أو قنصاً بدمٍ باردٍ.

شكراً لك أفيخاي أدرعي، نحن في غنىً عن غيرتك وغضبك، ولا نريد منك أن تخاف على أطفالنا أو تقلق على مستقبلهم، فأنت دعيٌ كاذب، وانتهازيٌ مخادعٌ، وخبيثٌ فاسدٌ، ترتكب وجيشك كل الموبقات وأسوأ المحرمات وأكثر الجرائم فحشاً وقبحاً، ثم تثور غضباً لأجلنا وغيرةً علينا، كأنك مبرأٌ من كل جرمٍ، وطاهرٌ من كل ذنبٍ، فهذا لعمري ليس إلا مكرٌ مكرتموه في كيانكم، ومؤامرةٌ حبكتم خيوطها ضد شعبنا ومقدساتنا، وهو ما لا ينطلي علينا أبداً.

لهذا نحن في غنىً عن نصحك يا أدرعي، ولسنا في حاجةٍ إلى توجيهاتك وإرشاداتك، وكل ما نريده منك أن ترحل أنت وجيشك ومستوطنوك عن أرضنا، وأن تغادروا وطننا، وأن تتركونا وشأننا، وتنسوا وساوسكم في قدسنا، وتتخلوا عن أساطيركم في بلادنا، وخرافاتكم في وطننا، وتكفوا عن رواياتكم الضالة وأفكاركم المنحرفة، ولتنصحوا ترامب ومن معه أن يتراجع عن فعلته، وأن يتوقف عن لعبته، وألا يمضي قدماً في سياسته، فهذه الأرض لنا، وهذه القدس مدينتنا وعاصمة دولتنا، قبلتنا الأولى ومسرى نبينا ومعراج رسولنا، عربية الوجه إسلامية الهوية كانت وستبقى.

- أعيادُ الميلادِ المجيدةُ أيامٌ في فلسطين حزينةٌ

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

إنها ليلة عيد الميلاد المجيدة، وإنها مدينة بيت لحم العتيدة، مهد السيد المسيح عليه السلام، المدينة التي ولد فيها رسول المحبة السلام، وإنها شجرة الميلاد الضخمة تنتصب على مداخلها، ومصابيح الزينة التي تضفي على المكان سيما الفرح وعلامات الاحتفال، وفرقٌ فنية وكشفية قد وفدت إلى المدينة وقريباً من كنيسة المهد لإحياء هذه الليلة العظيمة، والمشاركة في إحياء طقوسها السنوية، وقساوسةٌ ورهبانٌ وبطاركةٌ قد تهيأوا لهذه الليلة، وأعدوا لها عدتها، وإن كان القلق يسكنهم والخوف يسيطر عليهم، فالعدو يترقبهم ويتربص بهم ويضيق عليهم، ولا يريد لهم أن يحيوا طقوس هذه الليلة العظيمة.

وجموعٌ غير غفيرةٍ جاءت من أكثر من مكانٍ في فلسطين، أعدادها قليلة، وفئاتها واحدة أو متشابهة، والمناطق التي جاؤوا منها محدودة، وأعدادٌ أقل من السياح والحجاج غير الفلسطينيين، جاؤوا إلى المدينة على استحياء ودخلوها بليلٍ خائفٍ وقلقٍ كبيرٍ، فخلت لقلة عدد الحجاج والسياح والزوار والمسيحيين الفلسطينيين ساحة المدينة، التي اعتادت أن تحيي هذه الليلة كل عامٍ، إذ نصبت سلطات الاحتلال الإسرائيلي الحواجز على مداخل المدينة وبالقرب من ساحتها، وكأنها تتعمد إفشال الاحتفال، ولا تريد أن يشارك فيه جموعٌ شعبية أو أجنبية حاشدة، وكأنها تحارب المسيحيين في أعظم مناسباتهم، وتضيق عليهم في أقدس أيامهم، وتعتدي عليهم في أعظم الليالي عندهم.

يدرك المسيحيون الفلسطينيون أن فلسطين في خطر، وأن القدس تتعرض للمؤامرة، وقد شكت بالأمس من قرار ترامب الجائر بحقها، الذي استهدف به الفلسطينيين جميعاً، المسلمين والمسيحيين وهم سكان الأرض وأصحاب الحق، فآثر القائمون على احتفالات ليلة الميلاد المجيدة أن تقتصر احتفالاتهم لهذا العام على الطقوس الرسمية، والاكتفاء بصلاة منتصف الليل، وإلغاء كافة مظاهر الاحتفال العامة، تعبيراً عن غضبهم الشديد لما أقدم عليه الرئيس الأمريكي، واستنكاراً للسياسة الأمريكية بحق هذه المدينة المقدسة وأهلها.

لن يغفر السيد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، ولا المسيحيون الصادقون وأتباعه المخلصون، في ليلة عيد الميلاد المجيدة وفي هذه الأيام المباركة، ما أقدم عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فقد ارتكب جرماً كبيراً، واستحق بفعلته الشنيعة الطرد والإقصاء والحرمان والعقاب، إذ اقترف بحق المسلمين والمسيحيين معاً ذنباً يصعب غفرانه، ولا يمكن التطهر منه بالاعتراف فقط، ولا يقبل كهنة الكنيسة أن يتستروا على جريمته، أو أن يسكتوا على معصيته، بل يطالبونه قبل الاعتراف أمامهم بالتراجع والندم، وسحب الاعتراف والكف عن مناصرة الباطل والوقوف إلى جانب الظالم، فالسيد المسيح عليه السلام، وأتباعه المسيحيون الذين آمنوا به واتبعوه، وصدقوه وناصروه، لا يقبل أن يكون أتباعه ظلاماً من بعده، ومفسدين في الأرض وهم يحملون اسمه، بل يدعوهم إلى حمل رسالة السلام التي جاء بها، وإقرار العدل الذي نادى به.

اليوم فلسطين تتوشح السواد، ويلفها الحزنُ، ويسكنها الألم، وينساب منها الوجع، وتنعب بالدماء جراحها، ويسقط على الأرض شهداؤها، ويتنادى للدفاع عن قدسها شبابها وشيبها ونساؤها، وتنتابها موجات من الغضب، ومسيراتٌ صاخبةٌ، ومظاهراتٌ حاشدةٌ، واشتباكاتٌ دائمة، وحالةُ ثورةٍ كامنة، والمسيحيون في فلسطين جزءٌ من هذا الوطن وبعض نسيجه، كنسيتهم مستهدفة، ومهد رسولهم مستباحٌ، وأوقافهم تصادر وحقوقهم تغتصب، وأبناؤهم يقتلون ويطردون، ويضطهدون ويعذبون، ويحرمون ويعاقبون، شأنهم شأن إخوانهم المسلمين، الذين يشتركون معهم في الهوية والوطن، ويسكنون وإياهم الأرض والديار.

الإسرائيليون يهينون المسيحيين جميعاً لا الفلسطينيين وحدهم، ويسيؤون إليهم في كل مكانٍ، يقتلون إخوانهم، ويعتدون على مقدساتهم، ويضيقون عليهم في أعظم مناسباتهم، ويحرمونهم من أبسط حقوقهم، لهذا فإن مسيحيي فلسطين والدول العربية يحملون مسيحيي أوروبا وأمريكا وغيرهم من المؤمنين بالسيد المسيح عليه السلام، المنتشرين في كافة أصقاع العالم وينتسبون إليه، ممن يملكون القوة ويسيطرون على القرار الدولي، المسؤولية عن احتلال مدينة مهد رسولهم، التي يدنسها العدو الإسرائيلي بجنوده، ويجوس فيها مستوطنوه خراباً وفساداً، ويطالبون إخوانهم المسيحيين الأقوياء أن ينتصروا لهم، وأن يقفوا إلى جانبهم، وأن يدافعوا عن حقوقهم، ويحموا أبناءهم ومقدساتهم، وألا يتركوهم فريسةً سهلة بأيدي سلطات الاحتلال التي تنكل بهم ولا ترحمهم، ولا تفرق في عدائها لهم بين مسلمين أو مسيحيين ما داموا جميعاً يداً فلسطينية واحدة.

إننا نحن المسلمين والمسيحيين في فلسطين المحتلة، لا نحلم بالمستحيل ولا نتمنى العدم، ولا نرجو ما لا نستحق، ولا نطلب ما ليس لنا، ولا نعتدي على غيرنا ولا نفتري على سوانا، بل نريد أن نعيش كغيرنا من الشعوب والأمم في كنف دولتنا وتحت راية علمنا، وفي ظل بلادنا وعلى أرضنا وتراب وطننا، أسوةً بغيرنا من الشعوب التي تنعم بأوطانها، وتتمتع بخيرات بلادها، فهذه الأرض المقدسة بالرسل والأنبياء أرضنا، وقد كانت لنا وستعود إلينا وستبقى إلى الأبد لنا، فهي مهد المسيح عليه السلام، كلمة الله التي ألقاها إلى مريم، وفيها بيت لحم والناصرة البقاع الأكثر قداسةً للمسيحيين، وفيها المسجد الأقصى مسرى رسول الله محمد صلي الله عليه وسلم ومعراجه، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.

حزينةٌ هي فلسطين هذا العام كما كل الأعوام التي سبقت والسنين التي مضت، إلا أن تتحرر من ربقة الاحتلال وسرطان الاستيطان، ويرحل عنها الغاصبون لها والوافدون الغرباء عنها، وتستقل بدولتها وتستعيد سيادتها على كامل أرضها التاريخية، ويعود أهلها إليها من شتاتهم وشعبها من لجوئهم، وتكون لهم فيها دولتهم المستقلة، والقدس عاصمةً لها بوجهها العربي الأصيل وثوبها الفلسطيني القشيب، يرفرف في سمائها ويرفع فوق الساريات والتلال العالية علمها، وبذا تفرح في أعياد الميلاد المجيدة، وتحتفل فيها وتزدان، وتحتفي بها وتختال، وتتزين شوارعها استقبالاً لها، وتبتهج ميادينها سعادةً بها، وتكون أعياد الميلاد المجيدة فيها أعياداً عامةً وأياماً وطنيةً، يفرح فيها الجميع في ظلال الحرية والاستقلال، وتتحد فيها الكنسية والمسجد معاً على شعارٍ واحد، يتردد صداه في القدس وبيت ولحم، وفي الخليل والناصرة، وفي المسجد الأقصى وكنسية القيامة، القدس عربية عاصمة فلسطين الأبدية.

- إسرائيل وأمريكا تنسحبان من المنظمات الدولية وفلسطين إليها تنتسبُ

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

أصيبت الولايات المتحدة الأمريكية ومعها دولة الكيان الصهيوني بالسعار والجنون، بعد الصدمة التي شكلها التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة ضد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي مس قداسة القدس ومكانتها، وهدد مستقبلها وعبث بهويتها الحضارية والدينية، وقرر نقل ملكيتها اعتباطاً وتغيير سيادتها ظلماً، عندما اعترف بها عاصمةً موحدةً للكيان الصهيوني، وقرر نقل سفارة بلاده إليها، دون مراعاةٍ للحق أو التزامٍ بالقانون، ولكن تصويت أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة بالغالبية العظمى ضد قراره، وتأكيدهم على الاحتفاظ بوضعية المدينة المقدسة وعدم المساس بها، التزاماً بالقرارات السابقة لمجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، أحرج الإدارة الأمريكية وعزلها، وانتقد السياسة الأمريكية وحشرها، إذ لم يقف معها غير سبعة دولٍ مجهريةٍ لا تكاد تبين ولا يعرف باسمها أحدٌ بالإضافة إليها والكيان الصهيوني.

استشاطت الحكومة الإسرائيلية غضباً وأصيبت بالخبل والذهول، وخرج الرئيس الأمريكي ترامب عن طوره، وبدأ يصرخ ومندوبته في الأمم المتحدة دون وعيٍ وإدراك، وبلا تمييزٍ وتقديرٍ، وصار يتخبط في تصريحاته المتضاربة كالغِر عديم الخبرة، وكالجاهلِ فاقدِ المعرفة، وتبعه رئيس حكومة الكيان وأعضاء حكومته في هستيريا عنيفة، وحمى شديدة الوطأة، أدخلتهم جميعاً في حمأةٍ آسنةٍ أربكتهم، وفي فوضى عارمة أفقدتهم التوازن والتركيز، إذ هددوا الدول والحكومات التي أيدت القرار وعارضت الإرادة الأمريكية والرغبة الإسرائيلية، بقطع المساعدات عنهم، ووقف تمويل مشاريعهم، ومعاقبتهم بشدة على سلوكهم، وعدم التهاون في التعامل معهم.

وامتدت التهديدات الأمريكية والإسرائيلية المجنونة، التي حملت شبهة الثأر والانتقام والعقاب والقصاص، لتطال المؤسسات الدولية والمنظمات الإقليمية ومؤسسة الأمم المتحدة، حيث تهكم الطرفان بهذه المؤسسات، واستخفوا بجديتها، واتهموها بالتبعية والذيلية، وأنها منحازة وغير عادلة، وأعلنا نيتهما الانسحاب من بعضها، وعدم تمويل الأخرى منها، وأكد الرئيس الأمريكي عزمه تقليص مساهمة بلاده في ميزانية الأمم المتحدة، التي وصفها بأنها نادي العاطلين، واعتبر أن قراراتها غير مسؤولة، ولا يجب الإصغاء لها أو الاهتمام بها، وهي نفس الشعارات التي رفعها إبان حملته الانتخابية الرئاسية، والتي أكد أنه سينفذها في حال فوزه، وما نراه اليوم ليس إلا ترجمةً دقيقة لشعاراته الانتخابية التي هي ثوابته السياسية.

أما حكومة الكيان الصهيوني فقد كانت قبل القرار غاضبةً جداً من منظمة التربية والعلوم والثقافة "الأونيسكو"، التي سبق لها أن أصدرت أكثر من قرارٍ يدين الكيان الصهيوني، وينفي السيادة اليهودية على الأماكن المقدسة في مدينة القدس، في الوقت الذي أكدت فيه السيادة الفلسطينية عليها، الأمر الذي أغضب الإسرائيليين وأزعجهم، فأطلقوا سلسلة من التصريحات المنددة بهذا القرار، والرافضة لسياستها، وأكد رئيس حكومتهم نيته الانسحاب منها وعدم المشاركة في اجتماعاتها ولقاءاتها الدورية، أسوةً بقرار الإدارة الأمريكية الذي قضى بالانسحاب من عضوية الأونيسكو، والذي وصفه نتنياهو بأنه قرارٌ أخلاقي شجاعٌ وجريءٌ.

تكرر موقف الحكومة الإسرائيلية نفسه مع منظمة اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا التابعة للأمم المتحدة "الأسكوا"، التي أصدرت رئيستها ريما خلف تقريراً يصف ممارسات سلطات الاحتلال بالعنصرية، ويطالب بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وتمكين أهلها من تأسيس دولتهم وتقرير مصيرهم، ورغم إصرار الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريوس على سحب التقرير والتراجع عنه، إلا أن التهديدات الإسرائيلية والأمريكية للمنظمة التي خضعت لها واستجابت لشروطها وسحبت تقريرها بقيت على حالها، ولم يخفف منها إلغاء التقرير واستقالة المديرة التنفيذية العامة، الأمر الذي يشير إلى تفاقم الانحياز الأمريكي المطلق لصالح الكيان الإسرائيلي في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب.

يبدو أن الإدارة الأمريكية ومعها حكومة الكيان الإسرائيلي سيمضيان قدماً في مشروع الانسحاب من المنظمات الدولية، وتقليل الاعتماد على منظمة الأمم المتحدة، وعدم اللجوء إليها أو القبول باللجوء إليها لحل أي مشكلة دولية، والاكتفاء بالمواقف السيادية لها، التي تعتمد على القوة والنفوذ في فرض القرارات التي تريد، وتمرير السياسات التي ترى وجوبها، وذلك لإحساسهما بأن المجتمع الدولي يتجه لرفض سياستهما، ويتجرأ في الاعتراض على قراراتهما، الأمر الذي سيحرجهم وسيعمل على عزلهم، إذ لم يعد من الممكن دولياً القبول بالممارسات الإسرائيلية، أو باستمرار احتلال الأراضي الفلسطينية، ومنع الفلسطينيين من تقرير مصيرهم وتأسيس دولتهم، وقد تكون الخطوة الأمريكية القادمة تجاه مجلس حقوق الإنسان، التي ستبادر بالانسحاب منه بعد الإهانات التي تعرضت لها فيه، والانتقادات التي تلقتها من كثيرٍ من الدول الأعضاء، والملفات والقضايا التي أثارها أعضاء المجلس التي تُعتبرُ الولايات المتحدة الأمريكية طرفاً فيها ومتهمةً بها.

بالمقابل فإن فلسطين قد حصدت نتائج التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولمست درجة التأييد الدولي لها رغم حملات الترغيب والترهيب، والضغوط والتهديدات الأمريكية لكل دولةٍ تخرج عن بيت الطاعة، حيث أن دولاً كثيرة رفضت الخضوع لمنطق الابتزاز المادي، والمقايضة على المبادئ والأخلاق مقابل الدعم المادي والوعود السرابية، وأبدت استعدادها الكامل للتصويت لفلسطين في كل المحافل الدولية والمؤسسات والمنظمات الأممية، ولعل الأصوات التي ستنالها في أي تصويتٍ قادمٍ سيتجاوز ما نالته في التصويت الأممي على مستقبل القدس وما حصلت عليه في قرار منظمة الأونيسكو.

ينبغي على السلطة الفلسطينية أن تكون جادةً في تهديداتها، وصادقةً في وعودها، ومخلصة في الدفاع عن شعبها وحماية مقدساتها، وتمضي قدماً في الالتحاق بالمؤسسات والمنظمات الدولية، دون خوفٍ من الضغوط الأمريكية والتهديدات الإسرائيلية، وعليها أن تستفيد من الأجواء العامة والمناخات التي وفرها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي يشكل بالنسبة إلى فلسطين قاعدة انطلاقٍ جديدة، ومنصةً أخرى للعمل الوطني الجاد والمثمر، فالقدس تنتظر منا المزيد من الحراك الدولي والنشاط الدبلوماسي، إلى جانب الحراك الشعبي ومسيرات التضامن ومظاهرات التنديد الدولية.

- قرارُ ترامب يطلق الكلاب ويفلت الذئاب

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

يبدو أن القرار الذي اتخذه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باعتبار القدس هي العاصمة الموحدة للكيان الصهيوني، وبنقل سفارة بلاده إلى مدينة القدس، قد أطلق إشارة البدء وصافرة الانطلاق لسلسلةٍ طويلةٍ من الإجراءات والقرارات الإسرائيلية الصاخبة، وأتاح المجال للمتطرفين الإسرائيليين وغلاة المستوطنين والمتشددين المتدينين والقوميين معاً لأن يعبروا عن رغباتهم المتطرفة، ويكشفوا عن مكنون نفوسهم الخبيثة، وينفذوا ما استعصى عليهم قديماً، واستحال عليهم سابقاً نظراً للظروف الدولية والإقليمية، والعقبات التي كانت تعترضهم، والمقاومة التي كانت تمنعهم وتصدهم، ولكن القرار المشؤوم أخرجهم من جحورهم وبث سمومهم كالأفاعي، وأطلقهم على الأرض يلذغون ويغدرون كالعقارب، فبات خطرهم أشد وأقسى، وفعلهم أسوأ وأخبث، دون خوفٍ يقيدهم، أو ترددٍ يمنعهم، أو خصمٍ يتعقبهم.

توالت المشاريع وتسارعت الخطوات، وهي أكثر مما نعتقد، وأشد خطراً مما نتوقع، وقد استغلت الحكومة الإسرائيلية فرصة القرار الأمريكي فاستثمرته كما تريد وفسرته كما تحب، وشعرت أن الظروف العامة تخدمها والأوضاع الفلسطينية والعربية لا تستطيع أن تصدها، وهي فرصة قد لا تتكرر بهذه المواصفات والحيثيات، فضلاً عن أنها من جانبٍ آخر تخدم نتنياهو المهدد في مستقبله، والمتهم مع زوجته في قضايا عديدة، فالمضي في بعض هذه المشاريع قد يبعد عنه شبح تحقيق الشرطة وكابوس المحاكمة والسجن، وفي الوقت الذي يحقق فيه بعض المنافع الشخصية وهي هامة بالنسبة له ولها أولوية عنده، فإنه سينجح في استرضاء قادة ائتلافه الحاكم ورموز التشدد والتطرف والاستيطان في الأحزاب اليمينية والدينية.

كانت أولى الخطوات التصعيدية التي انتهزت الظرف واستغلت القرار، إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية المصادقة على مشروع بناء ثلاثة آلاف وحدة سكنية في مدينة القدس ومحيطها، وهذا من شأنه مع ما سبق من مشاريع معدة سابقاً أن يطوق مدينة القدس بالمستوطنات والأحياء اليهودية، وأن يعزلها عن محيطها العربي، ويزيد عدد سكانها اليهود بالمقارنة مع السكان العرب، المحرومين من التوسع والبناء، وممنوعين من الترميم والصيانة، ومهددين بالطرد والحرمان من الهوية والمواطنة المقدسية.

وأصدر رئيس بلدية القدس الصهيوني نير بركات تعليماته إلى طواقم بلديته لإعداد خطة شاملة وكاملة لجميع شوارع ومرافق وأنحاء مدينة القدس، والمباشرة في عبرنتها، أي إعادة تسميتها باللغة العبرية، وإعادة الأسماء العبرية القديمة التي يعتقدون أنها كانت لها قبل آلاف السنين، على أن يتزامن هذا الإجراء مع شطب كافة الأسماء العربية، وتغيير كافة اللوحات الطرقية التي تحمل أسماءً وإشاراتٍ عربية، علماً أن هذا المشروع كان حلماً قديماً يراودهم، لكنهم كانوا دوماً يعجزون عن تنفيذه، ويلجأون إلى إرجاءه عاماً بعد آخر.

بالتزامن مع مشاريع استكمال عملية تهويد مدينة القدس، ينوي أعضاء الكنيست الإسرائيلي مناقشة مشروع فرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين الذين يدانون بعملياتٍ عسكريةٍ يقتل فيها مواطنون إسرائيليون، ويطمح العديد من أعضاء الكنيست بالإضافة إلى وزير حرب العدو أفيغودور ليبرمان وغيره، إلى إقرار هذه العقوبة والموافقة على تنفيذها بحق المدانين من الأسرى الفلسطينيين، ويرون أن الفرصة مواتية جداً لإقرارها واستخدامها سلاحاً رادعاً في وجه المقاومة الفلسطينية، ولا يرون عيباً في تنفيذها رغم اعتراض الأمم المتحدة ولجان حقوق الإنسان الدولية عليها، وهي نفسها التي تعترض على الولايات المتحدة الأمريكية التي يصفونها بأعمق الديمقراطيات في العالم، ومع ذلك فهي تنفذ عقوبة الإعدام في حق المدانين بارتكاب جرائم قتلٍ.

في ظل هذه الأجواء المشحونة بالتوتر والعنصرية والكراهية، قام عضو الكنيست الإسرائيلي روني حزان بالاعتداء على كرامة الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، وتهجم بصورةٍ سافرةٍ وبكلماتٍ بذيئةٍ نابيةٍ على والدة أحد الأسرى، بينما كانت في حافلةٍ عائدةً من زيارة ابنها الأسير، وقد تعمد حزان الإساءة إليها، وقام جندي يرافقه بترجمة كلماته النابية وكررها على مسامعها أكثر من مرةٍ، واصفاً الأسرى وابنها بالحشرات، ولم تقم أي جهةٍ رسمية باستدعاء النائب المذكور للتحقيق معه أو إدانته بما ارتكب من جرمٍ شائنٍ بحق هذه الأم وابنها.

أما حزب الليكود الذي يترأس الحكومة الإسرائيلية ويعتبر قلب الائتلاف الحاكم وعموده الفقري، فإنه يمثل قمة التطرف والتشدد، ولعله يقف على يمين الأحزاب اليمينية الدينية والقومية، فقد أعلن عزمه إجراء استفتاء داخل حزبه على مشروع ضم الضفة الغربية بصورةٍ نهائية إلى الدولة العبرية، لتكون جزءاً من الكيان الصهيوني، تخضع لسيادتها ويطبق القانون الإسرائيلي عليها، وذلك تمهيداً لعرض المشروع بعد إنضاجه على الكنيست لدراسته في أكثر من قراءة والتصويت عليه، حيث أنهم يعتقدون أن الضفة الغربية هي "يهودا والسامرة"، التي تمثل قلب الممالك اليهودية القديمة، وبذا فإنها جزء أساس من الدولة اليهودية المنوي الإعلان عنها وجلب الاعتراف الدولي بها، وتمهيداً لهذه الغاية فقد انطلقت أوسع حملة استيطان ومصادرة أراضي لبناء مستوطناتٍ جديدةٍ أو توسيع القائم منها، ولن تقتصر هذه المشاريع الاستيطانية على مدينة القدس وحدها، بل ستتجاوزها إلى كل أراضي الضفة الغربية.

وفي معرض مواجهتها لحملة الاحتجاج الفلسطينية، وقبل أن تتحول إلى انتفاضةٍ عامةٍ وشاملة، فقد اعتمدت سياسة التصعيد العسكري والتهديد باستخدام القوة المفرطة، وعمدت إلى استهداف الأطفال والنساء، وإطلاق النار على الجميع بقصد الإصابة أو القتل، وحتى لا تتعرض الحكومة الإسرائيلية إلي انتقادٍ أو إدانةٍ دولية، فقد باشرت الانسحاب من بعض المؤسسات والمنظمات الدولية والإقليمية، واستنكرت قراراتها ووصفتها بأنها غير مسؤولة، ويبدو أنها ستقوم في الأيام القلية القادمة بما يغيظها ويستفزها.

إنه قرارُ ترامب الأهوج الذي فتح الأبواب أمام الكلاب الإسرائيلية المصروعة لتنبح وتعض وتنهش، وللذئاب الصهيونية لتهاجم وتنقض، دون خوفٍ من أحدٍ، أو مراعاةٍ لجهة، فسيد العالم الذي يتطلع إلى محاكاة الكابوي قد سبقهم إلى الحلبة والميدان، وحثهم على اللحاق به واتباعه، لكنه وهم ما عرفوا أن هذا الشعب قد لبس لأمته وأعد عدته وقرر مع أمته مواجهته والتصدي له، مهما بلغت قوته وعظم سنده، وكثر سلاحه، وما كان لشعبٍ امتشق سلاحه وآمن بحقه، أن يعود دون هدفه أو يرجع منكساً رأسه.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 36 / 14010

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة