السبت 22 تموز (يوليو) 2017
انتفاضة التحرير

باب الأسباط

عيسى الشعيبي
السبت 22 تموز (يوليو) 2017

لم يتردد اسم باب الأسباط في نشرات الاخبار كما تردد خلال الاسبوع الفائت، اي منذ العملية العسكرية التي جرت امام هذا الباب المفضي، وحده، الى ناحية الشرق في سور البلدة القديمة. ولم يشهد هذا الباب، وهو اقرب المداخل الى باحة المسجد الاقصى، مثل هذه المواجهة الدامية مع سلطة الاحتلال من قبل، على مدى الخمسين سنة الماضية، حيث احتكر باب العامود ذائع الصيت كل الفعاليات المشهدية السابقة، نظراً لمركزية هذا المدخل الشمالي الفاره في حياة المقدسيين الاقتصادية والثقافية، واتصاله المباشر بأسواق وحارات القدس العتيقة.
لم أعثر في المراجع التاريخية المتاحة على سبب تسمية هذا الباب الواسع بهذا الاسم الشائع بين الناس، الذين يطلق بعضهم عليه اسم باب "ستنا مريم" لقربه من الكنيسة التي اقيمت على الموقع الذي ولدت فيه السيدة العذراء. وكنت اخشى في ما مضى من وقت، حين كنت أفضل العبور من حي واد الجوز(حيث اقمت) القريب من باب الاسباط الى ساحة المسجد الاقصى، ان تكون هذه التسمية ذات مدلول عبري، كون اليهود العبرانيين كانوا موزعين على اثني عشر سبطاً، غير ان هذه الوساوس تبددت عندما تيقنت ان لا شبهة عبرية في هذا الاسم.
أود ان اطيل الحديث عن باب الاسباط أكثر، لأختصر ما امكنني التعليق على العملية العسكرية التي حملت اسم هذا الباب، بعد ان تجنبتُ التطرق الى العملية في مقالي الاخير، وهو ما اثار استغراب بعض الاصدقاء الراغبين في سماع وجهة نظري حول اول مواجهة مسلحة في فناء المسجد الاقصى، الذي كان على الدوام مسرحاً فسيحاً لغالبية الفعاليات الجماهيرية، ونقطة انطلاق كبرى لمعظم الصدامات والانتفاضات والثورات الفلسطينية المتعاقبة على مدار نحو قرن من الزمن، وذلك لشدة حساسية المكان وقداسته الدينية ورمزيته التاريخية.
كان اكثر ما لفتني انه بعد مرور نحو اسبوع، قامت فيه قيامة القدس ولم تقعد بعد، لم تعلن اي جهة مسؤوليتها عن هذه العملية العسكرية غير المسبوقة في الحرم القدسي، وهي المرة الاولى في تاريخ الكفاح المسلح التي تظل فيه عملية مدوية ضد الاحتلال بلا اب ولا ام، الامر الذي كان ينبغي معه الامساك عن كل قول، خشية ان تكون "داعش" خلف هذا العمل المتسم بروح سلفية جهادية لا توازن فيها بين الاستطاعة والكلفة، ولا تعبأ بردود الافعال غير المسيطر عليها، او بالمضاعفات المترتبة على وضع الاقصى، الواقع راهناً في بؤرة عاصفة اطماع اسرائيلية عاتية.
في غمرة المواجهة المتواصلة بكل الاشكال المتاحة، لا يجوز التحفظ على اي عملية من اي نوع كانت، طالما انها ضد احتلال استعماري غاشم، يتعبد في محراب القوة ولا يفهم لغة سواها، على ان يكون الفعل المقاوم آتيا من قلب الحركة الوطنية الفلسطينية، وموظفا في خدمة اجندتها الكلية، يضيف اليها، لا ان يجيء عليها ويخصم من رصيدها النضالي، ويلقي على كاهلها المتعب شبهة التماهي مع أهداف مسمومة، حيث كثيراً ما سعت " داعش"، بدون نجاح، الى القيام بعمل استعراضي يبرر زعمها الفارغ بقتال اليهود، وهم الجهة الوحيدة التي لم يرمها هؤلاء بحجر او وردة.
اذا كان لهذه العملية، التي قدمت لإسرائيل فرصة مثالية لم تتحقق لحسن الحظ، كي تنفذ مخططها المبيّت بتقسيم الاقصى مكانياً وزمانياً، من نتائج ايجابية مهمة، فذلك ناجم بالدرجة الاولى عن غطرسة سلطات الاحتلال وفجور ردود افعالها الانتقامية، بما في ذلك تغيير الوضع القائم في الاقصى، (نصب كاميرات مراقبة، وإقامة بوابات الكترونية)، وهي تداعيات متمثلة في سلسلة طويلة من المواجهات النضالية المبشرة بحدوث انتفاضة شعبية، لم تنجح في اطلاقها ظاهرة الطعن بالسكاكين وعمليات الدهس وغيرها.
لقد كان الاقصى فتيل التفجير الرهيف لمجمل الاحداث الكفاحية التي شهدتها الاراضي الفلسطينية تاريخياً، وظلت اول قبلة للمسلمين رافعة قوية لتوحيد الاهداف واحياناً رص الصفوف وراء غاية سياسية اكبر من كل ما طفا على السطح، مؤخراً، من مزايدات ومكايدات ومحاولات انتهازية، لتسوية الحسابات الداخلية، وهجاء الخصوم وجلد الذات، الامر الذي نأمل معه ان يكنس يوم الغضب والنفير العام لنصرة الاقصى ما علق بالمشهد الفلسطيني من مظاهر شاذة.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 0 / 10601

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع مقالات   wikipedia

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة