الثلاثاء 25 تموز (يوليو) 2017
انتفاضة التحرير

البوابات الإلكترونية.. الأزمة والفرصة

عيسى الشعيبي
الثلاثاء 25 تموز (يوليو) 2017

غالباً ما تنطوي الأزمات المفاجئة على فرص كامنة، وكثيراً ما تتمخض التحديات الصعبة عن استجابات خلاقة، ونادراً ألا يستبطن الاخفاق العابر حلولاً ابداعية مثيرة، على نحو ما تبرهن عليه التجارب الفردية والعائلية الملهمة، ويخبرنا به سجل الشركات وسيرة المؤسسات الناجحة، وتدلل عليه خبرات الدول والحكومات الكفؤة، حين تواجه بمعضلات او مآزق غير متوقعة، لا سيما اذا كان الامر متعلقاً بأخطار مباغتة، او كان متصلاً بمشاكل سياسية طارئة، وما الى ذلك مما تفيض به الحياة اليومية من عثرات وكمائن ومشاكل متفاوتة.
ولعل الأزمة الناجمة عن البوابات الإلكترونية التي اقيمت على مداخل المسجد الاقصى مؤخراً، وما طرحه هذا العمل الاسرائيلي الاستفزازي من تحديات واجهت المقدسيين بصورة خاصة، وخاطبت عموم الفلسطينيين والعرب والمسلمين عامة، افضل مثال على ما تقدمه الازمة، اي ازمة، من ممكنات وفرص واستجابات متاحة، خصوصاً اذا تم قبول التحدي بإرادة كفاحية وثّابة، وجرى التعاطي معه بذهنية واعية، تعرف كيف تقارب اهدافها الواقعية بدقة، وتستلهم خبراتها السابقة، وتبني على الشيء مقتضاه، بعيداً عن الارتجال وعقلية المقايضة.
فقد أدت هذه الازمة التي انتجتها عقلية استعلائية متهورة، الى حصولنا على فرصتين كبيرتين، او قل هديتين ثمينتين، وعدد آخر من جوائز الترضية، تمثلت اولاهما في نفض الغبار عن القضية، التي كانت قد هبطت الى ذيل قائمة الاهتمامات العربية والدولية، لتعود مجدداً الى مكانتها المتقدمة، تحتل صدارة الانشغالات الشعبية ورأس جدول اعمال الاجندات الدبلوماسية، اما ثانيتهما فقد تمثلت في توسيع رقعة المسجد الاقصى من 144 دونماً الى مساحة تشمل كل البلدة القديمة ومحيطها الجغرافي الواسع، بل وسائر مدن وبلدات فلسطين التاريخية.
ففي اطار الاستجابة التلقائية لهذا التحدي الوقح، استردت الجبهة المقدسية وحدتها الطبيعية بعد طول تشتت، وتحول ابناء المدينة المقدسة الى رأس حربة في مواجهة الغطرسة الاستعمارية، كما استعاد الفلسطينيون وحدتهم الميدانية بصورة طيبة، وهبوا دفاعاً عن المسجد الاقصى بمشاهد أحيت في الاذهان صور الانتفاضة الاولى، التي ملأت شاشات التلفزيون بأطفال الحجارة والمواجهات الشعبية وادخنة الاطارات المشتعلة، وأفضت في ما افضت اليه من تحولات كبرى، الى عودة منظمة التحرير الى ارضها الطبيعية.
وعلى خلفية اغلاق الاقصى امام المصلين، تمهيداً للاستيلاء عليه واقامة الهيكل الثالث مكانه، تحولت ازقة القدس العتيقة وساحاتها الخارجية، الى اماكن ملحقة بأولى قبلة للمسلمين، وصار ثالث الحرمين الشريفين موضعاً في الارض يشمل فلسطين، بما في ذلك اراضي الـ 48، ناهيك عن بقاع اخرى مترامية الاطراف، امتدت من ماليزيا الى موريتانيا وما بينهما، فكان ذلك مكسباً مهماً، احسب ان العجرفة الاسرائيلية، التي استهانت بملايين العرب والمسلمين، واستخفّت بهم ايما استخفاف، لم تخامر عقليتها مثل هذه النتيجة الباهرة.
اما عن جوائز الترضية، فهناك اثنتان؛ الاولى تقويض الوهم الاسرائيلي بعقد سلام اقليمي من فوق ظهر الفلسطينيين. ولعل السؤال هو من سيجرؤ على اجتياز الخط الاحمر، اذا استمر هؤلاء يصلون خارج صحن الاقصى؟ والثانية تجلي المدينة التي ادعت اسرائيل توحيدها منذ 50 سنة، واعتبرتها عاصمة ابدية لها، اكثر مدينة منقسمة على نفسها.
بكلام آخر، بدت معركة الاقصى معركة رابحة قبل ان تبدأ، أدرك فيها المدافعون عن بيت المقدس، ان اسرائيل وقعت على وجهها دون تبصر، لمسّها بالعصب الملتهب، الباعث على أشد ردود الفعل الوطنية والدينية. كما أدرك المرابطون ايضاً في الارض التي بارك الله من حولها، ان المحتلين علقوا بفخ من صنع أيديهم، وأنهم الخاسرون سلفاً، وهو ما فجر كل هذا الغضب المقدس بسرعة، واطلق الشرارة القادرة على إحراق المنطقة.
وأياً كانت النتائج التي قد تسفر عنها الاتصالات الدبلوماسية، فإن المواجهة المحتدمة حول حاضر ومستقبل الأقصى، تعد المواجهة الصفرية الوحيدة في ملف الصراع التاريخي، التي لا مجال فيها للحلول الوسط، على غرار عناوين من طبيعة سياسية، قابلة للتسويات المتوازنة، ولو بعد حين طويل، فيما تؤدي أنصاف الحلول حيال مصير البقعة المقدسة الى العبث بنار حرب دينية لا تذر، قد تستمر الى يوم القيامة، وهو ما يحملنا على الثقة بأننا الرابحون حتما، وان اسرائيل هي الخاسرة دون ريب.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 4 / 10704

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة